جلسنا ننتظر زميلنا الذي تأخَّر حتى بدا القلق والتبرم على وجهي، أما هو فكانت على وجهه علامات الرضا والهدوء، لما نظرت إليه أخذ نفسًا عميقًا متمتمًا: الحمد لله، حتى كأن الكلمة خرجت مع أنفاسه لترسم على وجهه وعلى المكان رسومات من الراحة والبشاشة.
لما أتى زميلنا ظننت أنه سيعاتبه لكنه قابله بنفس البشاشة والمشاعر الفياضة قائلاً: خيرًا يا أخي الحبيب "قلقتني عليك".
ركبنا "الباص" قال: أذكار ركوب الدابة، ثم بدأ في أذكار الصباح، فالطريق سيستمر لمدة ست ساعات.
سبحان الله، قالها وهو يزيح ستارة الشباك، وكانت قطرات المطر تتساقط قائلاً: كم بديع هو صنع الله.. كم هي جميلة الزروع وأبراج الحمام والبيوت المترامية البعيدة.. ما أروع صنع الله وما أجمله!.
في الاستراحة بحث عن مكان المصلى وصلى ركعتين قائلاً: كل مكان جديد تصلي فيه يشهد لك يوم القيامة.
حاضنًا بكلتا يديه كوب الشاي ومراقبًا لخيوط الدخان المتصاعدة قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولم يمهلني كي أسأله فأردف قائلاً: انظر حولك الناس في غفلة كبيرة عن ربنا، وأُحِس أن ربنا ليس له مساحة ذات بال في حياتهم!، نحتاج أن نعمل مع الناس أكثر.
عندما وصلنا المكان خرج للشرفة كان صوت الرياح يطرق الشباك الزجاجي، فكان ينظر إلى السماء ويسبح الله ويثني عليه ثم أغمض عينيه ورفع يديه بالدعاء.. سحب سجادة الصلاة ونفض عنها الغبار وصلَّى ركعتين بمنتهى الخشوع والتأني والراحة.. أحسستُ أنه نفض غبار السفر عنَّا وغبار الحياة عن المكان.
كان يتحدث معنا في السياسة والأدب والاقتصاد والرياضة والمجتمع، وعن نفسه وبيته وأمنياته وتخوفاته.
كان يتحدث عن الجماعة وثوابتها ومتغيراتها وفضلها وعظمتها كأنه هو الذي أسسها.
كان يتحدث عن إخوانه الكبار بمنتهى الحب والرضا والإجلال والثقة.
كان يتحدث عن شباب الدعوة بمنتهى الحب والحنو والأمل المفعم بالثقة.
تحدَّث كثيرًا لكن كلامه كان مربوطًا بمحور ارتكاز ما.. ومشاعره وأحاسيسه مركوزة حول هذا الشيء، لا لكمية الآيات والأحاديث والآثار التي يستشهد بها إنما بسبب شيء ما..
نعم كان يتحدث بعفوية ونضج وصدق.
نعم كان صادقًا في كل شيء حتى في ضحكته وبسمته ونومته ويقظته وفي أخذه وعطائه.
كان يجعلنا نعيش معه بكامل أرواحنا وأجسامنا، لكنه كان مرتبطًا بشيء ما.. شيء جميل وراقٍ وجليل.
لا أدري ماذا أقول بالضبط لكني أحسب أنه كأنما يتحرك في مسارات وخطوط ومربعات ودوائر ومساحات وتشيكلات كلها مرتبطة بالله.
تذكرتُ "الجنيد" وهم يسألونه عن الحب وكان فتى صغيرًا فدمعت عيناه وقال: "أن تعيش بالله ومع الله وإلى الله".
وتذكرت كلام الإمام "القرطبي" عندما قالوا عن ابن عباس مات رباني هذه الأمة، قال: ربانيٌّ لأنه كان يسوس حياة الناس بالقرآن.
قال أحدهم- ما معناه- : كان ابن عباس يعيش بالله، وكان عندما يشرح القرآن في مكة فيسمعه العجم فيسلمون لحاله وعذب كلامه وهم لا يفهمون اللغة العربية.
إنه الانتساب إلى الله، كما جاء في الحديث القدسي: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ".
نعم وهذا ما جعل "صلة بن أشيم" وهو مَن هو في العبادة والزهد والفقه والعمل لله فيذهب إلى فراشه من كثرة عمله لله زاحفًا، قالوا: عندما ضلت بغلته في سفره وعليها طعامه وشرابه فأقسم عليها أن تأتي فأتت (صفة الصفوة).
إنه العيش مع الله، بل قل الميلاد الحقيقي والعيش الحقيقي، فكل واحد منا له ميلاد إلا أهل الله لهم ميلادان، الميلاد الأول ثم ميلاد التعرف على الله.
انظر إلى الحق تبارك وتعالى وهو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(الأنفال: من الآية 24).
نعم هذا نداء للأحياء جسدًا لا معيةً وقلبًا وعيشًا، أن يحيوا من جديد حياةً جديدةً وميلادًا جديدًا أروع وأعلى وأجمل.
إنه الانتساب إلى الله كما جاء في الأثر:
"أنا جد كل تقي"..
و"سلمان منا أهل البيت"..
وهلم إلى ميراث رسول الله..
ومصداقًا للنداء القرآني الجليل (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79))(آل عمران).
نعم يجب أن ننتسب إليه سبحانه وتعالى كما ينتسب أحدنا لعائلته أو لبلده أو لشركته، والانتساب ليست كلمة تقال بل حياة تعاش.
والانتساب ليس رداء ملائكة لا تُخطئ، لا بل هو انتساب حقيقي مهما وقعت فيه أو أذنبت أو أخطأت فتذهب بقوة ترتمي على أعتاب عبوديته، تائبًا عازمًا على العودة.
قال العلماء: الرباني مَن يتولى أمر الناس فيربيهم بصغار العلم قبل كباره.
إنه الانتساب والعلو:
قال "بشر الحافي" كنت عبدًا ضائعًا وكانت بدايتي: رأيت قرطاسًا فيه اسم الله، وكان ملقى على الأرض، وكان متسخًا فكان معي دونقان، فاشتريت بأحدهما ماء ورد، وبالثاني مسك، وأخذت أتتبع اسم الله فأغسله بماء الورد وأعطره بالمسك، ولما ذهبت للنوم سمعت مناديًا: يا بشر كما طيبت اسمي في الدنيا سأطيب اسمك في الدنيا والآخرة.
عندما كنت أتأمل سلوك مسئولي هذا كنت أستحضر صورًا كثيرة من أولي السبق والفضل ومن أهل الله الربانين: فهذا صلة بن أشيم وجد شبابًا يلعبون، فقال لهم: تلعبون بالنهار وتتسامرون بالليل، فمتى يكون السفر إذن؟.
إنها طبيعة مركوزة في الرباني، وسمت وسلوك لا يرضى اللهو ولا الغفلة، فيحاول أن يأخذ الناس إلى الخير.
وكما جاء في الأثر عن سيدنا "داود"- عليه السلام- يقول لله: ماذا أفعل؟ فيقول له: "حببني إلى خلقي".
فقد كان صاحبي يدلنا على آيات الله ونعمه علينا، كان يدلنا على الخير ويأمرنا به وينهانا عن كل شيء يضرنا ويؤذينا كما قال ربنا: (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ)(المائدة: من الآية 63).
كانت روحه الوثابة ونفسه العاليه وثباته يذهلنا، لا ضعف ولا وهن ولا استكانة، تمامًا سمات الرباني كما وصفها الله عزَّ وجلَّ: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)(آل عمران: من الآية 146).
كان مسئولي هذا أحسن منَّا في كل شيء، وزائدًا علينا في كل شيء.
كان ارتباطه بالله يعصمه من الزلل ومواطن الخطأ مع استغفاره الدائم.
كان حرصه على العبادات والطاعة يزيده قوةً وصلابةً وترتيبًا في حياته.
كان ترفُّعَه عن ذكر الناس بسوء يجعلك تحس أنه أرقى من كل الناس.
كان حبُّه لدعوته يجعلك تجله وتحترمه.
كان حبه لإخوانه باديًا ظاهرًا في ثنايا كلامه، وفي ومضات عينيه.
كان كله ثقة في الله وفي نصر الله وفي معيته، عندما قال له صاحبي إننا كمن يحرث في البحر، ردَّ عليه بثبات وقوة: من قال هذا؟ لن يخذلنا الله أبدًا.
هذه هي الربانية، معاني ومواقف وأحاسيس وسلوك، فمن منا يشتاق لهذا الانتساب الجليل.