المشروع الإسلامي لنهضة الأمة يحتاج في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى إلى رجال (رواحل) يحملونه وينشرونه، ويحتاج إلى دعاة علماء وخطباء فصحاء، يرفعون عنه الالتباس، ويبيِّنون معالمه للناس كل الناس، ويحتاج كذلك إلى خطاب عصري يؤسس لبناء أمة جديدة وإقامة حضارة مجيدة.

 

هذا الخطاب متجدد متطور، يعرف الماضي ويستلهمه، ويعايش الحاضر ويوجهه، ويستشرف المستقبل ويرسمه.

 

وهو خطاب يستند إلى الوعي والبصيرة، وينبني على الحكمة والموعظة الحسنة، ويعتمد على الحوار والمجادلة بالحسنى.

 

خطاب يجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فهو مرتبط بالأصل غير منفصل عنه، متصل بالعصر غير منقطع عنه.

 

خطاب يجمع ولا يفرق، يستوعب ولا يُقصي، يُقرِّب ولا يبعد, يرصُّ الصفوف بعضها إلى بعض، يشدُّ البنيان ويزيده قوةً.

 

خطاب يتعدد بتعدد المتلقين، ويتنوع بتنوع المستمعين، يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويحادثهم بحسب أفهامهم.

 

خطاب متوازن لا يغلِّب جانبًا على آخر، ولا يغيِّب ناحيةً لحساب أخرى، لا ينفصل عن الواقع وإن حلَّق في آفاف السماء.

 

خطاب يعتمد فقه الأولويات، يرتب الأمور وفق أهميتها؛ فلا يؤخر ما حقه التقديم، ولا يقدِّم ما حقه التأخير.

 

خطاب تفاؤلي، يبعث في النفوس الأمل، ويدفع عنها اليأس، يرفع الهمم ويقوِّي العزائم، يزيد الناس ثقةً بتأييد الله ونصره.

 

خطاب علمي مؤيد بالأدلة والبراهين، مدعم بالبيانات والإحصاءات، محاط بالمراجعة والتقييم، يعتمد العمق، ويبتعد عن السطحية.

 

خطاب يحرص على اللغة السهلة القريبة الدانية، ينفر من اللغة الصعبة البعيدة النائية، يعتمد على اللفظ القليل الذي يعطي المعنى الكثير.

 

خطاب يركِّز على بناء الشخصية المسلمة بعمق، وتكوين الأسرة المسلمة بصدق، وإقامة الدولة المسلمة بحق.

 

وأذكر هنا الضوابط الأساسية للخطاب الإسلامي، وهي ضوابط عشرة، أوردها العلاَّمة القرضاوي، وهذه الضوابط أن ينتقل الخطاب:

 

1- من الشكل والمنظر إلى الحقيقة والجوهر.

 

2- من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل.

 

3- من العاطفة والغوغائية إلى العقلانية والعلمية.

 

4- من الفروع والذيول إلى الرءوس والأصول.

 

5- من التعسير والتنفير إلى التيسير والتبشير.

 

6- من الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد.

 

7- من التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق.

 

8- من الغلو والانحلال إلى الوسطية والاعتدال.

 

9- من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة.

 

10- من الاختلاف والتشاحن إلى الائتلاف والتضامن.

 

هذه هي سمات وضوابط الخطاب الإسلامي في المرحلة الراهنة، أرجو من كل داعية أن يجعلها نصب عينيه وإزاء قلمه وجوار لسانه وهو يكتب إلى الناس أو يتحدث إليهم.

 

والله ولي التسديد والتوفيق.