أنا فتاة أبلغ من العمر 24 عامًا، تقدم لي زميل في العمل... مهذب على مستوى عالٍ من الخلق، الذي يجعله يحسن الظن بالجميع، ولا يذكر أحد أبدًا بما يكرهه؛ حتى وإن كان على حق، وهو يؤدي الفروض في المسجد، ويحفظ القرآن، ويتقن تجويده إجادة الشيوخ، ويحافظ على قراءة ورده كل يوم، وأنا بفضل الله كذلك، غير أن ما يعيب هذا الشاب هو عدم طموحه، وانطواؤه الشديد، وعدم بذله الجهد المرضي في العمل، وعدم إقباله على العلم، فأنا كنت الأولى على دفعتي، والأولى في سنة الدراسات العليا.

 

ولكن هو لم أره يومًا يتحدث عن الدين أو السياسة فهو لا يتكلم سوى في الكرة، في حين دائمًا ما أحدثهم في الدين، أو في سياسة الإسلام في العلم، فلا أجد عنده نفس الاستعداد، بل دائمًا ما يأخذ موقفًا سلبيًّا لا أعلم أسبابه، وإذا تحدث فهو يهاجم فيما هو صحيح وفيه النصرة، فلو تناقشنا مثلاً في ضرورة أن نحكم بالشريعة الإسلامية أجده متفقًا معي في ضرورة ذلك؛ ولكن ليس لديه حميتي وغيرتي على ديني!

 

عندما قلت له أن يتعلم العلم الشرعي يقول لي إنه لا يسعى أن يتعلم العلم الشرعي، وأنه لو كان الأمر كذلك ما تزوج أحد، قلت له إن من القوامة أن يكون لدى الرجل العلم الشرعي الذي به سيوجه زوجته، ويوجه أطفاله، فيقول لي القوامة بالمال فقط، وأنا أعلم من الأحكام ما لا تعرفينه وما يكفيني، فلماذا أتعلم؟ تعلمي أنتِ إذا أردت، ولن أمنعك.. فكنت أُجن وأفكر هل سأحيا مع رجل ليس بيني وبينه طموحًا محددًا، وأي اتصال فكري، أو همّ واحد نهتم به، حتى إنه كثيرًا ما يعاملني بندية، ودون احتواء لعقلي من قلة علمه، وهذا لا يضايقني قدر ما يضايقني عدم حرصه على التعلم وتطوير نفسه.

 

فاستخرت الله، وشعرت أن الله يوجهني إلى تركه، وبخاصة بعد أن وجدت أنه أحيانًا يقول لي لا تفعلي فعلاً معينًا فيه اجتهاد أكبر إلا بعد أن أقول لكِ، فكنت قد انتويت مثلاً أن ألبس النقاب، قال لي ليس الآن بعد الزواج، فقلت له: كل شيء نصيب، وأنت إنسان جيد، وأفضل مني، وأنا غير مناسبة لك، وأنهيت الموضوع، فوجدته بعد فترة وكان قد ترك العمل أنه سوف يفعل ما قلت له، وأنه كان ينتوي ذلك ولكن بعد الزواج، فرفضت وقلت له ولماذا لا تبدأ من الآن، قال إنه يريد أن يفعل ذلك خالصًا لوجه الله لا لأن يرضيني.

 

فجاء للعمل بعدها، ومنحته شرائط وأسطوانات عن علو الهمة، والإيجابية والجدية وعن السياسة الإسلامية، فأخذها ووجدته يتركها مع حارس الشركة، ويقول: إن هذا ضغط عليه وإنه ليس بهذا الجهل، وهو يعرف الصح والخطأ؛ ولكن لا يحب أن يقال له ذلك، وقال إنه لا يريد إتمام الزواج وأنا على هذا النحو، فقلت له إذن كل شيء نصيب، الحمد لله أنت لم تخسر شيئًا وأنت رجل، وعندما تُضَيِّع سنة من عمرك دون زواج فليس هناك أدنى مشكلة، وقال لي وأنا لا أريد أن أظلمك، ولا أريد أن أكون ضيعت عمرك هباء؛ ولكن يجب أن ترضي بي كما أنا الآن، وبعد الزواج سيكون هناك إمكانية لكل شيء!!

 

فرفضت ذلك، لأنني أريد من يعينني على عبادة الله، وأنهيت الموضوع مرةً أخرى، وبعد مرور شهرين وجدت أن أهله جميعًا يترجوني لأن أمنحه فرصة أخيرة، ويلحون عليَّ في ذلك فقلت لهم بعد إلحاح موافقة على شرط أن يأخذ مهري وشبكتي ليتعلم بهم علم شرعي، وسأتزوجه على ذلك، قالوا لي وإذا لم يستطع وليس بِطَاقَتِهِ ذلك، قلت: إذن أنا لست له، إلا أنهم أصروا على ضرورة أن أمنحه فرصة، وأنه يريد أن يتغير إلا أن طريقتي في النصيحة جعلته أكثر سلبيةً وعنادًا، فعلي أن أعطيه الفرصة، وأن لا أتكلم معه، ولا أنصحه!

 

هو بالفعل يفعل ما أريد عندما يجدني أفعل شيئًا ما؛ لأنه يغار، فعندما أصوم الإثنين والخميس يغار ويصوم، وعندما أقوم الليل ويعرف ذلك يغار ويفعل ذلك، وعندما أتعلم ديني يغار ويقرر التوجه إلى العلم، ولكن ليس بالكلام، واستخرت وأنا الآن مترددة، ولا أعرف ماذا أفعل.. هل يكون خيرًا لي وأتنازل لأنه لا يوجد إنسان كامل؟ فأتعايش معه وأقبله كما هو.. أم أنهي الوضوع مرةً أخرى؛ لأن مشكلات الحياة سوف تجعلنا نصطدم، وأنتظر شخصًا مناسبًا لي.

 

تجيب عنها: أسماء صقر الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):

أولاً: استشارتكِ طويلة على الرغم من أنكِ كتبتِ الحل في آخر سطورها، لقد قلتِ أنه يغار ولا يغار في دينه إلا محب لله صادق، ولقد وجدت الطريقة التي تشجعه وتدفعه إلى العمل والتعلم، فلم تبحثين عن طرق أخرى مباشرة عن طريق النقاش وغيره؟!

 

أنت متميزة تحبين العلم والأخذ بالعزائم، وتريدين لزوجك وبيتك أن يكونا على هذا المستوى من العلم والنشاط، وإن شاء الله سيكون لك ذلك؛ ولكن عليكِ أن تلتمسي الطريق الصحيح له.. والطريق الذي اتخذتيه حتى الآن هو التصريح بما هو مطلوب منه ثم مناقشته مباشرةً كصديق ناصح ثم التلويح والتهديد والابتعاد.. إن تلك الصورة بعيدة كل البعد عن الصورة الحقيقية لزوجين سعيدين وأسرة متحابة.

 

ثانيًا: هل أنت سعيدة؟ هل كنت سعيدة حين رفضتيه والتفت فقط إلى علمك ونشاطاتك؟.. لا أعتقد.. وهذا ليس لأن ظل رجل وظل حائط، وهذا الكلام؛ ولكن لأن الفطرة تجعلنا في احتياج دائم لنصف آخر لنسعد، وأراك تبحثين عن السعادة مع شريك المستقبل عن طريق العناية الفائقة بصفاته وقدراته.. بينما في الحقيقة السعادة تهرب منك كلما ازددت تدقيقًا وتشكيكًَا.

 

لكي نسعد لا نحتاج أكثر من أن نستمتع بما نملك.. وأنت تملكين قلبًا محبًّا لك غيورًا على دينه، وأما إمكاناته العلمية وطاقاته الدعوية وغيرها فهو مهم طبعًا؛ ولكنه لن يحقق لك السعادة كما تظنين.

 

لديك مجموعة قواعد للحياة الأسرية السعيدة وتربية الأبناء، ويؤسفني أن أخبرك أن في قواعدك خلل جسيم؛ ألا وهي العواطف والبساطة والاستمتاع!!

 

الهمة الشرعية والدعوية على عكس التفاهم والتوافق ليست شرطًا لحياة زوجية سعيدة.. فابحثي عن التفاهم، وتمسكي به والتزمي أنت الأخذ بالعزائم والجد ولا تحاولي أبدًا تقييم الآخرين على أساسها، فربما سبقك عند الله كما سبق الدرهم عشرين ألف درهم!!

 

أرى بحثك يكاد يكون عن الكمال في زوجك فانتبهي لذلك... فإنه لا كمال إلا له عز وجل، ولكن تساءلي ماذا لو بقيت في انتظار الزوج المقبل على العلم الآخذ بالعزائم على النحو الذي ترينه مع العلم أنه ربما لا يكون متمسكًا بك كخطيبك هذا.. وربما لا تجدين معه التفاهم والتقارب الذي تحتاجين.. وربما وجدتيهما!! وقد تحظين بالزوج العابد العالم وتجدينه لا يشاركك تربية الأبناء وتعليمهم لانشغاله بطلب العلم أو غيره!!.. وربما كان كل ما تتمنى ثم ينشغل بعمله كثيرًا أو يفتر أحيانًا.

 

اعلمي أنه ليس كلنا مخلوق للعلم والتعلم، وحتى الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا جميعًا متخصصون في طلب العلم؛ ولكن بعضهم التمس الجهاد والتمس الآخر التجارة مع عدم التقصير في باقي المجالات.. وهناك ما لا يمكن جهله من الدين، وهذا ما لا يمكنك التنازل عنه في شريكك وأما غيره فدعيه للوقت.

 

ثالثًا: لماذا قررت أن مشكلات الحياة ستجعلكما تتصادمان؟؟.. هل لأنك قررت أنك لن تتراجعي ما دمت على حق؟؟ إن مثل هذا القرار كفيل بأن يجعلك تتصادمين مع أي زوج سترتبطين به أيًّا من كان ومهما كان.

 

عليك أن تراجعي ما وظيفة المرأة في الزواج.. وأن تركزي على الشروط الحقيقية التي تصنع بيتًا سعيدًا:

1- أن يكون زوجًا تقيًّا محبًا.. رجلاً مسئولاً.. يمتلك من الأخلاق الأساسية من كرم وشجاعة وحلم وغيرها... سيحتوي بيته ويحفظ زوجه.. ويُنشئ أبناءه على الإسلام.

 

2- أن تكون زوجة طيبة ودودة.. سكنًا لزوجها وبيتها (حضن)، تحمل من العواطف والصبر والكلام الطيب.. تتقي الله في بيتها وزوجها.

 

3- تفاهم وتكامل ومساحات مشتركة يصنعها الزوجان.

4- تغافل وتغافر ما استطاعا.

أختي الحبيبة.. تخلي عن قلقك واسعدي.. بارك الله لك في همتك وعزمك وأمرك كله.