حدثنا القرآن الكريم عن طبيعة النفس البشرية وبين طبيعتها (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)) (الشمس)، وإمكانية رقيها لأرقى درجات السمو البشرى، وإسقاطًا في مجال العمل الشرطي قدم لنا التاريخ والواقع الإنساني ذلك في نفوس أفراد ومؤسسات شرطية تمتلك نفوسًا تقية نقية طاهرة وشريفة، يفهم كل فرد فيها مهمته ودوره وحقوقه وواجباته، عاينا ذلك بعيون قلوبنا كلما خرجنا من مطار القاهرة، وبدأنا نشم هواء الحرية بداية من دول الخليج إلى تركيا وماليزيا وإندونيسيا وأوروبا..إلخ .

 

كما أن النفس البشرية يمكن أن تتردى في الهاوية؛ خاصة عندما تملك عصا القوة والسلطة، وقد عاينا ذلك تاريخيًّا في هامان وجنودهما، كما عشناها واقعًا مريرًا لما يقارب النصف قرن مع النظام الأمني السابق .

 

ما من شك في أن الملف الأمني المصري معقد جدًّا، وبات يشكل عقبة كؤود ضد محاولات التغيير والإصلاح والتنمية، حيث تعيش البلاد حالة من الفراغ والارتباك الأمني المتعمد من قبل فلول النظام السابق وجهازه الأمني، في محاولة منهم للرجوع المنظم المشرف لهم، وأنى لهم (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (الأعراف: من الآية 40).

 

وما من شك في أن أغلب بيوتات مصر تعيش حالة من الحزن وكظم الغيظ الشديد؛ نتيجة تأخر القصاص لدماء أبنائهم التي لم يقتص لها حتى الآن، ناهيك عن قصاص الثلاثين عامًا من الذل والهوان تحت يد نظام أمني غاشم وفاسد.

 

في هذا السياق طرحت الكثير من الأطروحات المتنوعة للتعامل مع هذا الجهاز، ومحاولة سد الفراغ الأمني، اتفق أغلبها على صيغة الاجتثاث الكامل من جذوره الفاسدة الممتدة في أعماق عالم الأشخاص والأفكار والأشياء المكونة لبنية هذا الجهاز المسيء لتاريخ مصر؛ بل تاريخ الإنسانية عامة، ولن يعاد تبييض صفحات التاريخ المصري إلا بعد اجتثاث هذا الجهاز وحذفه بكامل أشخاصه من التاريخ المصري الحديث وتقديم مدانيهم إلى المحاكم المختصة.

 

هذا الجهاز نمى وتطور فيه حجم الفساد والإفساد إلى كافة مكوناته الثلاثة في عالم الأشخاص؛ فلم يعد ينضم إليه ويرقى في سلمه الوظيفي إلا أفسدهم، وأكثرهم استعداد للفساد والإفساد، حتى رسخت هذه الثقافة ونمت وترعرعت وأصبحت جاذبة لأردأ النفوس البشرية التي يمكن أن تخرجها أرحام البشر، حتى وإن أخطأت فلاتر الفساد وضمت بين صفوفهم من ليس منهم سرعان ما يتم إعادة تشكيله بمفاهيم وقيم ومهارات وتقنيات الفساد والإفساد، وقد عاينا بأم أعيننا شبابًا.

 

كُثُر كنا نعدهم من الشباب المصري الطيب الأصيل، وسرعان ما عاينا واشمأزت نفوسنا حين عاينا تردي أخلاقهم وبوار نفوسهم بعد إعادة تشكيلهم في مؤسسة الفساد والإفساد الشرطي.
لا أود الدخول في تفاصيل مفاهيم وقيم ومهارات فساد هذا الجهاز، والله حفظًا على مشاعر النفوس المصرية الطاهرة المسالمة التقية النقية؛ خاصة في شهر القرآن والرحمة .

 

كما بلغ الفساد ذروته في عالم الأفكار الحاكمة التي يتبناها أفراد هذا الجهاز، من إحساس بالقوة والتميز والاستعلاء وإهدار لقيمة الإنسان وكرامته، وغباء، وتدنٍ خلقي، وتعدٍّ على حقوق الغير وممتلكاته وتجرؤٍ على الحرام والظلم والطغيان.. إلخ، والتي تمثل المصدر الأساسي لكل ما يمكن أن يصدر عنهم من تصورات ورؤى وخطط وأعمال على أرض الواقع، والتي يمكن تجسيدها في ما جاء على لسان كبار مسئوليها بأن ما هذا الشعب إلا عبيد لنا، ونحن أسيادهم!!.

 

العجيب في الأمر أن تتكيف هذه الأفكار مع عالم الأشياء من قوانين ولوائح ونظم ووسائل وأدوات وإجراءات تشكل في مجملها مؤسسة كبيرة للفساد والإفساد المنظم، وأصبحت خارج حدود التقويم والإصلاح، بدليل أن ثورة يناير المباركة لم تتمكن حتى الآن من استكمال أهدافها بفعل هذه المؤسسة التي تقود خطط الثورة المضادة وأعمالها؛ خاصة بعدما تسببت فيه من آثار نفسية وتربوية وأخلاقية على الإنسان المصري تتابعت آثارها على جوانب حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى ظن البعض أن تركيبة العزة والشموخ والمروءة والشهامة وحب الخير والبذل والعطاء التي ميزت الشخصية المصرية قد ذهبت وتلاشت تحت سياط القهر والاستبداد والذل والمهانة.

 

كل ذلك يؤكد فشل جميع أفكار الإصلاح الجزئي وجهوده التي يمكن أن تتم؛ فلم يبق إلا مشرط الجراح ليزيل ويفصل هذا الورم الخبيث عن الجسد المصري حتى يستعيد عافيته، وبعد عزل هذا الورم وتفكيكه إلى جزئيات صغيرة منزوعة القوة والسلطة لعلها أن تعيد اختيار طريقها من جديد .

 

ومن رحمة الله أن باب توبته مفتوح حتى يغرر العبد، كما أن الشعب المصري المتسامح يمكنه أن يسامحهم كأفراد إن أكدوا حسن سيرتهم خلال المرحلة المقبلة.

 

حدثنا القرآن الكريم عن طبيعة النفس البشرية العادية حينما تمتلك أسباب القوة والسلطة، وكيف بها تميل إلى الاستغناء المفضي إلى الطغيان، فما بالك إن كان يختار الفاسدون ويتعلمون ويتدربون في مؤسسة للإفساد، ثم يخرجون إلى مؤسسة متخصصة ومحترفة في الإفساد، كما يتقرر المستقبل الوظيفي لأفرادها على أساس معايير الإبداع والابتكار الإفسادي، فما بالك إن منحوا بعد ذلك أدوات القوة والسلطة.

 

لذا أقترح الاجتثاث الكامل لجهاز الأمن السابق من جذوره في عالم الأشخاص والأفكار والأشياء، اللهم إلا المباني والتجهيزات المكتبية فقط، على أن يتم الاستعانة بقيادات من رجال الجيش المصري الذي يمتلكون عقيدة المحافظة على الأمن والكرامة المصرية، بالإضافة إلى قيادات نوعية من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات تخصصات التربية وعلم النفس والاجتماع والقانون بالإضافة إلى ثلة من رجال الأزهر الشريف- تستوعب ما تحتاجه من أفراد جدد من ملايين الخرجين المثقفين في التخصصات الجامعية المختلفة، مع تصميم منظومة قيمية وثقافية جديدة تشكل عقيدة الشرطة المصرية الجديدة وتمثل في ذاتها معيارًا ورقيبًا ذاتيًّا لأبناء الشرطة يحميهم من الجور والطغيان؛ بالإضافة إلى حزمة من القوانين الانضباطية الضامنة لجودة الأداء الشرطي وسلامته.

 

وفى الانفتاح والتواصل مع مؤسسات التدريب الشرطية العالمية ما يمكن أن يسد الفجوة المعرفية والمهارية الخبراتية في أسرع وقت ممكن.

 

وما أجمل أن نجد وزيرًا للداخلية من النخب العلمية والاجتماعية والدينية في المجتمع.