أضحكتني كثيرًا من ردها بينما كنت أتحدث إليها عن الانتخابات، وعن دور المرأة الإيجابي الذي يجب أن تظهره مشاركةً منها في بناء مستقبل بلادها، وأن صوتها هذه المرة سوف يكون له قيمة وسوف يذهب لمن تختاره فعلاً، وأنه لم يعد لزامًا على تلك المرأة المجاهدة العظيمة أن تكافح وتجاهد وتعبر الصعاب بل والمستحيلات كي تصل إلى مقر اللجنة المحاطة بجحافل الأمن المركزي ثم بجيوش من البلطجية الذين يحاولون منعها من الوصول إلى الهدف المنشود وهو صندوق الاقتراع، ثم إذا هي نجحت في عبور تلك المناطق الخطرة عبر نفق من الأنفاق المؤدية لمقر اللجنة أو عبر سلم تعبر من خلاله خط الدفاع الأخير- سور المدرسة أو مقار اللجان- فإنها في هذه الحالة ستضطر إلى وضع ورقة تصويتها في صندوق غير ذلك الذي سوف يتم فرزه فعلاً، أو أنها ستجد أن الحكومة الطيبة قد قامت بالتصويت بدلاً منها فعلاً مجنبة إياها مشقة الأمر.

 

كنت أتحدث مع قريبتي المسنة عن الانتخابات في الأيام القادمة، وكيف أن تلك الانتخابات سوف تكون بإذن الله حرة نزيهة- وليست "نزيهة" المخلوعة مع النظام المخلوع، وإنما نزيهة جديدة ولدت مع مصر الجديدة- معبرة عن إرادة الجماهير الحرة التي قامت بالثورة المباركة ودفعت ثمنًا غاليًا من دماء أبنائها الشرفاء، حدثتها عن البرلمان الحر الذي سوف يختاره الشعب بإرادته الحرة، أيًّا كان اتجاهه وأيًّا كان فكره، فسوف نتقبله، وسوف نرتضيه لأنه سيكون للمرة الأولى برلمانًا منتخبًا معبرًا عن إرادة حقيقية لشعب طالما صادروا إرادته واتهموه بأنه غير قادر على الاختيار وأنه قاصر في الفهم.

 

حدثتها عن ذلك البرلمان القوي الذي يستمد شرعيته ومشروعيته وقوته من شعبه الذي أتى به فيكون همه الأول والأخير صالح هذا الشعب ورعاية مصالحه، برلمان منتخب يعلم كل فرد فيه أنه قد أتى بإرادة شعبية وكذلك سوف تسقطه تلك الإرادة إن حاد عن الطريق أو اعوجَّ عن مساره المرسوم له في النهوض بتلك الأمة الجريحة.. برلمان لا يهادن وزيرًا ولا يقبل يد مسئول في سبيل الحصول على خدمة شخصية أو خدمة لقريب ويعلم أنما هو مسئول عن مراقبة ذلك الوزير ومراقبة أدائه، وهل أدى ما عليه من واجب تجاه وطنه بإخلاص وأمانة أم لا؟.. برلمان لا يثرى أعضاؤه على حساب دماء الشعب الذي يزداد فقرًا ومرضًا وجهلاً، بينما يزداد نوابه غنى فاحشًا بغير حساب من سائل أو مسئول.. برلمان يقوم على نواب شرفاء خرجوا من عباءة الشعب المطحون، اكتووا بنيران الشمس المحرقة في طوابير الخبز وطوابير الغاز وانتظار وسيلة مواصلات مكدسة بمن فيها فلا يسعون في النهاية لشراء عبارات الموت وتسييرها في البحر فتغرق بمن فيها؛ التماسًا لمزيد من الكسب غير المشروع، ولا نواب قمار ولا نواب أكياس دماء فاسدة.. نواب يعرفون ما يدور بمستشفيات مصر ويعلمون أنها لم تعد صالحة لعلاج الحيوانات.. نواب تخرجوا من مدارس الفقراء وجلس الواحد منهم على مقعد به ثلاثة غيره يتزاحمون لتلقي مناهج تعليمية لم تعد صالحة لبناء عقلية تليق بالمستقبل، نواب لا يرفعون أيديهم بالموافقة الأبدية دون أن يسمعوا حتى ما يستشارون فيه، نواب يعرفون قيمة الوطن وقيمة مقدراته وقيمة الأخلاق وقيمة المواطن فيشرع من القوانين ما لا يتعارض مع خلق أو دين أو مصلحة ذلك الوطن ومواطنيه.

 

حدثتها عن مستقل مصر وأبناء مصر وما يمكن أن نعيش فيه من رخاء ورفاهية وتقدم إذا بدأنا ببرلمان قوي مختار من إرادة جماهيرية حرة.. أضحكني ردها حين قالت انتخابات؟.. تاااااني؟ نذهب إلى اللجنة لنطرد ونهان وتضيع كرمتنا؟!!!! كل مرة كنا نصدقهم حين يقولون إنها أنزه انتخابات شهدتها مصر وكأنها شهادة منهم بأن كل انتخابات قبلها كانت مزورة، نصدق ونذهب؛ لنجد أن النزاهة ماتت، وأن الحرية ما هي إلا حريتهم، وأن أصواتنا قد استولوا عليها، فلماذا نصدق هذه المرة؟ ومن أدرانا أنها ستكون كما تقولين؟!

 

فقلت لها: يا أمي.. إن الشعب الذي بذل الدماء وهان عليه الموت قد استحق الحياة ولن يقف في طريق حريته من اليوم مدلس أو كاذب أو مجرم.. إن هذا الشعب قد صحا من غفوته، وحين تُبذل الدماء في سبيل الحرية والكرامة فلن تستطيع قوى الأرض وإن اجتمعت أن تقف في طريقها.