يعتبر الإعلام ووسائله المختلفة هو السلاح الأقوى والأمضى لحسم الجولات الانتخابية، ذلك أن العملية الانتخابية تتم في وقت قصير جدًّا، وبين عدد كبير من المرشحين مختلفين في توجهاتهم وأفكارهم نصل إلى حد التضاد في كثير من الأحيان, وكذلك اتساع الدوائر الانتخابية وعدم وجود أتباع بكثرة لأغلب المرشحين تغطي الدائرة على اتساعها فيكون له أتباع في منطقة دون أخرى أو عائلة أو قبيلة، وكذلك لأن كثيرًا من المرشحين، وعلى عهدهم بالنظام السابق، لم يكونوا ليهتموا بالناخب وطلباته واحتياجاته لأن النجاح لم يكن بصوته ولا برأيه ومع حدوث الثورة لم يسمح الوقت ولا المتغيرات بتحسين هذا الوضع أو تغييره لذلك يلجأ كثير من المرشحين إلى إتباع وسائل إعلامية تحمل الصخب والصوت الأعلى للتأثير على قناعة الناخبين.

 

ولأن كثيرًا من المرشحين ليس له مؤيدون على أرض الواقع ولا خدمات يعرف بها ويستند إليها أو لأنه حديث عهد بالعملية الانتخابية فإنه يلجأ إلى إحدى وسيلتين لتغيير رأي الجمهور والناخبين، الأولى هي سلاح المال بالإنفاق ببذخ أمام الناخبين في صورة عطايا وهدايا وأطعمة ووو... والثانية هي الإعلام في بث الشائعات المغرضة ضد الخصوم.

 

وأود هي هذه السطور التالية أن أصف الوضع وأقدم بعض الحلول الناجعة بفضل الله لتفادي تلك العقبات.

 

أولاً: نقطة الانطلاق: وأعني بها نقطة الانطلاق إلى عقل وقلب الناخب والجمهور وهي تكمن في نقطتين، الأولى احتياجاته، والثانية تركيبة الناخبين وأقسامهم تجاه ما يلقى على أسماعهم وأبصارهم عبر وسائل الإعلام.

 

الاحتياجات: أعني بها الحاجات الحقيقية والماسة للمجتمع، وليس الاحتياجات الشخصية (مع ملاحظة عدم الإهمال أو الانتقاص من رأيهم وشأنهم)، والفردية لأنها لا تنتهي ولا ترضي الجميع، ولكن نعني بالاحتياجات حاجات المجتمع ككل مثل:

 

1- الحاجة إلى الأمن والأمان والاستقرار:

وتلك هي الحاجة الملحة التي تدور في نفس كل مصري الآن والى أن يتم الاستقرار، فلا بد أن يتزين حديثنا عن الاستقرار والطمأنة بالخير القادم، و"بكرة أحلى" "واللي فات مش ممكن يرجع ومش هنسمح بيه" مع عدم الانجرار في الحديث عن الأمور التي تثير مخاوف الناس كالحديث في الفتنة الطائفية أو الحديث عن المؤامرات الغربية وقدرتها على تحويلنا إلى جزائر أخرى أو الصومال أو أفغانستان أووووووو.... بالأمس القريب كانت إحدى المذيعات بقناة "النيل" للأخبار تسأل ضيفها المحلل السياسي (هل نحن أمام سيناريو انتخابات الجزائر وجبهة الإنقاذ؟) مع تحويل كلامنا إلى أرقام ليكون أكثر إقناعًا للمتلقي، على سبيل المثال سئل أحد الأخوة عن كيفية تدبير موارد للدولة في ظل عجز الميزانية والحالة الاقتصادية الحالية وتصريح وزير المالية بأن العجز في ميزانية الدولة يبلغ 10 مليارات جنيه على الوزارات والهيئات التكاتف والتعاون لسد العجز، فكانت الإجابة أن تدبير الموارد أمر ممكن، وضرب مثلاً بتعديل أسعار عقد بيع الغاز للأردن والذي سيعطي فارق سعر يبلغ 80 مليار جنيه سنويًّا (هذا بند واحد) وزير المالية السابق د. سمير رضوان صرح في شهر أبريل الماضي ردًّا على تساؤل حول الصناديق الخاصة وما بها من أموال تصل إلى التريليون فقال إن من بعد الثورة إلى الآن (من شهر فبراير إلى أبريل) كل حصيلة الصناديق الخاصة لم تتعد 26 مليارًا، لاحظ الرقم وفي 3 شهور والبلد في حالة ثورة وعدم استقرار ووو... كل ما أعنيه هو تحويل الكلام إلى لغة أرقام مع الوضع في الاعتبار عدم المبالغة في الكلام أو إطلاق الأرقام جزافًا لأن هذه الأرقام ستسأل عن تحقيقها بعد ذلك.


نقطة الأمن والأمان والاستقرار تدفع إلى الحديث عن دور الشرطة وأهميته, وهو دور لا يمكن إغفاله ولا تجاوزه ولا الاستغناء عنه، وأن تجاوزات رجال الشرطة أو بعضهم مجالها القانون وليس الحل هو تفكيك جهاز الشرطة ولا ذهاب هيبته لأن هذا سيقوض مؤسسات الدولة وسيكون بابًا آخر يدخل منه المفسدون وعصابات الفساد والإجرام، وليس الحل بأن تذهب في رأيك إلى أن اللجان الشعبية هي الحل أو إنشاء جهاز جديد هو الحل لأنها حلول تدفع بالبلد إلى الهاوية وضياع الأمن والأمان مع التقدير الكامل لرجال اللجان الشعبية التي هي حل جزئي مؤقت وكذلك عملية الإحلال والتجديد في جهاز الشرطة التي يجب أن تتم وفق معدلات زمنية ليست بالقصيرة وتكون حلول واقتراحات حكومة وليست أحزابًا أو أفرادًا، ويجب علينا أن نتحلى بالشجاعة والثقافة والوعي في طرح المشكلات وحلولها ما يطمئن السامع ويريح باله، ولنا في تجربة تونس مع الأمن وهي تجربة مماثلة لنا كثيرًا وبنفس التجاوزات ما أدى في النهاية إلى صدام بين الحكومة ووزير الداخلية هناك وصل حد التراشق اللفظي والتراشق بالزجاجات ولكن انتهى إلى حل وتراضٍ وعادت الشرطة إلى عملها وسيطرت على الوضع الأمني واستقرت أحوال تونس.

 

نقطة أخرى في مجال الأمن يجب أن نتنبه إليها وهي أن الخصوم كثيرًا ما يعزفون على هذا الوتر لتخويف الناس والمتلقين وذلك بترديد الكلام عن المخاوف من المخاطر التي تمس أمن واستقرار البلد الخوف من تحولها إلى فوضى أو الدخول في حرب مع إسرائيل أو الخوف من الفتنة الطائفية ووو... ولكي يكون الأمر مثيرًا ومقنعًا يعمدون إلى سؤال أحد المسئولين أو الرموز عن معاهدة السلام واحتمالية إلغائها أو تعديلها وحكم الإسلام في ولاية المرأة وغير المسلم أو إثارة بعض الآراء الفقهية في المسائل العقائدية واستدعائها من ذاكرة اليوتيوب أو الصحف وبطون الكتب ثم استضافة أحد السياسيين أو الرموز للتعليق على هذه الموضوعات, يجب أن نتنبه إلى هذا الأمر والنظر إلى الجمهور والمتلقين وإغفال الإجابة للسائل لأنه مغرض أراد الوقيعة.

 

2- الحاجات الأساسية والبيولوجية:

مثل حب الحياة والإنجاب والاستقرار وما يستتبعه من استقرار مادي وحياتي ووظيفي فهو الأساس لأن عامة الناس لا تأكل ولا تشرب من البرامج السياسية والتشريعية ولا تهتم بالدور الأممي للنائب في الوقت الذي تعاني البطالة والفقر والمرض وسوء الخدمات (في الانتخابات البرلمانية السابقة 2010 تقدمت إحدى المرشحات على كوتة المرأة ببرنامجها الانتخابي مسجلاً فيديو وطلب مني إبداء الرأي فيه وتقييمه فوجدتها تكلمت 9 دقائق كانت الدقائق الـ7 الأولى تتحدث فيها عن دورها البرلماني والدور التشريعي، ودورها في رفع المعاناة عن المحاصرين في غزة، وآخر دقيقتين تحدثت عن دورها تجاه قضايا المرأة فذكرتهم باقتضاب..) في حين أن إدراك حاجات الجمهور أهم وأولى وقضايا المرأة كثيرة لا تحصى وتتصدر قضايا المجتمع فلا يصح أن تؤخر ولا تهمل، ولا يصح في هذا المقام إهمال الطلبات أو الرد بأنها ميراث نظام سابق ولسنا مسئولين عنه بل يجب أن يلقى السائل منك كل اهتمام وتقدير لطلبه وهو تقدير حقيقي وليس وهميًّا حيث لا بد أن يكون هناك فريق مهمته الأساسية تسجيل كل ما يطلب وتبويبه وكتابته بتفصيل ودقة مع الوعد الصادق لإنهاء هذه المشكلات بواقعية في برنامج الحكومة المقبل ووضعه في الأولوية المناسبة له، (كنت اقترحت سابقًا على الأفراد في الأحياء تكوين فريق عمل يجوب الأحياء والشوارع والمصانع والشركات يستمع إلى شكاوى الناس وطلباتهم وتدوينها والتأكيد للناس أن الحزب ينطلق من احتياجات الناس وتلبية طلباتهم وذلك بعد دراستها ووضع الجدول الزمني لها حسب أولوياتها ضمن برنامج الحزب في الحكومة القادمة).

 

3- الحاجة إلى التقدير:

وأعني به تقدير الناس بعدم التعالي عليهم مهما كان السن أو الشأن أو الوظيفة أو المستوى الثقافي يجب أن نتواضع ونذهب إلى الناس وننصت إليهم ونضع نصب أعيننا عتاب رب العزة لنبيه في عبد الله بن أم مكتوم, (في إحدى نتدورات التواصل قال المحاضر والمدرب لو أنك ذهبت إلى الريف لتحدث مجموعة من الفلاحين تريد إقناعهم بقضية ما وذهبت إليهم في وسط الزراعات ترتدي البدلة والكرافت والحذاء اللامع وهم جلوس على الأرض فما استطعت الجلوس فاحضروا لك كرسيًّا أو ما شابه لتحدثهم، لاستمعوا إليك لكن حديثك لن يبلغ آذانهم بل آذى مشاعرهم، بينما إذا ذهبت إليهم مرتديًا زيًّا مناسبًا وبادرت بالجلوس على الأرض وسطهم جميعًا وتناولت عودًا من السريس أو الفجل وأكلته مباشرة وطلبت كوزًا وليس كوبًا من الشاي المغلي في إناء متفحم من أثر الدخان عليه، لو فعلت ذلك لامتلكت قلوبهم قبل أن تحدثهم لأنهم استشعروا تواضعك معهم وتقديرك لهم...).

 

كذلك التقدير عند الحديث عن الشعب المصري فلا بد من نعته بأعظم الصفات وأحلاها وأجملها لآن المستمع جزء من هذا الشعب, فهو شعب عريق، شعب عظيم. شعب واعي، أعظم شعوب الأرض وأكرمها وأنبلها وأرفعها أخلاقًا، شعب مضياف، وووو....
كذلك تقدير الرموز وسادة القوم وكبرائهم، فلا يصح أن تدخل على قبيلة أو عائلة كبيرة دون أن يكون الداخل له وزن وثقل يعرف به يتقدم القوم، لذا استنكر عمر بن عبد العزيز قدوم وفد لتهنئته يرأسه غلام حدث السن، وخاطبه: أليس في القوم من هو أسن منك، ولا أن تدخل على العائلة أو القبيلة فتتجاوز سيدها وكبيرها إلى من هو دونه منزله فهذا معناه أنك لا تعرف قدر الرجال ولا منزلتهم، وهذا دلالته خطيرة.

 

النقطة الثانية: للوصول إلى عقل الناخب وقلبه هو التعرف الجيد عليهم من خلال تقسيمهم حسب اهتماماتهم السياسية إلى:

1- صناع الرأي وقادته وهؤلاء هم الكتاب اللامعون ومقدمو البرامج الشهيرة والخطباء الجماهيريون, هم ممن يقول فيسمع لهم ولهم تأثير في المتلقي وهؤلاء نسبتهم في المجتمع لا تتعدى جزءًا في الألف من 1-3 في الألف.

 

2- ناقل الرأي: وهم المتابعون لصناع الرأي والمتيمون بهم والمغرمون بما يقولون يتلقونه بالقبول ويسعون جاهدين لحث الناس على المتابعة وتبني الرأي وهؤلاء هم أخطر الفئات أثرًا في المجتمع فلولاهم لماتت وانتهت كل القضايا التي يثيرها صناع الرأي (صناع الرأي لا يصنعون رأيًّا إلا بهؤلاء) ومهمتهم تتلخص في تحريك جموع الجماهير بهذه القضايا ونسبتهم لا تتعدى 3-4% من الجمهور.

 

3- المنقاد للرأي: وهم الكتلة الصامتة من الشعب وهم يمثلون باقي النسبة حوالي 95% من الجمهور (قد تختلف هذه النسبة عند بعض الباحثين من مجتمع لآخر لكن تظل هي النسبة الأكبر تدور حول الرقم المذكور), مكمن الخطورة هنا أن هذه النسبة وهي الكتلة الصامتة والرقم الأكبر هو الذي يرجح كفة أي مرشح, وهي النسبة التي توضع في الصناديق وتعلن للجمهور ويعتد بها الساسة ويفوز البعض ويخسر الآخرون، مع أنهم منقادون لغيرهم ليس لهم رأي ثابت يصدرون منه ولا يدافعون عنه (بمعنى اللي يصحي بدري ويوصلهم ويجيبهم هم معاه، واللي عينهم تشوفه آخر لحظة قبل التصويت سيعطونه صوتهم)، أعلم أن كثيرين لا يعجبهم هذا الكلام ويستغربونه لكنه هو الحقيقة المؤلمة، لذلك حريفة الانتخابات يعلمون أن رأي الناخب ممكن يتغير قبل اللجنة بثوانٍ معدودة حتى لو كان قرأ الفاتحة 100 مرة, وهذا هو السر وراء رفض النظام السابق وأعوانه وجود أي شخص ملتحٍ أو متدين أو امرأة ترتدي الحجاب داخل اللجان أو قريبة منها ولو داخل سور المدرسة لأنهم يعلمون تأثر الناخب بهم وبهديهم الظاهر.

 

يبقى الأمر الأخير والنقطة الثالثة:

ألا وهي أن الإعلام يعتمد على "البروباجندا" والزخم والتكرار والملاحقة، لا بد من وضع خطة إعلامية تدفع بالفكرة والدعاية لتلاحق الناخب في كل مكان في الصحف والمجلات والبرامج الإذاعية والحلقات التليفزيونية متكررة في أكثر من برنامج وأكثر من قناة وعلى الجدران وفي كل مكان تقع عليه العين مع الإثارة العاطفية والتشويق واللمسة الجمالية، والله الموفق.

 

أعلم أن الموضوع طويل لكن حسبي أنه ضروري وهام في هذه المرحلة وأعدكم بتتمة له مع الرد على تعليقاتكم واستفساراتكم.

------------------------

E.mail:

medianet9@gmail.com