بالتأكيد كلنا نحب مصر، ونأمل ونسعى في بناء مصر الحديثة ونهضتها، وقد حان وقت العمل الجاد الحقيقي، ودقت ساعة الصفر للبذل والتضحية.. الكل مهموم ومشغول بماذا يمكنه أن يقدم، وكيف سيساهم.. محاور وملفات البناء والتنمية متعددة ومتنوعة، وكذلك أيضًا كفاءات المصريين متميزة ومتنوعة، وقادرة على تغطية كل المجالات والملفات بكفاءة واقتدار، ولا وقت للتقديم والتمهيد؛ فلننظم ونبوِّب الأفكار موصولةً بالإجراءات العملية:
أولاً: كفانا حديثًا عن الماضي وآلامه، وأيام الثورة وتضحياتها، ليس تقليلاً من شأنها، ولكن لأن هذا الحديث يستقطع جزءًا مهمًّا من تفكير وتخطيط وعمل اليوم والمستقبل، ولنترك للتاريخ أن يسجل هذه الصفحات، ولكن كصفحات سابقة وممهدة لصفحات المجد التي نسعى الآن لبنائها.
لا وقت للاتهامات ولا للخلافات البينية؛ فذلك فتنة ومهلكة لأوقاتنا وعقولنا وجهودنا، ولنترك للواقع والميدان حجم ونوع الأفكار والجهود الحقيقية التي تبذل للبناء والتنمية.
بالتأكيد أعمارنا محدودة، والتحديات ضخمة، والأهداف المنشودة كبيرة ونوعية؛ مما يتطلب منا حكمةً وجديةً في التعامل مع هذه المحطة التاريخية من عمر مصر والعرب والإسلام.
لا بد أن نتذكر جيدًا أننا نتحدث عن مصر التي تعني الكثير؛ بمعنى أنها القلب النابض للعرب والإسلام، بحياتها تحيا الأمة العربية، ويعز الله تعالى الإسلام وأهله.
* حقيقة أولى نؤكدها: أن أصل أي تنمية ونهضة إنما هو العنصر البشري، حتى وإن شحَّت بقية الموارد، فالعقل والجهد البشري هو سر كل إنجاز؛ إذ به يحول من خام الحديد صاروخًا ومركبة فضائية، كما يصنع من موجات الهواء والأثير وسيلةً للتواصل الفوري ونقل الصوت والصورة، وبحمد الله تعالى تمتلك مصر من هذا المورد الكثير بل الوفير، والذي ساهم ويساهم بشكل أساسي في نهضات الكثير من بلدان العالم المختلفة.
يبقى السؤال الأهم هو: كيف أتمكن من أن أصنع من نفسي قيمةً حقيقيةً مضافةً، تسهم بشكل قوي في مشروع نهضة مصر الحديثة؟!
القيمة المضافة هي القوة الإضافية الفاعلة التي تأتي بالشكل المناسب، وفي التوقيت المناسب، وفي المكان الصحيح؛ لتسد بذلك ثغرة، وتقدم إضافةً إبداعيةً وابتكاريةً جديدةً؛ بمعنى أنها تفي بالفرض والواجب المطلوب، وليس فقط تقدم نفلاً إضافيًّا عليه، وإنما يتحقق ذلك بسبيلين:
الأول: إدراك الفرض والواجب المطلوب، وأداؤه بمهنية واحتراف عالٍ، بحسب كل تخصص.. الباحث في مركزه ومعمله، والإعلامي في محطته وجريدته، والمعلم في مدرسته، والمزارع في حقله، والعسكري في ميدانه، كما العامل في مصنعه.. وهكذا.
الثاني: السعي الذاتي الحثيث للإبداع والابتكار، وتقديم أفضل ما يجب، وفق أعلى معايير الجودة التي عرفتها البشرية، والابتكار والتحديث عليه بالبصمة المصرية الخاصة الجديدة، وبالمثال يتضح المقال وتتجلى وتبرق الفكرة.
بمعنى أن يقدم الطبيب بفكره وجهده الخاص أفضل خدمة طبية عرفتها مستشفيات العالم، متحديًا ضعف الإمكانيات المؤقت وضغط العمل وكثرة المرضى.. إلخ، ومع ذلك يشعر بالتقصير؛ لأنه لم يقدم الابتكار والتحديث المصري الجديد، فإذ به وقد طار النوم من عينه، فيجافي مضجعه لشدة اضطراب قلبه وفوران الدماء في خلايا عقله، من أثر سخونة قلقه المعرفي والابتكاري، فيقيم الليل مفكرًا وباحثًا ومجربًا حتى يهديه الله إلى ابتكار جديد في مجال تخصصه يقدمه لمرضاه، ولمصر، فتتكاثف الابتكارات وتتكامل وتتراكم وتترجم إلى إنتاجات وأرقام وقيم إضافية جديدة لمصر.
ويوازيه المعلم المصري الأصيل.. الذي علم- وما زال- وسيظل بإذن الله يعلم الدنيا بأسرها، يجتهد بين طلابه، مستخدمًا أحدث أساليب التعليم التعاوني النشط، من حوار ونقاش وعصف ذهني وورش وحقائب تعليمية، وتعليم بالتفكير الناقد، وفرق العمل التعاونية، ملتزمًا بأعلى معايير جودة التعليم التي عرفتها الدنيا، والتي تنمِّي تفكير الطلاب، وتوسع من قدراتهم العقلية لتستوعب القيم والمعارف والمهارات والخبرات والتقنيات، وليتحول الطالب إلى مشارك فاعل في عملية التعليم، ثم منتج للأفكار ومجتهد في خلق أكبر قدر من التطبيقات العملية لما تعلمه، ثم يعود هذا المعلم الرباني حامل ميراث معلمه ونبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، ليرتاح قليلاً؛ فإذ بقلق المعرفة والابتكار يجافي عليه مضجعه، فينفض عن نفسه غبار النوم الذي أثقله عن مقدمة الركب، فيهرول هرولة المسعف المغيث إلى مكتبته وأبواب وصفحات المعرفة عبر الشبكة العنكبوتية العالمية؛ ليوسع معارفه، ويجهد عقله وفكره؛ حتى تفتح له أبواب الرحمة، وتنهال عليه أمطار الأفكار الجديدة، فيدوِّنها ليشارك بها زملاءه في باكر اليوم التالي، يتناقشون معًا بحب وتعاون ومؤسسية رائعة في كيفية تطبيقها على واقع العملية التربوية والتعليمية؛ لتسجل بذلك صفحة جديدة من صفحات الإبداع والابتكار المصري.
وهكذا تنسج خيوط نهضتنا بسهر الليالي، وعرق الجهد، وصداع التفكير والتأمل، وعناء العصف، وكله يهون ساعة تهب ريح الأفكار الجديدة بعبيرها وجمالها وروعتها.
الله!!.. الله!!.. الله في روعة الإنجاز، وبالله العظيم إنها لشيء من نعيم الجنة نتذوقه على الأرض، ولا شك هي وبالذات الآن الثمن المقدَّر والعملة المعتمدة ثمنًا للجنة.