من الثابت أن الشباب هم عصب الأمة، وهم حاضرها ومستقبلها، وجاءت الثورة المصرية لتزيد أنهم بهجتها وسعادتها.
إنك حين تنظر إلى جموع الشباب وهم يهتفون، تتولّد فيك رغبة عارمة بأن تعانق كل واحد منهم وتقبّل على رأسه، ثم تفتح ذراعيك لتضمهم جميعًا مرةً واحدةً، وأنت تقول تحيا مصر.
وحين تنظر إلى صور شهدائهم تجد نفسك تعكف تقبل الصورة تلو الأخرى، ودموعك تنهمر، ووجدانك يصرخ: بارك الله في ترابك يا مصر، نعم ما أنجبت، اللهم ارحمهم واعف عنهم، وتقبلهم شُهداء عندك.
والشباب يوجز بثلاث كلمات: "الطموح والحماس" و"الحيوية والنشاط" و"الرغبة في التغيير والقابلية للتغيير"، والرجل السوي يظل محتفظًا بهذه الروح بعد أن تكتمل رجولته، إلا أن الحماس تهذبه الحكمة ومزيد الخبرات تصقل الشخصية، ولا بد من الاعتراف بأن جمال الصبا وحيويته يأخذان بالذهاب شيئًا فشيئًا وإن طال هذا الأمر عند بعض الرجال.
والحق أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على هذه الشاكلة من الرجال، فلم تعرف البطحاء طموحًا مطردًا، ولا حبًّا للخير متزايدًا أكثر منهم، وكأن آية الذكر الحكيم (وإنه لحب الخير لشديد) ما نزلت إلا فيهم.
يتنافسون ليكونوا الأقرب مجلسًا من صاحبهم، لا يعرف الواحد منهم خلةً أو مكرمةً عند أحد حتى يلاحقه ليأخذها عنه، ساروا على الأرض، ركبوا البحر، ولو علموا لطاروا في الهواء لنشر الخير والنفع ورفع الظلم عن العباد على صهوة جيادهم متظللين بسلاحهم نهارًا، مفترشين الأرض، ملتحفين بالسماء ليلاً، قبورهم عند منتهى أقدام الخيل، نهارهم سعي وليلهم ذكر، قليلو الكلام كثيرو الفعل، يزداد العزم عندهم مع تقدم العمر لبناء الدولة وإعلاء المكانة ورفع الشأن، فلا يعرف للقوة خورٌ ولا للوثوب تثبيطٌ.
الأجر والثواب يعلي الهمة في نفوسهم، فيقبلون على الموت غير فارّين، بل الموت هو الذي يفر منهم، حتى إذا جاء أحدهم وهو على فراشه أنف منها ميتهً، وعدها ميتة الجبناء على ما كان منه من جميل صنع وطويل باع.
إن الحياة الشبابية في ظلٍ إيماني حياةٌ جميلةٌ؛ تجعل صاحبها يطير في أفق الحياة بجناحٍ من طموح وجناحٍ من همة، صاعدًا من درجة إلى أعلى، حتى إذا تاق إلى الجنة واستحوذت على قلبه زهد فيما بلغ وإن كان عظيمًا، بل زهد في الدنيا بأسرها، واشتاق للقاء ربه.