نظرة استشرافية في ضوء مدلولات الشريعة وسوابق الحركات الإسلامية

 

ليبيا الغد.. بهذا الأمل بشَّر سيف الإسلام المسلول على المسلمين؛ يوم كان يُجَهِّز أو يُجَهَّز لوراثة والده.. ولأن سيف كان يرى أن المستقبل لأصحاب التوجهات الدينية وأنهم العقبة التي قد تحول دون وصوله لمأربه من حكم وسلطة؛ عمل بقاعدة: (ليكن عدوك أكثر قربًا منك)؛ فقرَّب بعضهم وألان لهم جانبه.. وتمدد في رحابهم ظانًّا أنهم سوف يغنوا عنه من الله شيئًا!.

 

وهنا أحسن الإخوان المسلمون كأحد أهم الحركات الإسلامية في ليبيا- وهم الذين سامهم والده سوء العذاب- صنعًا في استغلال هذا التوجه؛ فمدوا الأصابع وليس اليد لسيف؛ الأمر الذي أثمر بعض أثر لوجود الحركات الإسلامية في ليبيا؛ وكعادتهم شفعوا لسجناء الحركات الإسلامية لإخراجهم من سجون والده؛ وقد حدثني أحد المهتمين بالشأن الليبي أن جمعنا قدر الله بالشيخ القرضاوي حينما تصادفت زيارتي لطرابلس الغرب مع زيارة الشيخ في العام 2003م؛ ويومها- للحق- أومأ القذافي إلى المسئولين بإكرام مثوى الشيخ والاعتناء به.. واستُقْبِلَ كرجل دولةٍ..

 

أثناء الزيارة تمكن الشيخ القرضاوي من زيارة سجن بو سليم والتقى عديدًا من المعتقلين من كل التيارات الموجودة.. وتباحث معهم وناقشوه وأُعْجِبُوا به أيَّما إعجابٍ!.. ووعدهم بمفاتحة القذافي في موضوع إطلاقهم وإغلاق ملفاتهم.

 

فلما كان موعد الشيخ القرضاوي مع القذافي.. بدا الحديث ودِّيًّا.. كان القذافي حريصًا على التقاط صورة تذكارية مع الشيخ القرضاوي، ثم إنَّ حرارة اللقاء أغرت الشيخ بمخاطبة القذافي بلفظ "يا بُنِيَّ، شوف موضوع المعتقلين عسى الله أن يكرمك كما تكرمهم بإطلاق سراحهم"!.. وفجأةً، قام الزعيم منتفضًا ومعربًا عن غضبه من لفظة "يا بُنَيَّ" ولملم سراويله وعباءاته وشادوره وهمَّ بالانصراف مُغاضبًا!.. فما كان من مُساعِدي الزعيم إلا اللحاق به وتهدئته- لما يعرفون عنه من رعونة وسوء وتقدير للمواقف.. فهدأ وعاد لتوِّه إلى المجلس.. لكن وتيرة الحديث ومساره اتخذا أبعادًا وموضوعات أخرى!... ذلك فضلاً عن الجهود الداخلية للدكتور علي الصلابي مع الجماعة الإسلامية المقاتلة- والتي أعلنت بدورها استعدادها للمراجعة والتجاوب مع الجو العام الليبي.

 

ومن الإنصاف القول إنه كنت ثمة بوادر انفراجةٍ سياسية ليبية ولكن على نفس الطريقة القديمة التي تمسك بأنفاس الناس.. فلما أخذ بعض الشباب في التململ وإظهار روح الرفض لاستمرارية وتيرة الأوضاع السياسية على التناقضية التقليدية.. انطلقوا بثورة 17 فبراير؛ وهنا "قطعت جهيزةُ قولَ كل خطيب"، وأضحى الميدان هو العنوان.

 

وفي ذلك الميدان كانت الكلمة الفصل لسنن الله الحاملة لرياح التغيير والإصلاح.. والتي تجاوبت مع الذين تجاوبوا معها.. فغلبت الفئة المظلومة الفئة الظالمة، وانتهى عهد القذافي وأصبح لمن خلفه آيةً وعبرة لمن يعتبر ومن لا يعتبر! وأضحت ليبيا الطيبة حرة، منتصرة على ظالميها.

 

ولكن على الجانب الآخر، مجالس عسكرية وكتائب حربية وسرايا جهادية، جمع كل سرية جامع: ما دين وعقيدة؛ أو قبيلة ومحلة؛ أو رؤية وإستراتيجية.

 

وأيما كان الأمر فلا يمكن لعاقل استنشق شيئًا من فهم الإسلام وفقهه أن يظن أن كل هذه الكتائب والسرايا يمكن أن تجعمها رؤية واحدة؛ (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)) (هود)، من هنا وضعت الشريعة- التي تتنادون بها كلكم- منهجًا قويمًا يبيِّن الطريق لسالكيه وينشر النور لمريديه؛ فلا تزل القدم؛ فيتحول الوفاق إلى فراق، والكلمة إلى لكمة.

 

وحرصًا من محبكم، وإعذارًا إلى الله، ومحاولة لتدارك الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها الجماعات الإسلامية في أفغانستان والصومال وما آل إليه حالهم إلى فراق بعد وفاق وصل إلى حد تكفير بعضهم بعضًا وقتال أحدهم للآخر؛ الأمر الذي جنت منه الأمة المر والعلقم.

 

بل حرصًا على الوصول إلى هدفنا الواضح الجلي الذي لا ولم ولن نتنازل عنه، وهو تحكيم شريعة الله في المال والولد والأهل والدولة؛ نضع هذه الأصول التي ينبغي أن ننتبه لها جميعًا:
أولاً: لقد انتصرتم بمبدأ (نحن) وسبيل الهزيمة العودة لـ(أنا)، والماء النظيف لا سمك فيه: نعم.. لقد تحقق النصر بمجموع الشعب، فلم يكن النصر نتاج فئة بعينها ولا مجموعة بمفردها ولا توجه بذاته؛ وما أحوج الحركات الإسلامية إلى أن يستمروا بين الصفوف يدلُّون الناس على الطريق ويجاهدون معهم، فلا انعزال ولا انفراد ولا مفاصلة، فجماعة المسلمين هي الجماعة وإن كنت تسميت باسم فلا يُحيل الاسم أو الشارة الوصال إلى فصال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)) (آل عمران). فالثوار- والحمد لله- لم يكونوا أعداء بحال، بل أصحاب هدف شرعي واحد؛ فحري بهم أن يصبحوا بهذه النعمة-بنعمة الألفة والاجتماع على إسقاط الظلم والطغيان والاستبداد- إخوانًا.. حريٌّ بهم أن يعلموا أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، فإن اختلفوا فاختلاف التراحم الذي ليس فيه شيء من الهوى وحظوظ النفس؛ فـ"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (صحيح مسلم)، فلنتمسك بمبدأ النصرة (نحن) ولندع تشظيات (الأنا) فهي هوى تهوي بصاحبه في جهنم.

 

أما الماء النظيف فلا سمك فيه؛ فمعناه: أن من الحركات من سيتخذ من بعض المظاهر غير الشرعية؛ كالغناء، وظهور بعض النساء غير المحتشمات، ووجود بعض المخالفات في المتصدرين لقيادة الدولة في هذه المرحلة، سبيلاً للمفاصلة واتخاذ مواقف مغايرة لا سيما أن كان قائدًا مطاعًا أو مجاهدًا مهابًا؛ وهنا يتنبه إلى ضرورة النظر إلى المصالح العليا، والقاعدة يا أحبابي:
الدين مبني على المصالح  في جلبها والدرء للقبائح

 

فلا يجوز الانجراف لتصرفات متسرعة ومواقف متعجلة تخالف السنة الكونية؛ والجندي يغير موضعه ولكنه لا يمكن بحال أن يغير عقيدته. وأنا أبْني حديثي هنا على إسلامية ذلك الشعب العربي بنسبة 100%.

 

* ثانيًا: يجب عدم إغفال سنة التدرج: فسنة التدرج من السنن التي ينبغي التنبه لها؛ فبها وعليها ربَّى الله سبحانه وتعالى خير جيل على الإطلاق؛ جيل الصحابة الذين هم محل إجماع وأصحاب السبيل الذي لا يجوز أن نخالفه: (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)) (النساء)، وهم الطائفة المنصورة التي يلحق بها من كان على مثل ما كانوا عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، هذا الجيل الذي (اختارهم الله لصحبة نبيه) كما يقول جدك ابن مسعود؛ إنما تربى وصلب عوده وفق سنة التدرج؛ ومن أشهر الأمثلة على ذلك تحريم الخمر؛ فكان أول ما نزل من القرآن في تحريمها: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)) (البقرة) ثم نزل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء: من الآية 43)، ثم كانت آية الفصل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) (المائدة). من هنا لا يصح لأحد فَقِه هذه السنة أن يغفلها عن عمد أو نسيان، فلقد كانت بلدنا ليبيا ترزح تحت نير طاغية تمكن طوال أربعة عقود من إيجاد كثير من العلل والأمراض المجتمعية التي ينبغي أن نعالج نحن منها المجتمع وذلك بمشرط الرحمة ومبضع الحكمة؛ وهذا والله هو السبيل لبناء جيل التمكين. 

 

* ثالثاً: يجب التفريق بين النظرية والتطبيق: فما يمكن أن يستساغ في التنظير العلمي قد لا يصلح في الواقع العملي؛ نعم نريد دولة إسلامية لكن على أي مقاس؟ وبأي فكر؟ وهل سيسمح المجتمع الدولي الذي ساعدنا في التحرر من ظلم الظالمين؟ هل ندخل في مفاصلة أو مواصلة؛ وفكر المفاصلة هو فكر إقصائي انفصالي لن يؤدي لاستقرار ولن نجني من خلاله إلا المر والحنظل كما نجنيه اليوم في الصومال؛ فلا نلفين بعضكم بعد فترة يكفر بعضًا بسبب موقف سياسي أو تصرصف واقعي لا يتوافق مع تنظيرك العلمي؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم نزل على مطالب سهيل بن عمرو يوم الحديبية وقال لعلي: (امسح رسول الله) وهو رسول الله حقًّا، وقال النبي لهرقل: "من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم"، وهو من كلاب الكفر، وما أجمل فعل جدك ابن مسعود؛ حين صلى (تطبيق عملي) خلف عثمان في الحج بمنى أربعًا رغم أن تنظيره العلمي بخلاف ذلك؛ في أبي داود وصححه شيخنا الألباني: عن عبد الرحمن بن يزيد قال صلى عثمان بمنى أربعًا، فقال عبد الله: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبى بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها. زاد من ها هنا عن أبي معاوية ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. قال الأعمش فحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله صلى أربعًا قال فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعًا قال الخلاف شر.

 

* ثالثًا: يجب عدم طغيان العاطفة على العقل: فجميل أن يكون لك عاطفة- نحو دينك- جياشة ونفسية منفعلة بتحكيم شريعة الله وإعلاء كلمته؛ لكن لا ينبغي أن تطغى العاطفة على العقل؛ ولا العجلة على التأني، فبعض الحركات الإسلامية الجهادية تظن أن بإمكانها أن تقف في وجه الدنيا لما تحمله من عقيدة.

 

وقد يوغل أحدهم في عواطفه ويقول: هذا الحق الذي لا محيد عنه لا بد من إنفاذه؛ فإن قُتلت فقد فعلت ما علي؛ نقول: هذه حياتك أنت؛ إن ساغ لك أن تزهقها بهذه الطريقة فأنت وشأنك، لكن لا تفتح على أهل بلدك وأمتك ومجتمعك باب شر بسبب تخشبك الفكري؛ لا.

 

ذلك أن الأمور التي تتعلق بمستقبل دولة لا تخضع لمثل هذه العواطف النبيلة وفقط؛ إنما تخضع لميزان المصالح والمفاسد؛ وهذا الميزان لا يوجد إلا عند العلماء الذين يشار إليهم بالبنان؛ ولا يصح هنا أن يقال: فلان رجل أصولي وهو يؤصل للعلوم فقوله صواب؛ فإن لم يكن الذي يفتيك عالم يشار إليه بالبنان قد اطمئنت الأمة إلى فقهه وعلمه في الجملة- كالشيخ القرضاوي أو الشيخ الصادق الغرياني، أو الشيخ محمد حسان، أو الشيخ محمد بن إسماعيل، أو الشيخ الحسن ولد الددو، أو الشيخ سلمان العودة، وأضراب هؤلاء الذين ركنت الأمة إلى علمهم حتى من خالفهم يقر لهم بذلك- فأنت مفتتح باب شر وعلى رأس ضلاَّلُه؛ وصدق جدك ابن مسعود: (وكم من مريد للخير لن يبلغه).

 

* رابعًا: يجب عدم استعجال القطاف، والعلماء يقولون: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه؛ ونظمها شيخنا ابن سعدي رحمه الله بقوله: "ومعاجل المحظور قبل آنه  قد باء بالخسران مع حرمانه".

 

فلله في الكون سنة لا تتبدل ولا تتغير؛ وكم كان لاستعجال القطاف ومفهوم المفاصلة والمقاتلة والمغالبة من ثمار مُرَّة تجرعتها الأمة من قتال الجهاديين لبعضهم بعضًا في أفغانستان وفي الصومال؛ فخذوا من أحداث الصومال عظة تنير قلوبكم وتطهر طريقكم من الهوى؛ لأنه سيهوي ببلدكم فلا أرضًا قطعتم ولا ظهرًا أبقيتم، فتمسكوا بفقه: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)) (آل عمران)، فخذوا من الأحداث قبلكم في أفغانستان والصومال وما آل إليه حال تلك البلاد من قتال وتشريد ودماء وضياع لهوى دنيوي.. خذوا منها عبرة تنير قلوبكم وتشحذ هممكم لطول النفس؛ فهي لحظة تاريخية للتمكين إن أحسنتم الصبر والحكمة.

 

أسأل الله أن يؤلف بين القلوب، وأن يصلح ذات البين، على أمل لقاء جديد في رسالة حب جديدة لنعيش معًا ليبيا الحرة.