في الاقتراع التونسي الأخير لاختيار أعضاء المجلس التأسيسي الذي سيقوم بصياغة الدستور، أحرزت الثورات التحريرية العربية أول انتصار لها في مجال بناء نظام جديد بديل عن النظم التسلطية السابقة، وذلك بعد أن كانت مكاسبها السابقة هي فقط في صورة القضاء- بدرجات متفاوتة- على النظام القديم (في تونس ومصر)، والقضاء على شرعية ومشروعية نظم قمعية وتسلطية أخرى تحكم شعوبها بالحديد والنار وتطلق عليهم كلابها من البلطجية والشبيحة (في سوريا واليمن)، إضافة إلى القضاء على أهم رأس دكتاتوري سفاح قاتل وزبانيته ومرتزقته (في ليبيا).

 

كانت لعبة كل خصوم الثورات وأعداء الحرية والاستقلال وحلفاء مغتصبي إرادة الشعوب قبل الحدث التونسي الاستثنائي هي الإرهاب والتخويف، وبث الرعب في قلوب الناس سواء بشأن تنامي وصعود التيار الإسلامي أو احتمال نشوب العنف والفوضى من جهة، أو ترويج مقولات أن الثورات قد فشلت ولن تستطيع إحلال الديمقراطية محل الديكتاتورية، وكأن هؤلاء "الفلول"- إذا استخدمنا التعبير المصري الدارج- يقولون: "إما الديكتاتورية أو الفوضى، وإما أن يقايض الناس أمنهم بحريتهم أو يتجهوا إلى المجهول؛ حيث لا أمن لا حرية"، لنا هنا أن نتذكر أن التونسي المخلوع زين العابدين بن علي كان رئيسًا للمخابرات قبل وصوله بالانقلاب إلى السلطة، وكيف أن دولة الأمن والمخابرات كانت تحكم مصر وسوريا واليمن، وهي لا تزال تحكم في الشام واليمن، وتحاول استعادة ما فقدته جزئيًّا من دورها في مصر وتونس.

 

في ظل أجواء الإرهاب والإرعاب والتخويف، وفي ظلِّ نشر بذور الاستقطاب والخلاف والانقسام بين المجموعات والتيارات والقوى، وفي ظل محاولات النظام القديم لاستعادة وجوده وقمع وتفريغ الثورة من مضمونها، خرج الشعب التونسي- رجالاً ونساءً، شبابًا وشيوخًا- لوضع حجر الأساس في الديمقراطية الجديدة الوليدة، خرجوا ليصير الصوت للشعب، ومن الشعب وإلى الشعب ولصالح الشعب، في هتاف ثوري يسعى للحرية والحق في الاختيار وتقرير المصير السياسي لهذه الشعوب التي حكمها، وتسلط عليها حكام الاستقلال المنقوص وعملاء الاستعمار الجديد ورجال العائلات الملكية في جمهوريات الرؤساء المزمنين الذين يحكمون شعوبهم بتفويض ورضا ودعم مطلق ومساندة كاملة- سياسية وأمنية وعسكرية- من الغرب الاستعماري؛ ليقمعوا شعوبهم ويقهروها مقابل أن يراكموا ثورات شخصية لهم في الداخل والخارج، ويؤمِّنوا نفوذًا مطلقًا لأشياعهم وزبانيتهم ومحاسيبهم والمتحالفين معهم من رجال المال والأعمال.

 

تطلّب الأمر ثورات شعبية كاملة، وتضحيات بالجملة، وشهداء من خيرة شباب وشابات هذه الشعوب لكسر هذه الحلقة المفرغة وهذا التحالف المريب بين أشرار وعملاء الداخل وسادتهم ومناصريهم في الخارج، تطلّب الأمر دماءً كثيرة تسيل مضافةً إلى دماء ضحايا آخرين طوال عقود سبقت لكي تتحرر هذه الشعوب من وهم عدم إمكان التغيير، وعدم إمكان إزاحة نظم التسلط والاستبداد وأجهزتها الأمنية والقمعية المتحالفة مع أجهزة استخبارات الدول الكبرى للقيام بالتعذيب بالوكالة، والاضطهاد بدواعي العمالة، ولكسب التأييد والمساندة من واشنطن وعواصم غربية عديدة.

 

تراكمت التحركات والنضالات الاحتجاجية والمعارضة لكي تفضي في النهاية إلى ثورات تحريرية حاولت النظم القديمة إجهاضها أو احتواءها، ثم حاولت تخريبها بعد ذلك، لكن التجربة التونسية أبدعت في صياغة التحرك الشعبي العام حتى وصلت إلى محطة الانتخابات.

 

قبل اليوم المحدد للتصويت بفترة وجيزة، كان التونسيون قد فزعوا حين شاهدوا صورة كبيرة للرئيس المخلوع بن علي تتصدر حائطًا كبيرًا في أحد الميادين، ولكن ما أن امتدت الأيدي لإزاحة صورة المخلوع، حتى ظهرت عبارة يقرأها الجميع باللهجة التونسية تحذّر من رجوع النظام البائد إلى كراسي الحكم، وتستفز كل تونسي وتونسية لكي يخرجوا يوم الاقتراع ليدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات، كنت أتابع المشهد التونسي وأتذكر حوارات محدودة جمعتني مع أصدقاء تونسيين، ومنهم المناضل والباحث والمفكر وأحد ناشطي أسطول فكِّ الحصار عن غزة أُميّه صدِّيق نوفل، ولا زلت استشعر أنه مع وجود أُميّه وأمثاله، فإن الثورة التونسية والثورات العربية كلها لن تضيع، ولن يخترقها أو ينهبها أو يحتويها المخلوعون من أشياع النظام القديم.

 

ومثلما هي سُنَّة الحياة وحركة التاريخ، ومثلما تتحرك كل الثورات وتنضج وتتفتح أزهارها، أزهرت الثورة التونسية في هذه التجربة الانتخابية الفريدة.

 

وكان الطبيعي والمنطقي أن أكثر القوى تناقضًا مع النظام السابق وأطروحاته وأيديولوجياته وخياراته وولاءاته، كانت هي- أكثر من غيرها- القادرة على تحفيز وتحريك الجماهير، وإلهامها والتحرك معها نحو تأسيس نظام ما بعد بن علي، نظام الثورة التحريرية الديمقراطية الإنسانية، نظام الحرية والكرامة والعدالة.. وكان من ضمن هؤلاء الإسلاميون في حركة "النهضة" وآخرون لا يبعدون عنهم كثيرًا في مواقفهم الإنسانية والديمقراطية والأخلاقية.

 

ليس غريبًا أن الخصوم الذين كان بن علي يعلّقهم في المشانق ويطاردهم في كل مكان قد حازوا ثقة قطاع واسع نسبيًّا من الشعب التونسي.. وليس غريبًا أنه بعد سنوات وسنوات من "التغريب القسري" Forced Westernization أن تكسب الهوية الثقافية التاريخية الحضارية لتونس جولة جديدة ضد أفكار وتصورات، وضد تحالفات وعلاقات النظام السابق... ليس غريبًا أن يسترجع المشروع الوطني التحرري في تونس بوصلته الحضارية وهويته المميزة، بعد أن أدى فقدانها إلى سقوط تونس في فخِّ المعسكر الإمبريالي الغربي، وتحت وطأة صورة جديدة من الاستعمار الجديد الذي يقمع الشعوب ويستنزف خيراتها مقابل السماح للنظام التسلطي الاستبدادي الفاسد بمراكمة الثورات الشخصية للرئيس وعائلته وأصدقائه ومعاونيه في البنوك الغربية.

 

ليس غريبًا أن يصوِّت حوالي نصف التونسيين في الغُربة- الذين خرجوا من تونس إما تحت قهر القمع السياسي والبحث عن ملجأ، أو الحاجة الاقتصادية والبحث عن لقمة العيش- لصالح المشروع الهوياتي الذي ينبغي استعادة الاستقلال في تونس، واسترجاع الحريات المهدرة والحقوق المسلوبة للشعب الثائر المناضل والكريم في بذل التضحيات.

 

في هذه اللحظة، تقف تونس وهي الفائزة في هذه الجولة الانتخابية، وليس حركة "النهضة" أو أي تيار آخر، إن تمكين الشعوب من قول كلمتها بحُريَّة والاقتراع في انتخابات حرة وشفافة هو بحدِّ ذاته مكسب كبير؛ لأن شعوبنا تستحق، ولأنها ناضلت وثارت وضحَّت من أجل هذا الاستحقاق زمناً طويلاً قبل أن تحل لحظة الربيع العربي الراهنة.

 

الواجب الآن هو أن نهنئ شعب تونس ونتمنى له التوفيق، ونتمنى له النجاح في بناء صف واحد واسع موحَّد وقوي من كل القوى الساعية إلى النهوض والتقدم، والهادفة إلى تحقيق غايات الشعب وثورته في الحرية والكرامة والعدالة؛ لأنه شعب يستحق، ولأنه الشعب الذي أراد الحياة فاستجاب له القدر.