تمر مصر الحبيبة بأزمة هي أعنف ما مرت به من أزمات ربما حتى في تقديري كانت ثورة يناير أخف منها وطأة وأقل منها شدة وأزمة؛ لأنها كانت واضحة المعالم، صحيحة الاتجاه، طريقها واحد معروف، لها نهايتان واضحتان: إما النصر، أو الفشل.

 

أما ما يحدث الآن فهو أزمة حقيقية، حارت فيها العقول، وضاعت في حلها الألباب، إلا من ألهمه الله الرشد والصواب، أزمة أزعم أن كل الأطراف فيها خاسرون.. وأن المنتصر فيها فقط هو من يستطيع الحد من خسائر الوطن حتى لو كانت خسارته هو كشخص اعتباري كبيرة وعظيمة.

 

منذ ليل الأحد وأنا موجود بالميدان باعتباري مواطنًا مصريًّا.. وباعتباري من الإخوان المسلمين ثانيًا.. تربيت داخل الجماعة على نجدة الملهوف وإغاثة المستغيث ونصرة المظلوم، فما بالكم لو أن هذا الملهوف المستغيث المظلوم هو الوطن؟!.

 

ما استقر بداخلي في هذه الأيام أنه لو استمر اعتصام التحرير الذي كان طيلة أيام الثورة الأولى لكنا الآن بصدد الاستعداد لانتخابات رئاسية أو على أسوأ الظروف ننتهي من انتخابات البرلمان، وأن ترك الميدان كان خطأً اشترك فيه الجميع بلا أي استثناء.

 

وما استقر في داخلي أيضًا أن الاعتصام والتظاهر السلميين هما أول الطريق الصحيح لانتزاع الحقوق المسلوبة من المجلس العسكري وفلول النظام اللذين ما زالا يمسكان بأزمة الأمر، فعلى مدار عشرة شهور من الثورة لم يستجب المجلس والحكومة السابقة إلا تحت ضغط المليونيات الحقيقية، ومن ثم يحاول بعد انتهاء المليونية الالتفاف والتسويف والتباطؤ والتواطؤ؛ للحيلولة دون تنفيذ مطالب الشعب.

 

هذه هي الحقيقة التي بتُّ أقتنع بها تمام الاقتناع بعد هذه الأيام، غير أنه بعد تقلبات الأحداث طيلة الأربعة أيام المنصرمة بتُّ أتجه بقوة للاقتناع بالرأي القائل بفضِّ الاعتصام من قبل الشرفاء الذين فيه؛ لفضح لعبة العسكر بتلويث الثورة المباركة بما ليس منها وليس فيها.

 

ليس لعدم حجية الاعتصام بل لا زلت مقتنعًا بأن الاعتصام والبقاء بالميدان هو الحل الوحيد والأمثل والأصح والأفضل والأقوم والأقوى لجلب حقوق الشعب من براثن العسكر.

 

ولا زلت أعتقد اعتقادًا تامًّا أن الاعتصام- بشروطه- هو الوسيلة الداعمة لإنجاح الخطوات الديمقراطية القادمة أيًّا كانت، وبدونه على الأغلب سيعمل العسكر على إفشال تلك الخطوات بكل شكل.

 

ولكن.. ما أتجه للاقتناع به أن اللعبة الآن باتت أكبر حتى من مجرد توريط الإخوان في اعتصام يتحجج به العسكر للانقلاب الصريح على السلطة.

 

اللعبة الآن بتشويه الثورة والثوار وإظهار الثوار بمنطق الفساق والبلطجية والفاسدين المفسدين في الأرض، الباغين على ممتلكات وثروات الشعب.

 

اللعبة الآن لعبة إعطاء مبرر للعسكر للاستمرار في السلطة والحكم بالرغم من الوعود المعسولة للقوى الوطنية التي لا دليل حقيقي على نية العسكر (الغادرون المنافقون المخادعون الكذابون) على الوفاء بها.. بل هم للغدر والانقلاب على وعودهم أقرب.

 

إن في الميدان كثير جدًّا من الشرفاء.. كثير جدًّا ممن يسعون لخير هذا البلد.. كثير جدًّا ممن يسعون لما فيه صالح هذا البلد.. كثير جدًّا ممكن يريدون نهضة هذا البلد.. غير أنه لا صوت لهم.

 

الثوار الحقيقيون الآن يخسرون معركة الإعلام التي تشنها عليهم قوات الفضاء العميلة.. معركة ولأول مرة لا تكون بالهجوم على الثورة.. بل تدعمها.. لأول مرة تقف الفضائيات بجانب الثورة وتتحدث عنها باعتبارها حدثًا ضخمًا، وأن ما يحدث بالتحرير ثورة.. وهم في الحقيقة ينشرون الغضب.. ينشرون النار.. ينشرون الحريق؛ لأنه لا يمكن أن نؤمن للحظة أنهم قد استيقظوا من سباتهم ليؤمنوا بالثورة.. أو نؤمن أن ضمائرهم قد استيقظت فجأة لتقف بجوارنا.. أو أن أفكارهم قد تحررت من أسرها التي وضعوها فيه ليعتقدوا بأفكارنا.. لا يمكن أن نعتقد أنهم قد تغيروا فجأة، بل إنهم يقينًا يعملون لمخطط دنيء خبيث.. هو نفس مخطط العسكر.. بمنطق نار العسكر ولا جنة الديمقراطية.

 

وبخلاف معركة الإعلام.. فان الثوار الحقيقيون الآن يخسرون معركة القوة بعد المعادلة الصعبة التي فرضها العسكر على الإخوان.. وأقول الإخوان تحديدًا لأنهم القوة الوحيدة التي تملك إعطاء قوة للميدان لدعم الاعتصام المشروع، غير أن أسلوب الاعتصام الحاصل الآن والحشد الذي فيه، فرض على الإخوان معادلة تقول إما أن يسعوا لمكسب سياسي مقابل دماء كثيرة أو خسائر سياسية في أغلب الظن وقتية لن تستمر مقابل الحفاظ على الدماء والأرواح المصرية العظيمة من أن تراق بأيدي المصريين أيضًا.

 

إذن فإن الأغلب أن الثوار الحقيقيين الشرفاء بدون إعلام حقيقي يستطيع فرض وجهة نظرهم في الفضاء الإعلامي الشاسع.. وبدون قوة حقيقية على الأرض تفتح لهم المجال للسيطرة على الميدان لتنظيمه وترتيبه؛ لتقديم اعتصام حضاري حقيقي كالذي نظموه في يناير الماضي.

 

كيف تخرج ثورة مصر وثوار مصر من هذه الأزمة التي سعى لوضعهم فيها العسكر عامدًا متعمدًا قاصدًا العودة لعشرة أشهر مضت؟!.

 

إن إجماع السياسيين الشرفاء والقوى السياسية الوطنية الحقيقية (باختلاف الإيديولوجيات) على أن استحقاق الانتخابات التشريعية هو المخرج الوحيد السريع الآمن لهذه الأزمة وللثورة ولمصر كلها مما هي فيه، بشرط أن يخرج في الانتخابات القادمة ما لا يقل عن 35 مليون مصري ليضعوا أصواتهم في صناديق الاقتراع؛ ليختاروا نوابهم في مجلس الثورة.

 

لن يتحقق ذلك إلا بحكومة ثورة حقيقية، وقوى وطنية تحشد الناس للانتخاب لا لنفسها وقوائمها، بل لزرع عقيدة الملكية العامة لكلِّ المصريين عن مصر.

 

بدون هذين الأمرين لن تتحقق هذه الأعداد التي يستهدف منها أن يدافع الشعب نفسه عن حقه في الانتخاب.

 

كما أن الخروج من الميدان الآن يفضح القلة المندسة سواء من القوى الغريبة التي لا يعلم أحد من هم وتدعي أنها من قوى الثورة، وهي منها براء، والذين يعملون على إشعال الأمور أو من البلطجية التابعين للمجلس الأعلى ووزارة الداخلية، بما يسمح بمنع لصق هذه التصرفات المشينة بهؤلاء بالثوار، وبما يسمح بعدم استخدام المجلس الاعتصام بشكله السيئ الآن ضد الثورة وضد الانتخابات.

 

ويبقى حل أخير صعب للغاية حدوثه في ظلِّ التسارع الملحوظ وضغط الأحداث، والرأي العام وهو أن يعمل الثوار في الميدان على تنظيف صورة الاعتصام، وتنظيف الميدان من المندسين الساعين لإشعال الأمور قصدًا وعمدًا وتوجيه الاعتصام نحو تحقيق آمال الشعب في انتخابات نزيهة وديمقراطية؛ ليكون وسيلة ضغط حقيقية على العسكر لإتمام هذا الاستحقاق الأهم في تاريخ مصر الحديثة خلال ستين عامًا على الأقل.. ولكن هل يستطيعون؟ نأمل ذلك.

 

دماء الشهداء التي سالت.. غالية عزيزة.

 

حقنا- مجرد الحق- في التظاهر والاعتصام.. يستحق الموت من أجله.. ومن أجله قامت الثورة.

 

حقوقنا التي لم تعد.. بلدنا التي لا زالت تنهب.. ثرواتنا التي ما زالت تضيع.. تستحق ثورة أخرى.
إلا أن ما يحدث الآن هو لعبة خبيثة.. أزعم أنها ليست فقط من إعداد المجلس الأعلى وحده.. وليست أيضًا فقط بمساعدة أحزاب الظلام التي تسعى لمصالح سياسية ضيقة.. بل أستطيع أن أقول إنها من إعداد قوى الاستكبار الغربية لإجهاض ثورتنا المباركة.

 

ليس كل النصر في تحقيق المكاسب.. بل إن منع الخسائر أحيانًا يعتبر نصرًا كبيرًا لترتيب الصفوف والعودة أكثر قوة وأكثر إعدادا وأكثر تنظيمًا فنحقق النصر المؤزر، تذكروا انسحاب خالد بن الوليد في معركة مؤتة بثلاثة آلاف مسلم أمام مائتي ألف رومي؛ ليعود بعد ثلاث سنوات بستة وثلاثين ألفًا يغلب بهم أيضًا مائتي ألف من الروم.

 

حمى الله مصرنا وأرضنا وثورتنا من كل من أراد بها شرًّا، وجعل كيده في نحره، وفتح لنا من بين هذه الدروب المدلهمة شعاع نور يهدينا.. اللهم آمين.