ثورة 25 يناير بدأها الشباب بأحدث ما وصل إليه العلم مثل شبكات التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، وللأسف قام مبارك بمواجهتها بأقدم ما كان عليه العلم من آليات التواصل، مثل البغال والحمير (موقعة الجمل) أي أننا نحتاج إلى:
- أولاً: ثورة معرفية علمية شاملة لكل مجالات الحياة؛ حيث نلاحظ بكل ذهول وأسف المسافة الشاسعة بين منهج الإسلام الحضاري الذي يمثل هويتنا ومرجعيتنا وبين واقع الأمة الإسلامية، فالمنهج يتمثل بكل قوة في الآية الكريمة: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء: من الآية 9)، أي أن الإسلام لا يمثل فقط المنهج القويم القوي الشامل الصالح لإسعاد المسلمين بل يمثل المنهج الأقوم والأقوى والأشمل والأصلح لإسعاد كل الناس، في حين أن واقعنا المعاصر حاليًّا كدول وأمة إسلامية يمثل الأضعف سياسيًّا وعسكريًّا والأجهل علميًّا والأفقر اقتصاديًّا مقارنة بدول العالم المتقدم، المفكرون والعلماء في الغرب الآن يحاولون الاسترشاد بالاقتصاد الإسلامي للخروج من الأزمة العقارية والمالية، ونحن كنخب ومثقفين ما زلنا لا نستطيع التوافق على تطبيق الإسلام. وبالتالي لا بد من...
- ثانيًا.. ثورة فكرية ثم تطبيقية شاملة لتفعيل قيم ومبادئ هويتنا، ونقطة البداية المنطقية بل البديهية هي الأركان، أركان الإسلام، لا بد أن نعي الإستراتيجية الإسلامية لإدارة مجالات الحياة بالتكامل الروحي والمادي بين أركان الإسلام وصولاً إلى تحقيق التقدم والنهضة على الارض.
- إن ركن الحج لا يمكن إلا أن يكون مركز تدريب مكثف، روحي ومادي، مرة واحدة فقط للمسلم، فهل هناك أمة غيرنا تتخذ فترة التدريب في حد ذاتها كهدف من هذا المركز؟؟ أم أن البديهي هو ضرورة أن يكون الهدف هو أيضًا طوال العام؟!.
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (البقرة)، (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)) (البقرة).
- التقوى تمثل الهدف من الصيام في الآية الأولى، أما في الآية الثانية عن الحج فتمثل الزاد أي الوسيلة، وحيث إنه لا هدف بدون وسيلة ولا وسيلة بدون هدف، فالربط واضح وضروري بين الأركان الخمسة في إطار إستراتيجية تستهدف تحقيق نهضة دنيوية، أي أن الحج (مثل بقية الأركان) لا بد أن يكون هدفًا ووسيلةً في نفس الوقت.. والآية الأولى لا تشير إلى أولى الألباب لسهولة فهم أن أركان الإسلام تمثل أهدافًا إيمانية روحية أخروية لأداء العبادة وإسقاط الفريضة والفوز بالأجر والثواب لكن الآية الثانية تشير إلى أولى الألباب لإدراك الإستراتيجية الإسلامية بحتمية اتخاذ الأركان أيضًا كوسيلة عملية مادية دنيوية لتفعيل الحياة بربط العقيدة بالشريعة التي توجب إعمار الأرض لتحقيق النهضة، ونحن الآن بصدد ركن الحج.
- المساواة: بادر الإسلام بتشريعها: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية 13)، بموجب كل خطوات الحج مع توحيد الملبس لجميع الحجاج، وتشير الآية إلى أن التقييم بالتقوى عند الله وليس فيما بين البشر بشأن القضايا الدنيوية التي أقر الإسلام تقيمها؛ وفقًا للحقوق والواجبات والكفاءة في العمل ونزاهة اليد؛ وذلك لتأكيد قيم الحرية والعدل والمساواة بين الجميع من مختلف العقائد والمذاهب والثقافات.
-السعي: يمثل جزءًا من الحج كهدف إيماني، لكنه أيضًا يمثل وسيلة لتفعيل الحياة وإعمار الأرض، باستفراغ الحد الأقصى من السعي في إطار العلم والعمل الدنيوي، كفريضة، كل في تخصصه، وفقًا لأحدث ما وصل إليه العصر، ونلاحظ أن للسعي في الحج إطارًا ومسارًا وليس عشوائيًّا، وهي إشارة للسعي الحضاري، مثل سبل الكسب والإنفاق، لها مسار وضوابط شرعية تؤسس لمبدأ (الغاية لا تبرر الوسيلة).
- (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) (الحج: من الآية 28)، الآية تشمل الجانبين؛ الدنيوي بتحقيق المنافع المادية، والأخروي بذكر الله سبحانه، والعقلانية مبهرة بتقديم الجانب الدنيوي على الأخروي؛ لأن شعيرة الحج تحتاج إلى كثير من الترتيبات اللازم إنجازها قبل أداء الشعائر مثل أنشطة السياحة والنقل ثم الطعام والشراب والإقامة، ولا حرج في المنفعة المادية بشرط ألا تتحول الوسيلة إلى هدف محض، ولا يطغى الدنيوي على الأخروي، فمثلاً: المغالاة في أسعار تأشيرات الحج، والحج السريع في ثلاثة أيام لتحقيق أكبر ربح للشركات وأعلى رفاهية للحاج باستخدام الرخص الفقهية- الخاصة بالحالات الاستثنائية فقط- حيث يتحول الحاج من عابد إلى سائح لا يمارس الحج روحيًّا بل يتفرج على الشعيرة ويملئ فراغات في "بروجرام خاطف".
- الواقع يدعونا جميعًا إلى تحمل المسئولية الفردية بتفعيل أركان الإسلام كوسائل دنيوية (وليس فقط كأهداف أخروية) لتحقيق نهضة حضارية.
----------------
رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار