"إحنا المصريين" لا يمكن خداعنا مرة ثانية بعد أعظم ثورة قامت وشهد لها العالم، بل تأثرت بها الدنيا كلها، لذلك أشفق على الدكتور السلمي نائب رئيس الوزراء في حكومة تسيير الأعمال الانتقالية برئاسة دكتور عصام شرف من المهمة التي ألقيت على عاتقه في وقت حرج لإثارة فتنة كنا نظن أنها انتهت! لكن أيقظها السلمي بناءً على تعليمات، فالرجل عانى مرضًا عضالاً شفاه الله منه وقد كنا جميعًا ندعو له، لكنه عندما عاد بدأ من حيث انتهى قبل مرضه! في مسلسل يوحي بأنه ما زال يحمل تكليفًا من الجهة الأعلى لفتح باب القواعد الحاكمة لمواد الدستور، وكيفية اختيار الهيئة التأسيسية بعيدًا عن الأغلبية التي خولها التعديل الدستوري لأعضاء مجلسي الشعب والشورى، ولا أستبعد هنا من أطلقت عليهم من قبل مستشاري السوء الذين يقدمون نصائحهم للمجلس الأعلى العسكري!
ولعل ضغوط الخارج وشغب الداخل الذي لا شعبية له هي التي أخافت المجلس الأعلى وربما ساعد على ذلك نتائج انتخابات تونس الأخيرة!! أيضًا توقيت إثارة هذه الأزمة التي اعتقد الشعب المصري أنها حسمت وانتهت يثير تساؤلات كثيرة قبيل الانتخابات التي تحتاج تركيز وانشغال من الجيش والشرطة لتأمينها بدلاً من إثارة الخلاف حول نزع اختصاصات المجلسين قبل انتخابهما!!
هل المطلوب ردُّ فعل زاعق من القوى التي ترفض إلزامية هذه القواعد التي لم تعلن حتى الآن! وماذا لو صدر بها مرسوم عسكري يمنحها حصانة حتى لو مؤقتة!؟ هذه ليست أخلاق مسئولين ولا إحساس بالمسئولية تجاه وطن يتحرر ويأمل في الالتزام بإرادة الأغلبية بعد أول استفتاء حقيقي يتم بعد الثورة العظيمة- أخص علي الفاعل وعلي المحرض! فما هذا وقته ولا ذاك مبرره، فلقد تطور الأمر لدى فئة من المثقفين لإرعاب الشعب من إجراء الانتخابات، وتجرأ البعض منهم ليشيع فكرة دموية الانتخابات القادمة، بل أدعى أحدهم أنه لو استجاب المعاندون لفكرة الدستور أولاً لتم وضع دستور منذ أربعة أشهر!!
ولعل ما اعترض عليه حزب الوسط من حيث منح القوات المسلحة استثناءً من عرض ميزانيتها وإقرار قوانينها في مجلس الشعب مما يمنحها حصانة وتفرد لا يمكن لعاقل في وطن يحترم نفسه أن يقبل بها! الحضور كان أغلبه من الفلول سواء كانت أحزاب جديدة أو قديمة شاركت في خداع الشعب المصري عشرات السنيين بقبولها حوارات مع النظام البائد لا هدف لها سوى نفس الأهداف التي تحققت في الاجتماع الأخير من إسباغ شكل شرعي حول اللقاء؛ ليدعي أن كل أطياف الشعب المصري قد شاركت معهم! نفس الكذب والخداع الذي ادعاه نظام مبارك المخلوع، والذي نجح في زرع بذور الفتن وصناعة رموز الفساد في كلِّ مؤسسات الدولة حتى الآن!
المصريون خرجوا وقالوا رأيهم في استفتاء، وذاك أقوى من أي إعلان دستوري يتفرد به المجلس الأعلى الذي صار في حرج لوجود مصلحة له طبقًا للمادة التاسعة المقترحة، وهو ما يؤكد وجوب ابتعاده حتى يتم تشكيل البرلمان بإرادة شعبية خالصة دون تأثير من الجيش أو الشرطة، وقد بدا يساورنا الشك في أن الجيش بعد تغليظ العقوبات وقت الانتخابات أن يمارس دور الداخلية في العهد البائد، ولديه صلاحيات قد تستخدم ضد الأبرياء في الانتخابات!!
لقد أدخل المجلس الأعلى نفسه طرفًا في قضية كان يجب عليه أن يلتزم بالإرادة الشعبية فيها كما أعلن مرارًا وتكرارًا أنه انحاز للشعب حتى يسلم إدارة مصر لأبنائها المنتخبين بإرادة حرة!! لقد عرضنا عليهم خروجًا آمنًا بدلاً من الوجود الدائم المخالف لكلِّ الأعراف الدستورية والقانونية محليًّا ودوليًّا، ولكن ما الموقف الآن، فنحن نحمل للمجلس الأعلى كل تقدير واحترام لأن مصالح الشعب المصري هي همه وسبب انشغاله، لكن المادة التاسعة تضعف من هيبته وثقة المصريين فيه، وأغلب ظني أن هذه المادة من اختراع الدكتور السلمي والفريق المعاون له، ونحن في انتظار تكذيب من المجلس الأعلى العسكري لمن يريد أن يفك شراكة الجيش والشعب التي أنقذت مصر ومنحتها حريتها! هذا يقيني والله على ما أقول شهيد.
----------------------