قد يكون هناك خلاف بين الناس على وجود تجاوزات سياسية للمجلس العسكري ومخالفات مالية لقيادات عسكرية، وصفقاتٍ يمكن وصفها بالمشبوهة في بعض الأحيان!.

 

ولكن ليس ثمة خلاف في أنَّ هذه التجاوزات وتلك المخالفات- على جسامتها- يمكن أن تكون محلّ تسامح وتغافر من جانب الشعب تجاه المجلس العسكري، فيما لو أبدى المجلس شعورًا صادقًا نحو الثورة والثوار، وفيما لو تخلى المجلس العسكري عن سُبَّةِ شراء خواطر المفسدين والقتلة وَانتهى عن مراعاة مشاعر المجرمين، في الوقت الذي لا يبدي فيه قدرًا معتبَرًا من تفهُّم روح الثورة وموقف الثوار، وتيسير طريق الشعب إلى حياته الجديدة بدون أولئك الأشرار!.

 

ما ضير المجلس لو أفسح الطريق للطاقات الوطنية لتخدم بلدها في جوٍّ من الحرية والاستقرار وتداول السلطة؟، أكان الأمر يحتاج إلى مزيد من الإنهاك السياسي بحق القوى الوطنية، وإهدار جهودها وتبديد طاقاتها في سجالٍ سخيف وَجدالٍ عنيفٍ قد أساء إلى سمعة المجلس وأحلَّ ما كان ظَنًّا في وعي الناس بأنَّ المجلس نسخة غير معدلة من النظام السابق إلى يقين راسخ وقناعة لا تزعزعها وعود ملتوية واستجابات بطيئة وسلوك سياسي مثير للريبة والتوجّس والترقُّب!.

 

وهل يُعَدَّ إصدار قانون محترم للعزل السياسي وإزالة جميع ما يمكن أن يحول بين الشعب ونهضته وتلافي آثار الدمار السياسي والانتكاسة الاقتصادية والإخفاق الذي خَيَّمَ شؤمه في آفاق بلادنا المنكوبة بالطغاة الآثمين.. هل يُعَدُّ إجحافًا بقتلة الشعب وأرباب السوابق ومافيا العمل السياسي المشبوه؟، هل يريد المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعادة إنتاج الأزمة في صورة أخرى فندخل في تضاعيف الأنفاق المظلمة من جديد؟!

 

ولماذا الإصرار على إنهاك الشعب والقوى الوطنية واستنزاف طاقاتهم في مجادلات حول أمور تقتضيها البديهة والسجية النبيلة والنوايا الحسنة المستجيبة لروح الثورة الإصلاحية؟!، والتي لا تقتضي أكثر من تنحية كل من كان ذا سهمٍ في إغراق هذا البلد بأوحال التخلف والفساد، وإخلاء طريق النهضة المصرية من المفسدين مِمّن عوّقوها وأنهكوها واستنزفوها ونهبوها وأفسدوا فيها كل صالح وأماتوا فيها كل شيء حي!.

 

وهل مطالب الشعب ليست ممكنة الإجابة لدرجة تستوجب كل هذه الدماء السائلة والاعتداءات الغادرة، وتلك المفاوضات والسجالات التي تظهر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في صورة مطابقة للنظام الفاسد الذي دلل على أنه بحلول العسكر لم يزل ممسكًا بمقاليد الأمور بقبضةٍ من حديد عز!.

 

وهل هان الشعب المصري بتاريخه وحضارته العظيمة في عيون المجلس العسكري لدرجة إقدامه على شراء خواطر العصابة السياسية السابقة مقابل مصر أم الدنيا؟! يا للعار!.

 

فهل أمن مصر واستقرارها سيادتها واستقلالية إرادتها السياسية، وتهيؤها لاستعادة زمام الريادة الحضارية والسيادة من جديد من شأنه أن يتعارض مع توجُّهات المجلس العسكري؟ نريد إجابات شفافة دون مراوغاتٍ؟.

 

إنَّ أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة فرصة تاريخية للتكفير عن خطايا يعلمها أفراده أجمعون، ولربما لو أقلع وتخلَّى عن منطق مراوغة الشعب وخداعه ومحاولة مرمغته في الوعود المطّاطة واستدراجه في متاهات طرق ملتوية، وأقدم على الاستجابة الصادقة لروح الثورة وحاجات الجماهير إلى الحرية والأمن والاستقرار والتنمية.

 

إنَّ مطالب الثوار وحاجات الشعب من الأمور التي لا تحتاج أكثر من شعور وطني ملتزمٍ أصيل بعيدًا عن المزايدات التي لا يعني التراخي عن إجابتها سوى شيئين:

* خدمة جهات خارجية تريد خيرًا لمصر والمصريين.

 

* الاستسلام للأهواء والمصالح الشخصية وإيثار حظوظ النفس ومجاملة أرباب السوابق الإجرامية من النظام الساقط على حساب مصر والمصريين. وإلاّ فلماذا كل ما يحدث؟!

 

إنَّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة أمام اختبارٍ حقيقيٍّ لوطنيته بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة والتصريحات المتلفزة. وإنَّ هذا المجلس بين يدي فرصة تاريخية قد لا تسنح ثانيةً... فإمّا أن يشاطر الشعب مشاعر الوطنية والخلاص وإما أن يغادر التاريخ غير مأسوف عليه مجللاً بالعار وتلاحقه اللعنات أينما ورد ذكره أو رُشي رسمه!. 

 

فإذا كان أحد بالمجلس العسكري لا يهمه ماذا سيقول عنه التاريخ  فنحن الذين يهمنا ماذا سيقول التاريخ عنّا؛ وسنسعى بكل ما أوتينا من فضل قوة وطاقة ومال ونفس إلى التنزّه عن أن يُذْكَرَ جيلُنا بسوء الأحدوثة أو أن يلاحقه عار الصمت وخزي التخاذل عن نصرة هذا البلد العظيم في هذا الظرف العصيب!؛ ولسوف تتوافر لذلك الالتفاف المخادع على إرادة الشعب: قوى لا تعرف المهادنة، ولا يبرح قلبها غضب الغيرة على قيم وحضارة وثقافة وكرامة هذا الشعب مهما كانت التكاليف ومهما بهظت فواتير الحرية والخلاص.

 

وختامًا أقول للمجلس العسكري: اعرف قدرك.. والزم حدّك.. واحترم نفسك.. خيرٌ لنا ولك!.

------------------

* كاتب ومهتم بقضايا الفكر الإسلامي- alwishy@gmail.com