هناك نفر من الناس يصرون على أن الإخوان يقدسون الإمام الشهيد حسن البنا، وهذا كلام لا يصح، ولا يفعله الإخوان، فلا قداسة عندهم للأشخاص مهما كانوا، فكلٌّ يؤخذ من كلامه ويُردُّ إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.. إنما يحب الإخوان البنا، ويجلّونه، ويقدرونه؛ لمجموع الصفات التي تحلَّى بها، فقد كان- رحمه الله- مرشدًا، عالمًا، عارفًا، بليغًا، قائدًا، محنكًا، وكان إمامًا ربانيًا، شهد الجميع: بتسامحه وسلاسته، وسهولته ولينه، وكان متواضعًا زاهدًا ورعًا، تقيًّا نقيًّا، عابدًا متبتلاً، موصولاً بالله، مرتبطًا بالآخرة، وقد أشرب حب أهله ومجتمعه ووطنه وأمته.
يقول الشيخ محمد الحامد: "إني أقولها حرة، ولا بأس بروايتها عني، أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلَّى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف.. لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبرين، وحنكة السائسين.. لا أنكر هذا كله عليهم من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجميع لهذه المتفرقات من الكمالات قلما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله.. لقد عرفه الناس وآمنوا بصدقه، وكنت واحدًا من هؤلاء العارفين به، والذى أقوله فيه قولا جامعًا؛ هو أنه كان لله بكليته: بروحه وجسده، بقالبه وقلبه، بتصرفاته وتقلبه.. كان لله فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار..".
إن حسن البنا الذي يدَّعي البعض أن الإخوان يقدِّسونه، هو من رباهم على أن يكون ولاؤهم لله دون الناس، وللدعوة دون الأشخاص، وأنه كان واحدًا منهم لا يتميز عنهم بشيء.
في عام 1938 عقد طلاب الإخوان مؤتمرًا بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، وعندما وقف الإمام البنا للخطابة، إذ بأحد الإخوة من الطلاب تجيش عواطفه وتأخذه الحماسة ويهتف بحياة حسن البنا، وبالرغم من أن الهتاف لم يكن إلا صيحة في فلاة لم تجد من يستجيب لها من الحضور، إلا أن فضيلته وقف صامتًا والأنظار تتطلع إليه وكأن شيئًا قد حدث، وما هي إلا لحظات حتى بدأ حديثه في غضب فقال: "أيها الإخوان، إن اليوم الذي يهتف فيه في دعوتنا لأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدًا.. إن دعوتنا إسلامية ربانية، قامت على قاعدة لا إله إلا الله، ولن تحيد عنها أبدًا.. أيها الإخوان: لا تنسوا في غمرة الحماس، الأصول التي آمنَّا بها وهتفنا لها من كل قلوبنا (الله غايتنا)؛ فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى، والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة: 21)".
ويذكر الأستاذ أنور الجندي أن الإمام كان ينزعج من المدح في شخصه ويقول: إنه أنزلني من فوق منصة الخطابة في أسيوط بشدة وعنف؛ لأنني كنت ألقي قصيدة جاء فيها ذكره، فغضب لذلك، وقال: إما أن يقول شيئًا عن الدعوة وإلا فأنزلوه، وقد فعلها مع كثير غيرى من الإخوان، وكنت أشعر بضجره إذا حاول أحد من الإخوان أو من الناس أن يذكره بكلمة ثناء في قصيدة أو خطبة، وكان يقول دائمًا: "تكلموا في الدعوة؛ فهي باقية، والأشخاص فانون".
ووقف الأستاذ أحمد السكري، وكيل الجماعة، في أحد المؤتمرات بدمنهور، وألقي كلمة ثم قدم الأستاذ البنا بكلمات فيها الكثير من الإطراء، قائلاً: "أيها الإخوان.. ها هو زعيمكم ومرشدكم، ها هو قائد المسيرة"، فارتجف البنا، وبدا وجهه ممتقعًا، ثم قام وأمسك بالميكروفون وقال: "ما ماتت الدعوات إلا بسبب التفاف أصحابها حول الأشخاص، فإذا مات الشخص ماتت الدعوة.. وأنتم أيها الأحباب مبادئكم خالدة.. والله غايتكم، والرسول زعيمكم، والقرآن دستوركم، والجهاد سبيلكم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيكم.. هذه المبادئ التي تـلتـفـون حولها هي الباقية"، فمسح- رحمه الله- بهذه الكلمات كل الإطراءات التي قالها الأستاذ السكري.