بدأت فكرة التحالف الديمقراطي كتحالف سياسي انتهى بالتوافق على إقرار "وثيقة التحالف الديمقراطي للمبادئ الأساسية" التي تلتزم بها أطراف التحالف، ولطريقة تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور كما يؤمن بها أعضاؤه.
تحولت فكرة التحالف السياسي إلى فكرة تحالف انتخابي وطني واسع بقائمة وطنية واحدة بمعنى أن تنضم كل القوى الوطنية (إسلامية/ ليبرالية/ يسارية/ قومية) لقائمة واحدة في مواجهة مع فلول النظام السابق فقط، ولم تنجح الفكرة؛ إذ أعلنت أطراف إسلامية أنها ستشكل قوائم منفردة (النور) أو ستنشئ تحالفات مع غير الإخوان (الوسط)، وأعلنت أطراف سياسية (المصريين الأحرار- المصري الديمقراطي) مع آخرين عن تشكيل تحالف انتخابي في مواجهة الإخوان، وأعلن حزب الوفد لاحقًا تشكيل قائمة منفردًا، وقبل هؤلاء جميعًا كان حزب التجمع (مشكورًا) قد أعلن انسحابه، ومن ثم تحولت فكرة القائمة الوطنية الموحدة إلى فكرة تحالف يضم الحرية والعدالة مع شركاء معدودين في تنافس سياسي شريف مقابل قوائم لقوى وطنية أخرى وقوائم لأحزاب منفردة (إسلامية وليبرالية ويسارية وغيرها).
حين بدأنا في استعراض أسماء المرشحين وترتيبهم داخل القوائم جاءت أحزاب إسلامية محترمة، ولكنها جديدة في الساحة، وكذا أحزاب تقليدية قديمة لها تاريخ (ولكنها ضعفت في الساحة الجماهيرية ضعفًا شديدًا في الفترات السابقة) بقوائم أسماء كبيرة (80-130 مرشحًا لكل منها)، وبمراجعة الأسماء والسؤال عنها جماهيريًّا حدث اختلاف كبير بين الأطراف في تقدير الثقل الانتخابي لهذه الأسماء، ومدى قدرتها على تحقيق فرص نجاح تضيف للقائمة وكتلتها التصويتية خاصةً أنها ستحل محل أسماء ذات شعبية في محيطها الجغرافي (على الأقل).
حدث أن أكثر شركاء التحالف (في ظل الظروف السياسية الماضية التي جرفت الحياة الحزبية) لم يستطيعوا تقديم مرشحين لمقاعد المرأة ولا للمقاعد الفردية ولا لمقاعد العمال ولا لمقاعد مجلس الشورى فانحصرت الشراكة والمزاحمة، والتعارض في أولويات الترشيح من مختلف الأحزاب على مقاعد (الفئات) لقوائم مجلس الشعب، وتحديدًا صار بقاء أي طرف في التحالف أو خروجه منه مرهونًا بفرصة في المقاعد رقم 1، 3 في عدد من الدوائر (أي مقاعد الفئات في النصف الأول من القوائم)، وهو عدد محدود جدًّا من المقاعد (الأصل أنه يخصص للشخصيات ذات الوزن الجماهيري الثقيل نسبيًّا؛ كي لا تتأثر فرص نجاح القائمة وقدرتها على المنافسة التصويتية مع القوائم الأخرى).
انتهى التحالف الانتخابي إلى صورة مصغرة للتوافق الوطني الذي كنا نسعى إليه بنموذجه المتعدد (حيث حزب الحرية والعدالة يمثل التيار الإسلامي وحزب الكرامة يمثل التيار القومي واليساري وحزب الغد الجديد يمثل التيار الليبرالي، وبينما يضيف حزب العمل بلونيه الإسلامي والقومي تعددية في الأحزاب التي شاركت في النضال السياسي قبل الثورة فإن وجود أحزاب (الحضارة- الإصلاح- الإصلاح والنهضة) أعطت إضافة جديدة لأحزاب ما بعد الثورة بتجددها وحيويتها.
كنا في حالة حرج سياسي من أحزاب المعارضة (المحسوبة على النظام السابق)، والتي أعلنت انضمامها للتحالف ولم نشأ أن نحرجها في إطار التحالف السياسي، لكن كنا نراهن أنها ستخرج بنفسها حين يتضح لها في إطار التحالف الانتخابي أنه ليس لها في القوائم حظًّا.
مؤكد أن المنافسة في الانتخابات القادمة هي بين قوائم التحالفات والأحزاب (التحالف الديمقراطي- الكتلة المصرية- تحالف الثورة مستمرة- النور- الوسط- التحالف الاشتراكي- أحزاب الحزب الوطني)، كما هي في المقاعد الفردية بين الأحزاب القليلة التي دفعت بمرشحيها للمقاعد الفردية وبين المستقلين من جانب وبقايا النظام السابق من جانب آخر، وبالتالي مطلوب أن تكون هناك معركة صفرية حاسمة بين مجموعة الأحزاب والكتل الانتخابية من جانب، وبين أحزاب الحزب الوطني من جانب آخر، على أن تبقى هناك منافسة سياسية شريفة بين الأطراف والتحالفات المتنافسة في تقديم أفضل ما عندها لتختار الجماهير في كل دائرة من تعرف أنه يصلح كي يكون في برلمان الثورة في هذه المرحلة (البرلمان الذي سيكون عليه مسئولية استكمال مسيرة الثورة من خلال التشريع والرقابة ووضع الدستور الجديد وترشيح الرئيس القادم)، وستتم هذه الاختيارات من الجماهير للمرشحين بالترتيب من رأس كل قائمة بحسب نسبة التصويت التي ستحظى بها كل قائمة.
حين يترشح حزب على 100% من المقاعد في انتخابات بالقائمة النسبية أمام عديد من القوائم والأحزاب الأخرى فإن هذا يعني (على أعلى تقدير للنجاح) منافسته للآخرين في حدود النصف الأول من القائمة، فبافتراض ترشح "الحرية والعدالة" مثلاً على 100% من النصف الأول من القوائم فإن هذا يعني أنه ينافس باقي التحالفات والأحزاب على 50% من المقاعد، لكن هذا الافتراض غير صحيح؛ إذ أن الحرية والعدالة يشاركه في النصف الأول من المقاعد وفي صدارة هذه القوائم من شركاء التحالف أمثال (مجدي قرقر- سعد عبود- محمد السعيد إدريس- وحيد عبد المجيد- أمين إسكندر- كمال أبو عيطة)، وغيرهم الذين نشرف بوجودهم على رأس القوائم وفي صدارتها، وحين توضع هذه الأسماء الوطنية المناضلة في صدارة القوائم يتم بالطبع استبعاد أسماء بهذه القيمة الكبيرة من صدارة القوائم، وهي إما أن تتجه إلى المقاعد الفردية وإما أن تهبط إلى مواقع متأخرة من القوائم أو تنسحب، وهذا تقدير لهذه الشخصيات وما تمثله ولهذه الأحزاب وما تمثله، ولقيمة رسالة التوافق الوطني مع أطراف وتيارات متعددة في هذه المرحلة.
لا أرى مشكلة في التنافس فيما بين القوائم الوطنية ولا فيما بين القوائم المنتمية للتيار الإسلامي؛ إذ أن فرص النجاح للشخصيات الأكثر كفاءة والتي وضعت في صدارة هذه القوائم لا تزال موجودة للجميع؛ وفقًا لنظام الانتخابات النسبية، لكنني أرى مشكلة في التزاحم بين مرشحي المقاعد الفردية التي لا نسبية للنجاح فيها، وأخشى أن تصبح المنافسة عليها بين الفصائل الوطنية معركة تكسير عظام لصالح فلول النظام، ومن ثم ألح على الجميع أن يجري تنسيقًا وتنازلاً لصالح مرشح واحد للقوى الوطنية ضد مرشحي الفلول، وأطالب الإخوان أن يبدو مرونة كبيرة في ذلك؛ شريطة احتساب فرص النجاح الحقيقية للمرشح الذي يجب أن تدعمه كل القوى الوطنية.
الحديث الذي تبرزه المنابر الإعلامية المختلفة عن احتكار أي من الأطراف لمقاعد البرلمان هو خداع وتضليل وتفزيع مقصود؛ إذ إننا نتحدث عن قوائم مرشحين للتنافس والعرض على الشعب ليختار منها- في انتخابات حرة- ما يريد ويدع منها ما لا يريد، إذًا هي نسب ترشيح وليست نسب مقاعد، ولا يمكن أن يفترض عاقل مثلاً (أن قائمةً ما هي قائمة النجاح الوحيدة، وبالتالي فالنسب الموجودة داخلها ولو كانت 90% هي النسب المقترحة لمقاعد البرلمان).
ما كنا نعيبه على الحزب الوطني لم يكن المنافسة الواسعة للآخرين؛ بل هو غياب المنافسة أصلاً، ما كنا نعيبه هو (التزوير للانتخابات- التدخل الأمني لحسم نتائج الانتخابات- استغلال موارد الدولة وموظفي الدولة ومؤسسات الدولة في الوصول للنتائج المزورة- تفصيل القوانين والدوائر والجداول الانتخابية على مقاس الحزب ومصالحه)، أما المنافسة الديمقراطية ولو على كل مقاعد البرلمان فهي ممارسة ديمقراطية طبيعية لا تعيب أصحابها في كل دول العالم.
يعلم الله كم بذلت من جهود (داخل لجنة التنسيق) لنجاح فكرة التحالف بين الأطراف الوطنية؛ للوصول إلى برلمان يشكل حالة توافق وطني يستكمل مسيرة الثورة دون تنازع أو استقطاب يؤدي إلى تعطيل المسيرة، لكن تعارض الأولويات وقف بالتحالف عند هذا الذي كان، أتمنى استكمال بذل الوسع في الحفاظ على شرف التنافس بين القوائم، وقبل ذلك محاولة النجاح- ولو نسيبًّا- للاتفاق حول مرشح واحد للقوى الوطنية على المقاعد الفردية، وفي الأخير أتمنى أن تدرس الجماهير سيرة كل مرشح وتاريخه وخبرته وكفاءته لنختار لمصر من كل التيارات من يعبر بها لبر الأمان.
---------
عضو المكتب التنفيذي لحزب "الحرية والعدالة" وأمينه بالقاهرة