ما من قوم ينالهم السوء، إلا جرّاء ما جنتْ أيديهم، فإن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن أنفسهم يظلمون، والله لا يرضى بالخيانة، وهو- تعالى- يغار، فلا أحد أغير منه من أن يعصي عبده أو تعصي أمته.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرّم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ من أجل ذلك أثنى على نفسه" [البخاري ومسلم].
ولو تاب المسيء لعزّ على الله، ولو عزّ عليه لعصمه.. لكنه تمادى في غيه، ربما مع قدرته على أن يغير ما بنفسه- فيأبى الله إلا أن يذله، وأن يهتك سره، وأن يشمت به الناس، في الدنيا والآخرة.
يا آمنًا من قبيح الفعل تصنعه
هلا أتاك توًا أم أنت تملكه؟!
جمعتَ شيئين: أمنًا واتباع هوى
هذا وإحداهما في المرء تهلكه
فرّطتَ في الزرع وقت البذر من سفه
فكيف عند حصاد الناس تدركه؟!
إن قدرة الله- تعالى- على ردع العصاة المجرمين، غير متناهية وغير محدودة كما هو معلوم، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)) [الأنعام].. فهو- سبحانه- قادرٌ على كل شيء، لكنّ حلمه يسبق غضبه، وعفوه يسبق انتقامه، وما أهان الله أحدًا إلا بعدما عبّ من المعاصي عبّا، فهو- تعالى- الحليم الستار، الذي يغفر الذنب ويقبل التوب.. فإن أمن أحدهم مكر الجبار واتبع هوى نفسه، كان حقًّا على الله أن يلبسه ثوب المذلة في الدنيا والآخرة.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: وعزتي، لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة" [ابن حبان].
ويقول صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون، إلا يوشك أن يعمّهم الله منه بعقاب" [أبو داود].
لقد أعطى الله- عز وجل- أهل سبأ من الخيرات ما لم يعط أحدًا قبلهم، حتى فاضت تلك النعم، فلم يكن أحدهم يتكلف المشقة من أجل العيش، فهل شكروا خالقهم على تلك النعم؟، لم يفعلوا، وإنما اتبعوا الشيطان، وكفروا بأنعم الله، وظلموا أنفسهم.. فجاءهم العذاب شديدًا قاسيًا؛ حيث مزقهم الله كل ممزق، وجعلهم أحاديث، وكتب عليهم المشقة في العيش، بعدما كانوا في رغد منه.. (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)) [سبأ].
عن ابن عمر- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقرّاء فسقة، سمتهم سمة الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيتيح الله لهم فتنة غبراء مظلمة فيتهوكون فيها، والذي نفس محمد بيده لينقضّن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال الله الله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقِّر كبيركم" [ابن أبي الدنيا].
إذا كنتَ في نعمةٍ فارعها
فإن الذنوبَ تزيلُ النعمْ
وحُطْهَا بطاعةِ ربِ العباد
فِربُّ العبادِ سريعُ النقمْ
إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، أما من يتبع خطوات الشيطان فإنه لا محالة واقع في الإثم، فيحل عليه سخط الله، فيصبح وعليه مذلة إثمه، وآثار ما ارتكب من حرام، من وحشة القلب، وبغض الخلق له، وملاحقة الفقر له أينما حل أو ارتحل.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همُّه، جمع الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همُّه فرّق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له" [الترمذي].
انحـراف زوجي هدم بيتي وحرمني الاستقرار العائلي
حكت الزوجة الشابة ما وقع لها بعد انكباب زوجها على مشاهدة الأفلام الإباحية قالت: منذ ثلاث سنين مضت، كان زوجي مثالا يُحتذى في أدبه وسلوكه، إلا أنه تغير فجأة حتى صار شخصًا آخر سيئًا، وذلك بعدما أدخل "الدش" الملعون إلى بيتنا. لقد أدمن مشاهدة الأفلام الإباحية حتى صار بيتنا مرتعًا للشيطان وحلبة لألاعيبه، وما من يوم يمر خلال هذه السنين الثلاث إلا وأنتظر حدوث مصيبة من المصائب.. ففي أول سنة رسب الابن الأكبر في سنته الدراسية، وفي السنة الثانية ترك زوجي عمله المرموق وتعرض للبطالة لأكثر من سبعة شهور.. وأخيرًا حصل على فرصة عمل أقل بكثير من سابقتها.
وأنا منذ أول يوم لم أوافقه على جريمته، التي محقت البركة من بيتنا وعرّضتنا لمقت الله وغضبه، ولم تجعله قادرًا على إعطائي حقوقي الشرعية- بل كنت دائمة التذكير له، محذرة إياه من عواقب ما يفعل، ومن استهانته بهذا الذنب الخطير، وما يجرّه علينا من عذاب في الدنيا والآخرة.. وهو في كل مرة يبدي الندم ويعتذر لي، ثم يجدد توبته ويصلي ويدعو، ويظل على هذه الحال لمدة أسبوع أو اثنين.. ثم يعود إلى ما كان عليه من المعصية.
ولما يئست من إصلاحه، تركته وانتبهت لبيتي وأولادي، داعية الله أن يهديه، وقد قاطعته فلم أعد أكلمه، بل تركت له حجرة النوم.. فحاول استرضائي بكلِّ الطرق، فاشترطت عليه ألا يعود لهذا الذنب؛ فأبى.. وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة سمعت أنينًا مكتومًا صادرًا من حجرته، فهرعت إليه فوجدته ملقى على الأرض يتقيأ دمًا.. حيث أكد الأطباء إصابته بتليف خطير في الكبد، هو الآن طريح الفراش، وقد ترك عمله، وأقوم أنا- بمساعدة إخوتي- بالصرف على البيت، وقد بعت ما أملكه من ذهب ومن ميراث لدى إخوتي، وأنا في رعب من الأيام المقبلة، إذ لم يعد لنا عائل يتولى أمورنا.. سوى الله الذي لا أنقطع لحظة عن ذكره والتضرع إليه.