إنها صفة فطريَّة طيبة حسَنة جميلة مُسْعِدَة لمَن يعمل بها، إنها منهج للحياة السعيدة، إنها تعني التوازُن والتوَسّط والاعتدال بلا إفراط ٍولا تفريط ٍفي كلِّ شئون الحياة المختلفة، بين العجلة والبطء، والنشاط والخمول، والعمل والراحة، والإنفاق والتقتير، والحمية والبرود، والعقل والعاطفة، وهكذا.

 

وكل ذلك بالتأكيد في الخير التامّ لا في أيّ شرّ كما أوصَى تعالى بقوله: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ) (الأعراف: 157)، فليس هناك بالطبع وسطيَّة بين الخير والشر بالتساوي، فهذا أحيانًا وذاك تارة أخرى!

 

يقول تعالى عن خيْريَّتها: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143)، ويشرَحَها الأستاذ سيد قطب في "ظلال القرآن" بكلام جامع بقوله: "إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقِيَم... أمة وسطًا في التصور والاعتقاد لا تغلو في التجرّد الروحيّ ولا في الارتكاس الماديّ، إنما تتبع الفطرة.. وتعطي لهذا الكيان المزدَوَج الطاقات حقه المتكامل من كلّ زاد... أمة وسطًا في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، ولا تتبع كذلك كل ناعق وتقلد تقليد القردة المضحك، إنما تستمسك بكلِّ بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كلِّ نتاج الفكر والتجريب... أمة وسطًا في التنظيم والتنسيق لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب.. تزاوج بين هذه وتلك... أمة وسطًا في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا تلاشِي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة.. تقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادمًا للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق..".

 

ويؤكد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث مُرْسَل رواه الإمام البيهقي في "شعَب الإيمان": "خير الأمور أوساطها".

 

ويزيد هذا تأكيدًا ويجمعه كله، وصيته صلى الله عليه وسلم لنا بهذا التوازن والتوسط والاعتدال، حينما قال: "صَدَقَ سلمان" لمَّا قال لأبي الدرداء رضي الله عنهما: "إنَّ لربك عليك حقًّا، وإنًّ لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقّ ٍحقه" (رواه البخاري).

 

إنه التوازن الذي يُلبّي كل احتياجات الإنسان العقلية والمشاعرية والجسدية في كلِّ لحظاته وجميع شئونه فتتحقق له بذلك راحتيّ وسعادتيّ دنياه وآخرته.. يقول تعالى: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (27)) (العنكبوت)، قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "جَمَعَ الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة..".

 

وفي المقابل فإنَّ الإفراط أو التفريط كلاهما مُضِرٌّ لفاعله واقعيَّا، أي مُتعِسٌ له في الدنيا والآخرة.. ففي الأكل والشرب هو مُمْرِض، وفي العمل مُرهِق، وفي المال مُنهِك، وفي الابتكار مُزعِج، وفي الإنفاق مُفقِر، وفي المشاعِر مُعَوِّق.. وهكذا.

 

هذا، ومِن التوازن الأخذ بالرأي المناسِب لكلِّ موقف، وهو الذي يحقق أفضل النتائج وأسعدها بأقل الجهود وأسرعها، وقد يكون هذا هو المعنى الأغلب والأكثر استخدامًا للوسَطِيَة، فليس معناها دائمًا الأخذ بالرأي الوسط تمامًا بين رأيَيْن!

 

يقول تعالى منبّهًا لذلك ضمنيَّا: "أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ" (الفتح: 29)، فهُم مِن وَسَطيّتهم يتخذون لكلِّ موقف ٍمن حياتهم ما يناسبه، بما يحقق السعادة التامة فيه، في الداريْن.. يقول الإمام السعدي في تفسيره للآية الكريمة: "يُخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار أنهم بأكمل الصفات وأجَلّ الأحوال..".

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام من الأمَّة الوَسَط، والداعين إليها، المُتوازنين الذين يتصرّفون بالمُناسِب من خير ٍفي كلّ الأقوال والأفعال، لتسعد ويَسعد الجميع في دنياهم وآخرتهم.