هناك الكثير من الرسائل المهمة التي يجب التوقف عندها طويلا، وإعادة مراجعة الصورة الذهنية التي حاول النظام السابق رسمها عن الإخوان المسلمين، هي رسائل عالمية وإقليمية ومحلية وداخلية أعدت بعناية فائقة داخل المطبخ الفكري للإخوان، والتي أعدها بمثابة وثيقة تاريخية جاءت في توقيت بالغ الحساسية من تاريخ مصر المعاصر.
لذلك قررت إعادة نشرها بعنوانها الجديد حتى تتمكن الرسائل من بلوغ مراميها المحلية والإقليمية والعالمية، خاصة قبل أول انتخابات حقيقية ستعيشها مصر الحرة الحديثة إن شاء الله، والتي ستقدم مصر فيها- بإذن الله- نموذجًا حضاريًّا يتعلم منه العالم، كما قدمت من قبل نموذجًا للثورات السلمية المعاصرة.
في سياق التحولات العالمية الكبرى والتي تنبئ بتغير وشيك في موازين القوى العالمية، وخفوت قوى وبروز قوى صاعدة جديدة، وواقع إقليمي تتنافس فيه إيران وتركيا على تأدية دور موازٍ للمشروع الصهيوأمريكي في منطقة فراغ من أصحابها الحقيقيين العرب، وصحوة كبيرة وجريئة للشعوب العربية، والتي تسير بخطوات سريعة نحو تفكيك أبنيتها المستبدة المتقادمة وإعادة تأسيس وبناء ذاتها من جديد، وحالة ترقب واسعة من الشعوب العربية المحيطة للتجارب الوليدة، وما ستئول إليه؛ خاصة أرض الكنانة مصر.
وفي سياق واقع محلي مفكك ومرتبك وضعيف، أنهكه ظلم العقود الماضية واستبدادها، تتصارع وتتحالف وتتآمر عليه القوى من كل جانب وعلى كل مستوى، وتحاك له المؤامرات وتصنع له الأزمات لتعيق مسيرته وتعطلها، بينما هو ما زال وليدًا ضعيفًا، ولكنه مفعم بقوة الأمل في غد أفضل.
في هذا السياق جاء خطاب م. خيرت الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، خطاب الأمل والعمل من الفصيل الوحيد الذي اجتهد وثابر ودفع الغالي والنفيس؛ ليحفظ تماسكه وقوته ليكون العمود الشامخ الذي ستقوم عليه الخيمة عندما تحين الفرصة، وسفينة مصر التي يجب أن تبحر إلى طرق التنمية والنهضة، عندما نبلغ ساعة الصفر.
بالتأكيد في ظل هذا الفراغ والضعف الذي سببته الحقبة الماضية الشعب ينظر (أو هكذا حقيقة المشهد) إلى الإخوان على أنهم المؤسسة الكبرى القوية الأقدر على تحمل مسئولية تجميع شتات المجتمع، وقيادة السفينة والإبحار بها، كما تنظر القوى السياسية، أو هكذا يجب أن تنظر، ويفهم الإخوان ذلك ويسارعون ببناء إطار ووعاء كبيرين قادرين على استيعاب هذه القوى بتعددها وتنوعها، والتي يمكن تصنيفها جميعًا في خانة القوى الناشئة على أن الإخوان هم الشقيق الأكبر بحكم السن والتاريخ والتماسك والقدرات والخبرات، والذي يجب أن يتحمل مسئولية جمع قوى المجتمع الفاعلة وحشدها في سياق واحد وفي اتجاه واحد هو بناء مصر وتنميتها ونهضتها.
وها قد دقت ساعة الصفر وحان وقت العمل؛ بيد أن الواقع مفكك ومرتبك ومأزوم ومتأثر بشدة؛ نتيجة لتأثره بما يحاك له من مؤامرات، وقد بلغ حدًّا من الخوف والقلق الشديدين على السفينة برمتها، وقد باتت السفينة وكأنها غير جاهزة للتحرك، والأسئلة المطروحة كثيرة، والضباب كثيف، والأهداف غير واضحة، والثقة بين قوى الفعل غائبة.
ومن ثم جاء حوار الشاطر مع الإعلامي الكبير أحمد منصور في شكل منظومة متكاملة من الرسائل المعدة بعناية فائقة، وحذر شديد من أي سبب للاختلاف والفرقة؛ حيث جاءت قوية وواضحة ومباشرة بدت ملامح جديتها وسخونتها واضحة في نبرة الصوت وحدة تدفق العبارات والكلمات، وإن شئت أن تعنونها فهي دعوة للتحالف والاحتشاد لبناء مصر الحديثة.
- رسالة واضحة وصريحة إلى أمريكا والغرب (نحن نريد أن نتعاون ونتحاور مع الجميع، ونتحدث عن المشترك الذي يقدم أكبر قدر من المصالح للشعوب، ولسنا في حرب، ونحن نركز على حالة بناء بلادنا)، ورسالة أخرى ضمنية: إننا عازمون بكل جدية على بداية وإتمام مسيرتنا التنموية.
- رسالة إقليمية جاءت ضمنية وغير مباشرة بأن الإخوان يمدون يد التعاون إلى كل من يمكن أن يساهم في بناء مصر، وكنت أتمنى أن يتسع الوقت لإيضاح موقف الإخوان من القوة الإيرانية الصاعدة والطامحة في التمدد في المنطقة، وكيف سيتم إدارة العلاقة معها بشكل متوازن يضمن مصلحة مصر الحديثة، ولا يخل باعتبارات أمن القوة المنطقة وتوازناتها، خاصة أن المشروع الأمريكي في إدخال المنطقة في حرب مدمر لقوى المنطقة تدور رحاها بين السنة والشيعة تحت يافطة إيرانية سعودية، قد بدت ملامح تنفيذه بالفعل فيما يعرف بمحاولة قتل السفير السعودي في واشنطن.
- ورسالة أخرى للدول العربية الشقيقة بتشجيع المزيد من التواصل المباشر مع الإخوان ليتعرفوا عليهم مباشرة؛ لمحو الصورة الخاطئة التي خلفتها الحقبة الماضية، وبناء جذور ثقة مع الجميع، وبأن ملفات التعاون الاقتصادي والتنموي والسياسي هي الأهم في المرحلة القادمة.
- ورسالة إلى الأقباط يمكن وصفها بالرسالة العاطفية الواقعية؛ حيث أشارت إلى تفهم الإخوان بتعرض الأقباط لحصة من اضطهاد وظلم الأنظمة السابقة، كما أكد على حقوق الأقباط التي يجب أن يعاد النظر فيها، وضرورة التعاون المنهجي في التعاطي مع الملف، بالبدء ببحثها علميًّا، مع الإشارة إلى أن إشكاليات الحقبة السابقة أغلبها مفتعل سياسيًّا.
- ورسالة إلى الجيش مفادها أن الشعب لن يسكت على أية محاولة لسرقة الثورة، وحرمانه من حقوقه في إشارة واضحة لعدم إمكانية تكرار سيناريو يوليو 1952، وأن الإخوان والشعب يثقون ويأملون فيه خيرًا في إتمام مهمته ودوره التاريخي المشهود في إتمام نجاح الثورة.
- ورسالة إلى الأحزاب والقوى السياسية فحواها أنه لا حل للخروج من هذه المرحلة بل الأزمة إلا بالتحالف والتنسيق مع الجميع؛ من أجل إنقاذ سفينة الوطن وبناء نهضة حقيقية.
وكنت أود أن يتسع الوقت لشرح إستراتيجية الإخوان وسياسياتهم لبناء هذا التحالف؛ ليكون الجميع على علم بها- خاصة عندما تشارك كل القوى السياسية في إعدادها- وليكون الشعب مراقبًا لالتزام القوى السياسية بها، وأمينًا على تحقيقها.
- ورسالة ضمنية أخرى للشعب المصري جاءت بين سطور الرسائل السابقة بأن الإخوان انتقلوا من مرحلة التنظيم المكره على الانغلاق على ذاته خلال الحقبة الماضية إلى حاضنة وقوة وطنية كبرى راعية وأمينة، وحريصة على تحمل القسط الأكبر في مهمة بناء مصر الحديثة، وأن الإخوان لم يضيعوا السنوات الماضية هباء؛ ولكنهم كانوا يعدون أنفسهم لمثل هذا اليوم وهذه المهمة، وأنهم يملكون خطة وتصورًا كاملاً ممنهجًا؛ بل محدد السنوات لهذه المهمة، وأنها ستكون على طريق التجارب التنموية المعاصرة كما في ماليزيا وتركيا وكوريا والبرازيل.
وكنت أود أن يتسع الوقت لشيء من التفصيل في هذه النقطة بالذات ليبعث الأمل والهمم للاحتشاد والعمل.
- ورسالة قوية وواضحة لأصحاب الجدل الدائر حول الدولة المدنية والدينية، وإن جاءت ضمنية في أكثر من موضع لتفكيك فكرة الدولة الدينية المبنية على الإكراه والتشدد، والتي لم يعد لها محل من الإعراب حتى في العقل العامي من الأساس، فتوجه الإخوان هو بناء دولة مدنية حديثة تنطلق من مرجعة دينية راشدة.
وكنت أتمنى أيضًا أن يتسع الوقت لشيء من التفصيل حول قضية المرجعية، وبيان أنها ستأتي في سياق من التجديد الفقهي والفكري المعاصر المستنير، والذي بدت ملامحه وتطبيقاته في تركيا على سبيل المثال.
- ورسالة أخرى للداخل الإخواني، أيضًا جاءت ضمنية بضرورة الإعداد الذاتي المهني الاحترافي في مجال التخصص؛ لضمان نيل شرف المشاركة في مهمة بناء مصر الحديثة، هذا بالإضافة قطعًا إلى الإعداد والتأهيل العام الذي توفره الجماعة لأفرادها.
- وبخصوص الخطوات الإجرائية لعملية التنمية أوضح الشاطر أنه لدى الجماعة ملفات سابقة يتم تطويرها من خلال متخصصين من داخل الإخوان وخارجهم، وذلك يعنى ضمنيًّا أنها تعد بشكل منفرد، على أن يتم التنفيذ بمشاركة الجميع، كنت أود أن يكون التعاون والتنسيق مع القوى السياسية بداية من عالم الأفكار التأسيسية ثم التوجهات والرؤى فالخطط؛ بمعنى أن يفتح فيها باب الحوار العلمي الممنهج والتنسيق والتعاون والتكامل مع القوى السياسية في شكل مركز أو مؤسسة وطنية كبرى لإعداد ملف مشروع تنمية مصر، ليكن من إنتاج جميع القوى السياسية؛ لتتحول هذه الملفات التنموية (تعليم، صحة، زراعة.. إلخ) إلى ما يشبه المشروع الوطني الجامع الحاشد؛ حيث شارك فيه وأعده الجميع، ومن ثم يؤمنون به ويلتفون حوله؛ ليصبح بمثابة نقطة ارتكاز قوية تتوحد عليها القوى السياسية، فتمهد الطريق للتعاون والتحالف السياسي الذي يمكن أن يتم، بدلاً من أن الشقاق الذي حدث للتحالف الديمقراطى؛ بسبب الاختلاف على أعداد المقاعد البرلمانية والتي كانت الأساس في تفكير القوى السياسة الساعية إلى التحالف.
بطبيعة الحال لكل حزب، ولكل مرشح رئاسة تصور وبرنامج والغريب في الأمر أنها جميعًا متشابهة خاصة الإسلامية منها، ولكن للأسف لكل منها اسم خاص به سيتحول في الميدان إلى عنصر يبحث عن تحقيق ذاته من خلال برنامجه لا من خلال تحقيق البرنامج بتسخير ذاته لخدمة المشروع.
- كذلك تمنيت لو أن الوقت اتسع لبيان تصور الإخوان وإستراتيجيتهم (كشقيق أكبر لأفراد العائلة المصرية) في التعامل مع فلول النظام السابق، والتي باتت تقلق العائلة المصرية وثورتها المجيدة؛ خاصة أن الجيش خذل العائلة المصرية ولم يتعامل مع الفلول بالشكل المطلوب.
- على الإجمال قدم الإخوان المسلمون مضمونًا وخطابًا واثقًا محددًا واضحًا، أحسب أن الشارع المصري بالذات يحتاج إلى الجزء الثاني والثالث منه، خاصة أنه القوة الكبرى والحكم الفصل في عملية التنمية وما يسبقها من اختيار.
- وبشأن تصدع التحالف الديموقراطى علق الشاطر عليه بصعوبة توافقه نتيجة تنافس الأحزاب على العدد المحدود للمقاعد؛ مما يؤكد أهمية وجود المشروع الوطني الحاشد الذي يستوعب الجميع ويدفعهم إلى جعله الغاية الكبرى، وأهدافهم الخاصة أهداف تفصيلية تالية في الأولوية والتوقيت.
- وأحسب أننا مع حراك الأحداث ونضوج عوالم الأفكار والأشخاص والأشياء سنرى قريبًا مشروعًا وطنيًّا كبيرًا يتم صياغته في إطار مؤسسي قادر على استيعاب القوى السياسية المختلفة وأفكار جميع أفراد العائلة المصرية، وجمعهم على إنتاج الأفكار ثم الرؤى والتوجهات والإستراتيجيات واعتبار أن ذلك هو الحد الأدنى للاتفاق، والذي لا يجب أن يبتعد عنه أي أحد من المصريين، وبعد ذلك للجميع الاجتهاد في كيفية تنفيذ هذه الإستراتيجيات في أسرع وقت وبأقل تكلفة، وبطبيعة الحال فالشارع هو الحكم في اختيار من يراه مناسبًا.
وعن السياق الإستراتيجي للحوار، جاءت جميع الرسائل في سياق متكامل يؤكد على التحول النوعي الطبيعي للجماعة من مرحلة التنظيم البنائي للأفراد والأسرة والمجتمع إلى مرحة بناء الدولة وإدارتها، ويبشر بالأمل الكبير الذي يعيش عليه الشعب المصري بدولة مدنية حديثة تحترم قيمة الإنسان وكرامته، وتمنحه حياة كريمة آمنة مستقرة.
ويحذر من مغبة عدم التحالف والتعاون والتكامل والاحتشاد لأجل بلوغ الغاية الكبرى تنمية مصر ونهضتها.
ويدلل على مصداقية الإخوان المسلمين وموضوعيتهم وجديتهم؛ حيث يتناغم ما يقومون به الآن مع ما كتبه ووعد به الإمام الشهيد حسن البنا في بدايات تأسيس الجماعة.
ويشير إلى موضوعية الإخوان وإدراكهم الجيد لمعادلات القوة الإقليمية والعالمية، والوقوف على ما يمكن الاهتمام والتحدث به الآن، وما يجب تأجيله.
ويؤكد على الاهتمام الأكبر لملف التنمية والاقتصاد فهما واجب المرحلة.
ويحدد أن هناك مهمة عاجلة ومهمة لدى الإخوان، وهي إعادة رسم الصورة الذهنية الصحيحة والحقيقية للإخوان في العالم الخارجي، والتي تحتاج بالتأكيد إلى خطة وجهاز مستقل، وبالتأكيد الوجود الطبيعي والقديم للإخوان في أكثر من سبعين دولة في العالم، وما بنوه من رصيد عملي جيد مع هذه الدول سيكون له الدور الكبير في تحقيق هذه المهمة.
اللهم وفقنا إلى إنتاج مشروع وطني حاشد يكون الحل الإبداعي لمواجهة محاولات تقويض الثورة.
أولاً، وثانيًا لحشد موارد المصريين وطاقاتهم نحو الغاية الكبرى وهي بناء مصر الحديثة.