في المشهد السياسي من حولنا أشياء كثيرة تستحق التأمل والتفكر، وخاصة فيما يتعلق بكراسي السلطة، وما تحدثه في الإنسان من تغير شديد، فكثير ممن يتشبثون بكراسي السلطة بعد أن ذاقوها كانوا قبل توليهم مناصبهم- أيًّا كانت هذه المناصب- أشخاصًا طبيعيين، فانقلبت أحوالهم وتغيرت شخصياتهم لما جلسوا فوق كراسي المناصب، وقد قيل قديمًا لأحد العلماء: ما بالنا نرى فلانًا قد تغير لما ولي الإمارة؟ فقال: إن الإنسان إذا ولي أمرًا أكبر منه تغير له، وإذا كان هو أكبر مما تولاه تغير المكان له. إذن التغير أمر حتمي في هذا الأمر فإما أن يتغير الشخص ليتناسب مع المكان الذي تولاه إذا كان هذا المكان أكبر منه ومن قدراته وإمكاناته، وإما أن يتغير المكان لأن صاحبه الذي تولاه له قدرات عظيمة وخبرات تفوق طاقة هذا المكان فيكبر المكان بصاحبه الكبير العظيم.
وهذه المقولة ربما تفسر لنا كثيرًا مما يجري حولنا من تغير في رجال السلطة أو أماكن السلطة.
أعرف أستاذًا ظل عميدًا لإحدى الكليات ثلاث دورات متتالية مدتها تسع سنوات، ولم يعد له الحق في فترة رابعة، ويوم أن ترك منصبه أصر أن يأخذ معه الكرسي الذي ظل طوال السنوات التسع يجلس عليه، المهم يخرج بشيء من رائحة المنصب كما يقولون ويوم أن ترك منصبه قال: أنا أعذر اليوم كل من يتولى سلطة ولا يريد أن يتركها، إن من يترك سلطته كأن روحه تنزع منه، هذا الكلام الواقعي يؤكد سحر كراسي السلطة وما تفعله في أصحابها.
هذا شأن كل من يرى نفسه في مقدمة الصفوف- مهما صغر المنصب أو كبر- وإن كان التشبث بالمناصب الكبرى أشد، ومفارقتها صعبة، ودونها الموت.
يحكى أن رجلاً من الناس كان يسير في طريق فشعر بألم شديد في رأسه، فأسند رأسه على شباك مغلق في بيت يقع على جانب الطريق، فكان كلما مر أحد من الناس ورأى الرجل يقف أمام الشباك ظن أنه ينتظر فتح الشباك ليشتري شيئًا أو أن شيئًا ما سيوزع على الواقفين من خلال هذا الشباك فيأخذ مكانه في الصف خلف الرجل، وظل الصف يمتد ويطول إلى أن جاء رجل ووقف في الصف وسأل من أمامه عن سبب وقوف الناس في هذا الطابور الطويل، فلم يعرف إجابة ولذلك سأل من أمامه وهكذا كل واحد يسأل من أمامه عن سبب الوقوف في هذا الطابور إلى أن وصلوا بالسؤال إلى الشخص الأول فنظر خلفه فوجد صفًّا طويلاً من الناس فأخبرهم عن سبب وقوفه، فقالوا له: هيا انصرف حتى ننصرف (وكأنهم يستأذنونه في الانصراف)، فقال لهم: هل أكون أول الواقفين في هذا الصف الطويل وانصرف، فقالوا فما فائدة الوقوف إذن؟! قال: يكفيني أنني أول الصف!.
هذه القصة الرمزية تكشف لنا عن شيء مما نحن بصدده، إن من يحصل على شيء يصعب عليه أن يتخلى عنه، فما بالنا بكراسي السلطة.
فهل يخاف أصحاب السلطات من ترك كراسيهم لأنها تحميهم؟، ولماذا يخافون من الناس؟ لا شك أن خوفهم يرجع إلى ظلمهم، ولو أنهم حكموا وعدلوا ما خافوا، ولله در من قال لعمر بن الخطاب عندما رآه نائمًا تحت شجرة دون حراسة: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.
إن الأمير الصالح من إذا زال سلطان ملكه لم يزل سلطانه فضله.
قال لي صديق: كم كنت أتمنى ألا يحاكم مبارك أو أحد من أعوانه ويتركوا ليعيشوا بين الناس ويمنعوا فقط من السفر خارج البلاد، فضحكت وقلت: وهل سيتركهم الناس ليعيشوا؟ وهل سيستطيعون مواجهة أي أحد من الناس؟، قال: هذا ما أريده، سيحكم عليهم الشعب بالنفي والنبذ والقتل، أما هذه المحاكمات فهي تضمن لهم الحماية وتحقق لهم الطمأنينة وما ينبغي لهؤلاء أن يذوقوا طعم الأمان الذي حرموا شعوبهم منه طيلة حكمهم.
ما سبق كان عن سحر كراسي السلطة أما عن غباء الجالسين عليها فحدث ولا حرج، ففي مصر حاول النظام السابق على مدار سنوات طويلة أن يقنعنا بحكمة الرئيس وعبقرية الرئيس، وأنه لن يجود الزمان بمثل هذا الرجل ولذلك فلا أمان ولا استقرار في البلد بل في المنطقة كلها إلا في وجوده أو على الأقل في وجود ابنه إذا خلفه فالابن سر أبيه، وكذلك الأمر في معظم البلدان العربية، كل رئيس لا هم له إلا تمهيد الطريق لابنه حتى يخلفه، لقد باع الحكام أوطانهم وشعوبهم من أجل أن يضمن وظيفة لابنه في المستقبل، وكان الأبناء أشد غباءً من آبائهم، فصاروا في غيهم يعمهون.
وتغيرت الأنظمة وجاءت حكومات جديدة مؤقتة- ونقف جميعًا عند كلمة مؤقتة- وتعرف أن بقاءها في السلطة لفترة معينة تستقر فيها أمور البلاد وتسلم بعدها السلطة إلى من يختاره الشعب بإرادة حرة من خلال انتخابات نزيهة وشفافة، ومع ذلك لم يتغير هؤلاء الحكام المؤقتون وأصابهم ما أصاب سابقيهم من غباء شديد، وكان هذا الغباء السياسي ميراث كراسي السلطة.
انظر على سبيل المثال إلى منصب نائب رئيس الوزراء في مصر تولاه في فترة الثورة اثنان، خرج أولهما علينا بآراء غريبة وعجيبة لا تتفق مع ما جاءت به الثورة ولا مع ما قامت من أجله، على الرغم من أن صاحب هذا المنصب كان يظهر في المشهد الثوري على أنه ناقم وغاضب من النظام القديم، فإذا به يريد أن يعيد الأمر إلى ما كان عليه ويرسخ بآرائه لديكتاتورية جديدة، فلما ذهب وجاء بعده الثاني خرج علينا بوثيقته التي تعيد الأمور إلى الوراء، فما المشكلة إذن؟، هل هي في المنصب أم في الأشخاص؟، لقد تغير الشخصان عما كنا نعرفهما به من قبل، ولم يتعظ أولهما بمن سبقه، ولم يتعظ ثانيهما بأولهما!.
فهل يكون السبب في ذلك هو سحر كراسي السلطة؟، أم الغباء السياسي الذي لا يدرك صاحبه معه ما ينفعه أو ما يضره؟.
إن التشبث بالسلطة على الرغم من كراهية الناس أمر لا يمكن أن يتصوره صاحب عقل، ولا يقدم على ذلك إلا الأغبياء، فهذا علي عبد الله صالح وبشار الأسد مثالان حيان للغباء بعينه، هل يظنان أن الأمور ستستقر لهما وهل ستعود المياه لمجاريها بعد أن ملأت دماء الشهداء شوارع اليمن وشوارع سوريا؟!!، هل يرى كل منهما ما لا يراه الشعب؟، إنها كلمة فرعون: (يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)) (غافر)، أي رشاد يراه هؤلاء الحكام الأغبياء؟ وماذا ينتظرون؟ هل يطمعون في أن ينتصروا على شعوبهم في نهاية الأمر؟، هذا مستحيل فالشعب الذي سالت دماء أبنائه في سبيل نيل الحرية قد هان عنده كل شيء ولن يتراجع أبدًا، وستكون الغلبة له بإذن الله وسيلقى هؤلاء الأغبياء مصير من سبقوهم بل أشد وأنكى بإذن الله تعالى، لقد مسختهم كراسي السلطة وسحرتهم وأعماهم غباؤهم عن رؤية الحق، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)) (الحج).