من أنتم.. أنا الزعيم.. القائد.. المناضل.. ملك ملوك إفريقيا.. لو كنت رئيسًا لطوحت الرئاسة في وجوهكم..

 

عندما يتحدث رئيس بلغة الاستعلاء والاستكبار والغرور ويقول للشعب: (من أنتم؟!) ويحتقر هذا الشعب منكرًا وجوده، فهو التاريخ والحاضر والمستقبل!!، وأن هذا الشعب أقل من مستوى الزعيم.. عندها يقف هذا الرئيس على إحدى ضفتي النهر والشعب على الضفة الأخرى؛ فقد جعل بينه وبين الشعب فاصلاً وجدارًا عازلاً وفصل نفسه عن شعبه، وتحوَّل إلى مغتصب للسلطة وسارق لثروات الشعب، عندها يتوحَّد الشعب ضده لاسترداد المغتصب واستعادة المسروق.

 

المقتول غير المأسوف عليه هذا القذافي الذي حكم ليبيا نحو 42 سنة بحكم عسكري ديكتاتوري قتل الآلاف طوال سنوات حكمه، غيَّب الحريات، فلم تعرف ليبيا التعددية الحزبية أو حرية امتلاك وسائل الإعلام أو حرية التعبير بأي صورة من الصور، فكانت المظاهرات ممنوعة، والمؤتمرات محرمة، والكتابة والنقد جريمة؛ فلما رأى أن شعبه قد ضاق صدره وتظاهر ضده جنَّ جنونه وقال: "من أنتم؟!"، ثم وصف شعبه بـ"الجرذان"؛ لأن هذا المغرور كان يظن أن شعبه يؤيده بنسبة 99.999%، وأن (القذافي هو ليبيا) (وليبيا هي القذافي)، مثلما سوَّقت لنا بعض وسائل الإعلام أن (مصر عبد الناصر) (ومصر السادات) (مصر حسني مبارك) وأن (السادات آخر الفراعنة) وأن (جمال مبارك صانع نهضة مصر)، وأن الأمل معقود على جمال مبارك وحده ؛ليقود قاطرة النهضة والتطوير والأمن والأمان والرخاء والنماء.

 

لا يستطيع شخص- مهما كانت عبقريته ومهما كانت إمكانياته- أن يصنع مستقبل شعب.. الشعب هو من يصنع مستقبله.. بجهده، بعرقه، بوعيه وإدراكه، بتضحيته والدفاع عن حقه، فلا يستولي شخص ولا هيئة ولا مجلس ولا سلطة على إرادة الشعب، وإلا سوف يضع الشعب هذه السلطة وهذا المجلس وهذا الشخص في خانة العدو لا الحاكم.. المستبد لا العادل.. الخائن لا الأمين.. اللص لا الشريف.

 

- يا سادة.. إذا أردنا التنمية والرخاء والنماء فاعلموا أن لا تنمية بغير انتماء، نحن نريد من كل فرد ينتمي لهذا الوطن أن يزرع ويصنع وينتج ويعتز بانتمائه لوطنه ولن يحدث هذا إلا بالحرية؛ لأنه لا انتماء بغير حرية، ولا حرية في ظل قوانين استثنائية، ولا حرية في ظل إحالة مدنيين إلى محاكم عسكرية، ولا حرية في قيود على الوسائل الإعلامية، ولا أمن بغير العدل، ولا عدل إلا في سيادة القانون، ولا استقرار إلا في وضع دستوري طبيعي؛ بمعنى أن يحكم الشعب نفسه، وتنتقل السلطة إليه، وأولى خطوات انتقال السلطة الانتخابات التشريعية.

 

- أن يوضع دستور يعبر عن إرادة الأمة، يحقق التوازن بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ فلا تتغوَّل سلطة على غيرها.. دستور لا يجعل مؤسسة من مؤسسات الدولة تمتاز عن غيره أو يجعلها فوق القانون والدستور، فكل الأفراد وكل المؤسسات خاضعة للقانون، سواءٌ كانت مؤسسة مدنية أو عسكرية.

 

- الشعب هو الحارس للقانون والدستور، ولا أحد غيره، من مؤسسات أو هيئات؛ هو صاحب السيادة وصاحب القرار في كل شئونه؛ حرب.. سلام.. معاهدات.. اتفاقيات.. قوانين.. مدنية الدولة.

 

من أراد ألا يلقى مصير القذافي وأنجاله فعليه بالآتي:

- ألا يتعالى على الشعب؛ فهو خادم للشعب، وليس العكس.

- أن تكون إرادة شعبه هي النافذة وهو معبر عنها بغير تبديل ولا تغيير.

- ألا يسرق ثروات شعبه كما فعل القذافي في ليبيا التي كانت أغنى البلاد فأفقرها بنزواته ومغامرته التي كانت تفتقد للحكمة، فضلاً عن العقل.

- ألا يفكر مطلقًا في البقاء الأبدي على الكرسي؛ فالشعوب تغيرت، فأصبحت لا تقبل الاستبداد ولا حكم العائلات ولا استبداد المؤسسات.

- أن يحترم القانون والدستور ويكون حكمًا بين السلطات الثلاث لا أن يوظفها لصالحه ولصالح عائلته وقومه؛ فالقذافي أحاط نفسه بالعائلة والقبيلة، واشترى مرتزقة، ولم يفلح في البقاء أو توريث أولاده أو حتى النجاة بنفسه.

 

يا سادة..

إن الشعوب قد نزعت الخوف من قلوبها، ومن ثم لا مكان للمستبدين، وإنما غدًا بإذن الله للأحرار.

-------

* مدير مركز (رؤية) للدراسات.