أيام قلائل وتشرق شمس عيد الأضحى المبارك، وهو الأول بعد ثوره 25 يناير 2011م، والتي أطاحت بكل مظاهر الظلم وأركانه، وقد جثموا على صدورنا وقلوبنا لسنوات عجاف، تجرعنا فيها الويلات، وللعقلاء أن يتذكروا كم من الأرامل طاردهم الفقر!!، وكم من المساكين عضَّهم الدهر بنابه، كثمرة طبيعية لكل مظاهر الإفقار التي أسس بنيانها وتعهدها من غابت ضمائرهم وقست قلوبهم، وفقدوا الإحساس بالمحرومين والثكالى، وقد ظنوا- وبعض الظن إثم- أنهم لن يغادروها بل هم مخلَّدون أبد الدهر؛ فإذا بهم بين عشية وضحاها في عالم النسيان، لم يتركوا شيئًا، فكيف نذكرهم وإن تركوا وراء ظهورهم كل السبل المؤدية إلى الخراب والدمار؟!

 

يأتي العيد هذا العام ليستنهض فينا جميعًا وإن اختلفت المشارب والأفكار أرقى المعاني النبيلة والتي تتمثل في (التضحية والإيثار)، والتي أصبحت فعلاً من الفرائض الغائبة؛ فقد تعمَّدوا تغيبها.. التضحية التي لا حدود لها بكل معانيها.. هي الملاذ لنا جميعًا.. التضحية بالوقت من أجل التخفيف من آلام المنكوبين والمحرومين والذين نعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا.. التضحية بالمال من أجل الملايين، وقد تقطَّعت بهم السبل، ولا مطمع لهم إلا في كسرة خبز وشربة ماء نقية، لا تصيب في الغالب أكبادهم ولا أجسادهم بكل الأمراض المتوطنة.. التضحية بكل ما هو غال وثمين من أجل النهوض بشبابنا وقد ضلُّوا طريقهم كرهًا لا طوعًا، مع مراعاة إعدادهم المتزايدة التي تمثل قنابل موقوتة يوشك أن تنفجر في وجوهنا جميعًا.. التضحية بالجاه من أجل قضاء حوائج الحيارى، وما أكثرهم!! وحصولهم على حقوقهم المكتسبة!.

 

يأتي العيد هذا العام ليذكرنا بالذي مضى وإن كنا قد تناسيناه؛ فقد ضحَّى خليل الله إبراهيم عليه السلام بفلذه كبده؛ ليرسم لنا التاريخ أسطورةً حقيقيةً وواقعيةً بين الأب المكلوم والابن المُبتلى، وهمزه الوصل بينهما هي التسليم والانقياد لأمر الله؛ فما أحوج كل الأبناء في زماننا- وقد تقطعت بهم أواصر الرحم وأُصيبت العلاقات بالأبوين بأمراض عضال- إلى أخذ العبر والعظات من دروس الماضي السحيق، ولتمتد هذه الأواصر إلى ما هو أبعد من ذلك حيث الاقارب وإن اختلفت درجاتهم والجيران وأبناء البلد الواحد بل والأمة بأسرها، فالحاجة ماسة إلى استلهام الدرس الحقيقي في مفهوم التضحية والفداء، وكل عام وأنتم بخير.

--------

* وكيل مديرية أوقاف الدقهلية.