ما زلت أتميز ضيقًا وغيظًا كلما رأيت كبشًا ذا قرنين وترتفع حرارة هذه الحالة إذا كان القرنان من النوع المقوس الذي يظهر- في رأس الكبش- كأنه حرف الهاء الذي يكتب في أول الكلمة (هـ) ولكن في صورة عكسية. ولو كنت أملك القدرة والشجاعة لهجمت على مثل هذا الكبش وخلعت قرنيه، أو حطمتهما، ولكنها عقدة الخوف من القرون.
وهي عقدة ما زالت تتحكم فيّ من أيام الطفولة الباكرة، أي من قرابة سبعين عامًا بسبب مأساة كان للخراف دور البطولة فيها، ولأبدأ الحكاية من أولها:
مسرح هذه الحكاية مسقط راسي مدينة المنزلة في أقصى شمال الدلتا، وكانت أشبه بالقرية منها بالمدينة، فقد كان عدد سكانها لا يزيد على عشرة آلاف، والآن أصبح قرابة ربع مليون.
وكانت البلدة تتكون من حارات تسمى كل حارة باسم أهم الأسر التي تعيش فيها وأكثرها عددًا، وهو تقليد متوارث عن أسلافنا العرب في السكنى: فيقال مضارب بني فلان، ولما بنيت المدن تكونت من أحياء كل حي تشغله قبيلة، أو بطن أو فخذ منها.
وكانت حارتنا المسماة ب- "حارة قميحة"، أو "حارة القمايحة" يشغلها مسكن أسرتنا، ومساكن أعمامي، وعمتي، وأبناء العمومة، ويجاورها حارة منيسى أو "المنايسة" و"حارة الطير" وغيرها.
وتمتد حارتنا قرابة مائة وخمسين مترًا، لتخلص إلى حارة أخرى مفتوحة على عدة حارات هي حارة "عبد ربه" ولكن كان على يمين حارتنا من ناحية وسطها عطفه أو زقاق "الترعي" والعطفة أصغر بكثير من الحارة. وهي عطفة "سد" تمتد إلى اليمين قرابة ثلاثين مترًا، وتنهي بمنزل في صدر العطفة، ومن ثم لم يكن للعطفة منفذ. والمنزل المذكور هو منزل أرملة طيبة القلب هي: "أم محمد".
أما تاريخ المأساة فهو السادس من ذي الحجة 1357 هـ- (27 من يناير 1939م)، كان سني يقترب من الخامسة، أما شقيقتي "نبوية" التي كانت تشاركني لعبي فكانت تكبرني بعام وبضعة أشهر. وقبل يوم المأساة بقرابة أسبوع اشترى والدي كبشين كبيرين أقرنين دفع فيهما ستة جنيهات كاملة لذبحهما في العيد. وفي حارتنا بجانب بيتنا دق لهما في الأرض وتدين خشبيين متجاورين، وفي رقبة كل كبش حبل متوسط الطول يتصل بوتده، ووضع أمامها "طوالة" أي صندوقًا خشبيًّا وضع فيه "العلف" وهو خلطه من الفول المجروش والشعير وقشر الفول، والردة. زيادة على إناء فيه ماء.
لا أستطيع أن أعبر عن سعادتي بالخروفين، وإن كانت سعادتي يقطعها مسحة من الحزن كلما تذكرت عبارة والدي "لازم نعلفهم كويس علشان ندبحهم في العيد"، وأصبح من الصعب عليّ أن أتصور أو أتخيل غيابهما عنا. لقد استجاب الخروفان لي ولشقيقتي، ولا شك أنهما يبادلاننا حبًّا بحب، بدليل أنهما يتناولان العلف من أكفنا الصغيرة، وكذلك بعض أعواد البرسيم، ولا شك أنهما كانا يبادلاننا السعادة ونحن "نملّس" على رقبة كل منهما، وندلك ظهره، وأذكر أنني حاولت ذات يوم أن أركب أحدهما بمساعدة شقيقتي فنهرني والدي بشدة:
"أوعى تعمل كده تاني، لو عملتها حينطحك، ويسيحّ دمك". واستجبت لأبي فلم "أعملها تاني" وأذكر كذلك أننا- أنا وشقيقتي- كدنا نطير من الفرح، عندما رأينا خروفينا يسجلان انتصارًا باهرًا على كبش عمي مسعد الذي جاء من آخر الحارة حيث يسكن عمي، ويظهر أن الجوع "قرصه" فحاول أن يشارك كبشينا "علفهما" فثارا عليه ثورة غير "ميمونة"، وأخذا يسددان إليه دفعات من القرون "الموجهة"، ولم يتركاه إلا بعد أن جاوز مقره إلى حارة "عبد ربه" خوفًا وفزعًا.
وأقسم أنني شعرت بالزهو وأنا أرهما يعودان إلى موقعهما في وقار وخيلاء، وضحكت أنا وشقيقتي ونحن نراهما بحبليهما، وفي نهايتهما "الوتدان" اللذان لم يصمدا، فاستسلما وانخلعا للكبشين الناقمين الثائرين على الغازي المعتدي. واضطر أبي إلى ربطهما في وتدين آخرين أطول من السابقين، ولم يكتف بذلك بل أعطى وتدًا مثلهما لعمي مسعد، وطلب منه أن يربط فيه خروفه، بعد أن يدق الوتد عميقًا في الأرض لأنها "أرض مايعة" على حد قوله.
***
وأويت إلى فراشي وأنا أستشعر السعادة الغامرة بالنصر الذي أحرزه كبشانا، ولا يفارق مخيلتي منظرهما، وهما عائدان إلى موقعهما في وقار وزهو وفخار، ورأيت فيما يرى النائم أني أركب أحدهما، وأنا أميل بصدري ممسكًا بقرنيه من الخلف، ولم أشعر بالخوف وهو يطير بي فوق منازل حارتنا، ونظرت إلى أسفل فرأيت كبشنا الثاني- في حجمه الطبيعي- ينظر إلينا، وكأنه ينتظر دوره لأركبه كصاحبه، ونظرت إلى كبش عمي مسعد فرأيته- وأقسم- في حجم كلب صغير، وقد نكس رأسه معلقًا نظره بالأرض، عجبًا، لقد رأيت في رأسه أذنين طويلتين بدل القرنين، ياه، لقد شغلت عن "الأعلى" بالأسفل، وتغير شعوري من الأمن والسعادة إلى الخوف والفزع، وأنا أرى الكبش يواصل صعوده حتى جاوز السحاب، وخشيت السقوط، فقد انطلق الكبش بي إلى أعلى وهو في وضع رأسي، وازداد تشبثي بقرنيه من الخلف، وازداد فزعي. وأخذت أصرخ: "الحقوني، انزل، انزل- كفاية كفاية". ولم ينقذني إلا أمي التي أخذت تهزني إلى أن استيقظت، وأخذتني في حضنها وهي تبسمل وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
"فيه إيه يا حبيبي..؟ ما تخافشي، دا كابوس وزال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..".
وشعرت بالطمأنينة لأن ما حدث كان حلمًا لا حقيقة. ولكني لم أستطع أن أفسر الدموع الغزيرة التي ملأت عيني، وغمرت خدّيّ واستأنفت النوم، وبعد استيقاظي تناولت الإفطار على عجل، ونزلت إلى الخروفين بمفردي، كانا كعهدي بهما هدوءًا، ووقارًا، وأخذت أملأ كفي اليمنى بحفنات العلف، فيتناولانها، وأنا أكثر منهما رضاء وفرحًا، وبذلك تأكدت أن ما رأيته كان حلمًا مزعجًا، ولم يكن حقيقة، وألحت على مشاهد الحلم، هذا الكابوس المزعج وأخذت أمرر يدي على ظهر أحدهما، وأقول في نفسي "على هذا الظهر ركبت وطرنا إلى السحاب"، واستدرت مواجهًا الخروف وأخذت أشد قرنيه إليّ بقوة وأحّدث نفسي "لولا أمساكي بهذين القرنين، لسقطت على الأرض. ومت".
ولتأكيد اعترافي بالجميل اشتد جذبي للقرنين نحوي. وفجأة أخذ يهز رأسه بشدة يمينًا ويسارًا، حتى خلص قرنيه من قبضتيّ الصغيرتين، وفي لمح البصر نطحني في صدري نطحة طرحتني أرضًا، ونهضت، وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات، ووجهي إليه. وفي لمح البصر رأيته يخلص عنقه ورأسه من الحبل الذي لم يُحكم ربطه، وسدد إلى نطحةً أخرى، أخفقت كفاي في اتقائها، حاولت أن أصرخ، ولكني عجزت عن ذلك تمامًا، فقد التصق لساني من الرعب بحلقي، وأحسست أن قدرتي الصوتية قد تجمدت تمامًا. وزحفت على ظهري إلى الخلف قرابة مترين مستعينًا بيمناي الواهنة المرتعشة، وأثناء الزحف المفزوع كنت أرفع رأسي عن الأرض قرابة شبر، وعيناي معلقتان بالكبش الجاحد المعتدي، وتوقف منشغلاً برفيقه الذي كان- على ما يبدو- مؤمنًا بفضيلة التعاون، فتمكن من قطع حبله لحظة نهوضي من سقطتي، وصرت أواجه كبشين لا كبشًا واحدًا.
وتكرر السيناريو على النحو التالي:
ينطحني الأول، وأحاول تخفيف ضغط النطحة عن صدري بكفيّ وأنطرح أرضًا، وأنهض، وأتراجع بظهري داخل الحارة خطوة أو خطوتين، ويبدأ الثاني مهمته بنفس الطريقة، ويتكرر النطح، فالسقوط، فالنهوض، فالتراجع وهلم جرا. وأثناء انسحابي المهزوم رأيت كبش عمي مسعد مضطجعًا على جنبه الأيمن فتظاهر بأنه مشغول بالتهام بعض عيدان البرسيم، وكأنه يعلن أنه اتخذ قرارًا فوريًّا بالحياد، وعدم الانحياز "بعد العلقة" التي أكلها من يومين.
كانت الحارة خالية من البشر تمامًا، فاليوم يوم جمعة، والناس لا يستيقظون من نومهم إلا قبل الصلاة بساعة أو ساعتين.
ودخلت "عطفة الترعي" التي تنتهي بلا منفذ، وفي صدره منزل الأرملة أم محمد. سيناريو العطاء مستمر، ولا يُسمع في العطفة أو حارتنا إلا صوت "بُمْ"، صوت النطحات المسددة إلى صدري، ويديّ، وأحسست أن جسدي أصبح كصوتي تبلدًا متجمدًا، فلم أشعر بأي وجع وألم، واقتربت بظهري من منزل "أم محمد" الذي يسد العطفة، وحاولت النهوض من آخر سقطة، ولكني عجزت عن الوقوف، إلا على ركبتيّ، فوجه أحد الكبشين نطحة إلى وجهي، فأحسست أن أنفي قد تحول إلى جمرة من نار، وأحسست أن دمًا دافئًا يتدفق إلى ذقني وعنقي، ولكني أقول للحق- أن هذه النطحة فكّتْ عقدة صوتي، ومنحتني قدرة فائقة على الجري، وارتميت على باب "أم محمد"، وأنا أصرخ صراخًا باكيًا، انفتح الباب عن الأرملة الطيبة، وأخذتْ تطلق عبارات الاستغاثة بالجيران، وهي تتلقفني بذراعيها، وما زلت أذكر من كلماتها التي أدخلت بعض الطمأنينة إلى نفسي "يا حبيبي، يا ابني، يا ضنايا، يا حتة من قلب أمك".
وللحق أيضًا شعرت بأنني صرت خفيفًا جدًّا، وأن كل شيء صار في عينيّ، غائمًا شبحيًّا، حتى نور الصباح، ورأيتني أطير، فوق سطوح حارتنا، وتجاوزت السحاب في طيراني، دون الاستعانة بأجنحة، أو خروف.
***
وأفقت من غيبوبتي، لأجدني على سريري الصغير وقد لُف رأسي في شاش كثيف، وذراعي اليمني في الجبس، وحول سريري الصغير والداي وأعمامي وكثير من أقاربنا، ووجدتني أجهش بالبكاء، وأنا أقول لأبي:
"- النهارده تموتْهم، ضروري تموتهم،
- حاضر، خلاص حموّتهم النهارده،
- لا، قبل ما تموتهم اربطهم كويس، وهات خروف عمي مسعد ينطحهم، ويكسر قرونهم، وبعد كده تضربهم جامد، قبل ما تموتهم،
- حاضر، كل ده، حيحصل النهاردة إن شاء الله".
وكان هذا أول عيد أضحى لم يدخل بيتنا فيه لحم الضأن. بعد أن تخلص أبي منهما، وذلك بتسليمهما لخالي الذي كان يسكن في حي بعيد. وهذا ما علمته بعد ذلك بأشهر.
***
لقد مضى على هذه الواقعة المأساة قرابة سبعين عامًا، ومع ذلك ما زلت أتميز ضيقًا وغيظًا كلما رأيت كبشًا ذا قرنين. ألست معي- يا قارئي العزيز- أنني على حق في هذا الشعور؟
-----------