مصطلح النخبة elite من المصطلحات الحديثة في علم الاجتماع السياسي، اهتم كثير من علماء الاجتماع وخصوصًا الإيطاليين بتعريف النخبة، ومن أشمل التعريفات لمصطلح النخبة ما قدمه الأستاذ محمد محفوظ (جريدة الرياض 4/12/2007 العدد 14407)، أن النخبة "هي الفئة الاجتماعية التي تصوغ وعي الأمة وتقودها، وهي التي تتلقى مشاعر الأمة وآمالها النابعة من حاجاتها الراهنة والمستقبلية والمتأثرة بتاريخها وتراثها؛ تتلقاها وتحولها إلى وعي، وتحول الوعي إلى إرادة، وتحقق الإرادة في إنجازات، إن النخبة إذ تصوغ وعي الأمة تنقل كل ذلك من لا وعي الأمة الموضوعي إلى حيز الوعي الذاتي.. والنخبة إذ تقود الأمة فهي تنقل نشاطها في المقابل من حيز العمل اليومي الغارق في الجزئيات، إلى مستوى العمل الإرادي الفاعل النابع من رؤية شمولية".

 

وكون الفرد محسوبًا ضمن زمرة النخبة المثقفة، فهذا ليس تشريفًا بل تكليفًا، وذلك لعظم الدور المنوط بالنخبة من تطوير مجتمعاتها، وذلك من خلال صناعة المعرفة وصياغة وعي الأمة باتجاه التقدم والتطور والنهوض، وتجاوز العقبات المعوقة لهذا التقدم، والمساهمة في تحقيق الأهداف الإستراتيجية، وكذلك المحافظة على ما تحقق من إنجازات.

 

إن كان ذلك كذلك، فإن العاقل منا يستشعر الأسى، وتتملكه أحاسيس الحسرة عندما يقارن بين أداء النخبة المصرية وبين ما يجب عليها أن تقوم به من أدوار، أنا هنا لا أستطيع أن أقول عن هذه النخبة إنها النخبة الخائنة كما صرحت بذلك الدكتورة هبه رءوف عزت في إحدى الندوات بنقابة الصحفيين عام 2006م، ولكن أستطيع أن أقول: إن هذه النخبة نخبة مأزومة صنعها نظام مأزوم في العقود الثلاثة الماضية، فقبلت أن تلعب دور المعارضة الأبوية من أجل تحقيق مكاسب خاصة بها، والسماح لهم بالظهور في الفضائيات، وهذا ما صرح به ذات مرة وزير الثقافة الأسبق (فاروق حسني) أن مهمة وزارة الثقافة هي إدخال بعض الناشطين المثقفين إلى حظيرة الدولة، وأردد أيضًا ما قاله الأستاذ محمود عوض يوم الخميس بجريدة (الأهرام) (3/11/2011) أن النكبة في النخبة، وأصفهم بما وصفهم الدكتور نبيل عبد الفتاح (مركز الأهرام الإستراتيجي) بجريدة (الأهرام) (3/11/2011م) بأنهم نخب الفوضى، وأنها تعاني من تردي مستوى التفكير وضعف مستويات خطابها حول قضايا المرحلة الانتقالية، فوجدنا منهم من يقول نعم لمبارك رغم الفساد والإفساد الذي عمَّ البلاد وأصبح أقوى مؤسسة في الدولة، وسمعنا منهم من يطالب الثوار بإخلاء ميدان التحرير بعد الخطاب العاطفي الذي ألقاه الرئيس المخلوع في الأول من فبراير 2011م، وما هي إلا سويعات قليلة حتى شاهدنا مذبحة الجمل (أنا لا أتفق على تسميتها بموقعة الجمل؛ لأن الموقعة تكون بين متقاتلين في حين المذبحة تكون بين مقاتل ومسالم).

 

أما عن المشاركة في تحقيق الأهداف، فكلنا يعلم أن جُل النخبة التي تتحرك الآن عبر الفضائيات كانت تشاهد الثورة والثوار عبر شاشات التليفزيون، وبعضهم لم يشارك الثوار إلا بعدما أصبح الميدان آمنًا ومحميًّا بقوة الجيش، بل أصبح الميدان قِبلة الكثيرين من أجل التنزه والتقاط الصور التذكارية.

 

أما عن صناعة المعرفة وصياغة الوعي، فأخطر ما تقوم به النخبة المصرية في الفترة الحالية نشر الفوضى الفكرية، وتشويه الوعي عند المواطنين، إلى الدرجة التي يسميها الأستاذ فهمي هويدي بالاستهبال السياسي والإعلامي (الشروق 3/11/2011م)، فأخذت تُشيع بأن تونس نجحت في انتخاب الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور (هذا المعني ليخدم فكرتهم الدستور أولاً)، وهذا تزييف فاضح للحقائق، فالجمعية التأسيسية التونسية سوف تقوم بدور السلطة التشريعية (شعب وشورى)، وبدور السلطة التنفيذية؛ لأنها ستقوم بتعيين الحكومة ورئيس الجمهورية، بالإضافة إلى كتابة دستور البلاد، فأصبح واضحًا للعيان أن النخبة في مصر بها سُم قاتل؛ لأنها تمارس تزييف الوعي وتشويه الوعي للمواطن بما يخدم مصالحها ويروج لأفكارها فقط.

 

ومن أخطاء النخبة المصرية أيضًا حالة التعالي الواضحة على المواطن، وتلك الرسائل السلبية التي ترسلها كل فترة بأن المواطن ليس مهيأً لممارسة الديمقراطية، وأنه من السهل خداعه، بل شراء صوته الانتخابي بالفتات، نسيت هذه النخبة تلك الصفعة التي وجهها الناخب المصري للرئيس المخلوع، وذلك في انتخابات مجلس الشعب 2005م في دائرة مدينة نصر- دائرة الرئيس المخلوع مبارك الانتخابية– والتي كان يتنافس فيها مرشحو الحزب الوطني المحظور (مصطفى السلاب "فئات"، وثريا لبنة "عمال") مع مرشحي الإخوان (دكتورة مكارم الديري "فئات"، وعصام مختار "عمال")، فخرج الناخب ليختار عكس ما اختار الرئيس المخلوع، وبعد فرز الأصوات تبين للقاضي فوز مرشحي الإخوان، فأصبح القاضي في إشكالية كبيرة، هل يعلن فوز مرشحي الإخوان، وهو ما يعتبر صدمة كبيرة لأنها دائرة مبارك الانتخابية، أو يأخذ بحكم قضائي كان قد صدر بوقف الانتخابات في هذه الدائرة، وتصبح ليس لها ممثلون في مجلس الشعب، وبعد تفاوض طويل مع رؤسائه أعلن القاضي نجاح مصطفى السلاب "فئات حزب وطني" وعصام مختار "عمال إخوان".

 

لم تكتفِ هذه النخبة بهذا التعالي بل أعلنت الوصاية على الشعب، وخصوصًا بعد أن وجه لها صفعة مماثلة في استفتاء 19 مارس 2011م، فتوجه الناخب المصري (77.2%) ليقول نعم عكس ما أرادت هذه النخبة، أليس هذا دليلاً على قدرة الناخب المصري على الفرز الجيد والاختيار وفق معايير تخدم المصلحة العامة وليست المصلحة الخاصة؟.

 

فبعد فشل هذه النخبة في جولة الاستفتاء، توالت جولات الفشل، جولة الدستور أولاً، وجولة المبادئ فوق الدستورية، وجولة المبادئ الدستورية الحاكمة، ثم جولة وثيقة الدكتور علي السلمي، والتي أود الوقوف عندها قليلاً.

 

إن أخطر ما في وثيقة الدكتور علي السلمي أنها تحمل نفس فلسفة النظام المخلوع، فتضع السُم في العسل، فمن المعلوم أن نقطة سُم واحدة تُفسد آلاف النقاط من العسل، وهذا ما نود أن نلفت إليه الانتباه، فهناك نقاط اتفاق في الوثيقة، منها على سبيل المثال؛ أن مصر دولة مدنية ديمقراطية نظامها جمهوري تقوم على المواطنة وسيادة القانون وتحترم التعددية وتكفل الحرية والمساواة (مادة 1، 4)، وأن دين الدولة الإسلام ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع (مادة 2)، وأن السيادة للشعب فهو مصدر السلطات (مادة 3)، والحفاظ على كرامة الإنسان وحرية العقيدة والملكية الخاصة (مادة 11، 12، 18)، وحق المعرفة وتداول المعلومات (مادة 15) وحق العمل وتوفير فرص العمل وحق المواطن في حياة آمنة وبيئة نظيفة وحق التعليم (مادة 19، 20، 21). كل هذه نقاط اتفاق (عسل)، ولا يختلف عليها اثنان في مصر كلها، مما ينتفي معه الحاجة إلى وضع الوثيقة أصلاً، أما نقاط السم فتأتي على رأسها المادتان 9، 10، والتي تضع مؤسسة الجيش فوق كل سلطات الدولة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) علاوة على أنها تساعد على إعادة صناعة الاستبداد.

 

ومن نقاط السُم أيضًا، هذه الطريقة المعيبة في تكوين وتشكيل الجمعية التأسيسية التي ستقوم بكتابة الدستور المصري الجديد (80 عضوًا من القوى السياسية والحزبية والنقابية والمهنية والدينية مقابل 20 عضوًا فقط من اختيار مجلسي الشعب والشورى)، بالإضافة إلى أن كل هيئة من الهيئات المشار إليها تقوم بترشيح ضعف العدد المطلوب لتقوم الحكومة والمجلس العسكري بالاختيار من بينهم، وبذلك يصبح تعيين الجمعية التأسيسية كلها من اختيار المجلس العسكري والحكومة، بالإضافة إلى نقطة عجيبة تؤسس لعودة الديكتاتورية من جديد، ألا وهي: "إذا لم تنته الجمعية التأسيسية من إعداد مشروع الدستور خلال الأشهر الستة المنصوص عليها في الإعلان الدستوري لأي سبب من الأسباب، يكون للمجلس الأعلى للقوات المسلحة- بما له من سلطات رئيس الجمهورية- تشكيل جمعية تأسيسية جديدة وفقًا للمعايير المتوافق عليها لإعداد مشروع الدستور خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويعرض المشروع على الشعب لاستفتائه عليه خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ الانتهاء من إعداد هذا المشروع".

 

إن كانت النقاط السابقة تعتبر نقاط سُم، فالنقطة التالية تعتبر متفجرات لنسف مطالب الثورة والثوار في بناء دولة ديمقراطية حديثة، وأقدمها للقارئ كما هي دون تدخل، وأترك للقارئ يتفاعل معها كما يشاء: "إذا تضمن مشروع الدستور الذي أعدته الجمعية التأسيسية نصًّا أو أكثر يتعارض مع المقومات الأساسية للدولة والمجتمع المصري والحقوق والحريات العامة التي استقرت عليها الدساتير المصرية المتعاقبة بما فيها الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 والإعلانات الدستورية التالية له، يطلب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية في المرحلة الانتقالية من الجمعية التأسيسية إعادة النظر في هذه النصوص خلال مدة أقصاها خمسة عشر يومًا، فإذا لم توافق الجمعية، كان للمجلس أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا على أن تصدر المحكمة قرارها في شأنه خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها، ويكون القرار الصادر من المحكمة الدستورية العليا ملزمًا للكافة ولجميع سلطات الدولة".

 

أعتقد أن كاتب هذه الفقرة- السابقة- حديث عهد بالعمل السياسي، بل أستطيع أن أقول إنه مراهق سياسي، فالمحكمة الدستورية تحكم على دستورية القوانين، وليست فوق الدستور، فالذي يُقر الدستور هو الشعب والشعب فقط، فليس من سلطات أي أحد (!!) أن يفرض دستورًا على الشعوب.

 

هذا بالإضافة إلى نقاط لا تصلح أن تكون ضمن وثيقة دستورية بل المكان الطبيعي لها امتحان التعبير والجغرافيا للمرحلة الإعدادية، منها مثلا: "نهر النيل شريان الحياة على أرض مصر الكنانة" (مادة 7)، "وأن مصر جزء من قارة إفريقيا" (مادة 8)!!

 

أما عن توقيت الوثيقة فالكلام فيه كثير، وأقل ما يقال فيه إن هذه النخبة، مع قرب موعد انتخابات مجلسي الشعب والشورى، تستشعر كل درجات الخطر، ليس لأن الانتخابات سوف تنتهي بفائز وخاسر، لا.. بل لأن هذه الانتخابات على وجه التحديد سوف تضع الأوزان النسبية للفصائل المختلفة الموجود على الساحة، والتي أعتقد أنها ستكون صادمة للنخب العلمانية والليبرالية واليسارية كما كانت صدمتهم في استفتاء 19 مارس.

 

ما أود أن أختم به هذا المقال، أن مصر دولة لا تتحرك في الفراغ ، فمصر دولة قديمة لها تاريخها الدستوري ولا يمكن لمن سيضع الدستور القادم- أيًّا كان انتماؤه الأيديولوجي- أن يتجاهل هذا التاريخ، وإن كان عند هذه النخبة تخوف وشكوك في اختيارات المواطن المصري فنحن نمتلئ شكوكًا من هذه النخبة، وخصوصًا بعد هذه المحاولات العديدة للالتفاف على الشرعية والمشروعية لاستفتاء 19 مارس، ونود في الفترة القادمة أن نساعد المواطن على حُسن الاختيار وأن يتحمل تبعة هذا الخيار.

 

حفظ الله مصر من كل سوء، ووقاها من شرِّ الأصدقاء قبل الأعداء، وأختم بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) (الكهف)، عساها تكون سببًا في أن يقف كل واحد مع نفسه وقفة صادقة، ليرى ماذا يفعل وفي أي اتجاه يسير.

 

---------------------

أستاذ مساعد- جامعة المنصورة

دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية