سيطر المشهد الإعلامي للنهاية الدموية لطاغية ليبيا "معمر القذافي" على الإعلام في العالم كله طوال الأيام الماضية.

 

نهاية دموية لحاكم دموي، ولعل اختيار الله تعالى لنهايات الطغاة عبرة لكل البشر، فقد كانت نهاية كل طاغية عربي مناسبة لسلوكه وطريقته في الحكم.

 

لقد فرَّ بن علي من تونس بجنح الظلام، سلوك اللصوص قطاع الطريق عندما يُفاجئهم الحرس أو قوات البوليس.

 

وأصرَّ مبارك على البقاء بعناده وإصراره على أنه لم يرتكب جرمًا، سلوك التشبه بالفراعنة الذين يتصورون أنهم ملكوا البلاد ورقاب العباد؛ ما عرضه في النهاية إلى المهانة والاحتقار في مشهد المحاكمة التي يحضرها نائمًا على سرير مدعيًا المرض، يحاكم على قضايا تافهة لا تليق بحكام لمصر العظيمة ولا تتم محاكمته المحاكمة الحقيقية لإفساده الحياة السياسية وخيانة أمانة الحكم والحنث بقسم الولاء للوطن وللنظام الجمهوري الذي أقسم على احترامه.

 

أما القذافي فقد تمسَّك بالحكم والقتل إلى آخر لحظةٍ من عمره فقُتِل شر قتلة، فقد كان قاتلاً أشبه بالمحترفين، سفك دماء الليبيين ولم يحفظ لهم حرماتهم ولا أعراضهم، ونهب أموالهم وأفقر بيوتهم وهم يمتلكون مليارات الدولارات، ولكنه أضاعها في مغامرات فاشلة أو هربها لخارج البلاد.

 

ها قد تحررت ليبيا من طغيان القذافي وعصابته الدموية، ويا لبلاغة التعبير، كنا نجاهد كعرب للتحرر من ربقة الاحتلال الأجنبي لبلادنا وظننا أننا حصلنا على الاستقلال بعد جلاء جيوش الطليان والألمان والفرنسيين والإنجليز، فإذا بنا اليوم نحتفل مع الشعب الليبي بعد 42 سنة من القهر والظلم والطغيان بالحرية من جديد، ولقد كان الطغيان والإفساد على يد بني جلدتنا أمرّ علينا من احتلال الأجنبي لأننا لم نتوقعه وكنا نأمل في عكسه تمامًا، فكانت الداهية أشدَّ على نفوسنا.

 

ها هي بلادنا تنتفض وتثور لتحقق حلم الحرية والاستقلال من جديد بعد عقود من السنوات العجاف التي ضاعت من عمر أمتنا العربية.

 

ها هي تونس تُصوِّت في أول انتخابات حرَّة بعد هروب بن علي الطاغية، وتختار مجلسها التأسيسي الذي سيضع اللبنات الأولى في تونس الحديثة، والأمل معقود على توافق كل التيارات والأحزاب والقوى السياسية على العبور بتونس إلى برِّ الأمان، لتكون في المقدمة بين بلاد العرب الثائرة وتحقق الحلم وتزرع الأمل في نفوس بقية الشعوب.

 

وفي مصر تم إغلاق باب الترشح للانتخابات البرلمانية القادمة بعد مده مرتين، وتقدمت الأحزاب بقوائمها لمجلسي الشعب والشورى، وتقدمت بمرشحيها على المقاعد الفردية وينتظر الجميع بترقب بالغ بدء الحملات الدعائية ثم التصويت الذي سيبدأ في 28/11 بالمرحلة الأولى وعلينا جميعًا مسئولية حماية تلك الانتخابات وتأمينها لتتم في حياد تام من جهة الإدارة التي دأبت على التدخل لتزوير إرادة الشعب، وفي نزاهة تامة من جهة الإشراف القضائي الذي هو محل ثقة كل الشعب، وفي موضوعية من جهة الأحزاب المتنافسة التي عليها أن تقدم برامجها للشعب ليختار من بينها الأكثر واقعيةً ومصداقيةً للعبور بالبلاد من عنق الزجاجة.

 

ستكون انتخابات تونس مقدمة لانتخابات مصر، كما كانت ثورة تونس مقدمة لثورة مصر، وبلا شك ستنعكس النتائج والتطورات على مجمل الأوضاع في بقية البلاد العربية؛ لأن الشعوب الثائرة في سوريا واليمن، وبقية الشعوب العربية في البحرين والأردن والمغرب والجزائر تترقب تلك التطورات لكي تمضي في طريق التغيير.

 

لقد اعترف بعض النخب الفكرية بأنهم تأخروا كثيرًا في الاتصال المباشر بالناس واعترف د. عمرو حمزاوي بشجاعة أنهم امتلكوا ناصية الحديث في "الميديا" والفضائيات ولم ينزلوا إلى الشارع السياسي إلا متأخرين رغم النصح المتكرر لهم من قديمٍ بأهمية تشكيل الأحزاب والاتصال المباشر بالجماهير لمعرفة همومهم والحديث إليهم والتأثير المباشر على توجهاتهم، وهذا ما يقوم به الإسلاميون بخاصة الإخوان المسلمون وحزب الحرية والعدالة منذ سنوات طويلة.

 

الدعاية للانتخابات القادمة يجب أن تختلف عما سبقها من انتخابات، فالبرلمان القادم سيتحمل مسئوليات جسيمة وتبعات عظيمة، وعلينا أن نقول للناس الحقيقة التي يجب المصارحة بها، وهي أننا جميعًا شركاء في المسئولية وأن كل حق يقابله واجب، وأن أول مراحل العمل المطلوبة هي المصارحة بحقيقة أوضاع البلاد الاقتصادية، وأننا، أيًّا كان الفائز منا، سيقوم في البداية بإرساء مبدأ الشفافية والمحاسبة والعدالة وتقاسم الأعباء، وأننا على ثقة من أن الشعب يمكنه تقبل تحمل المشاق إذا وجد قيادة حكومية وإدارية في كل مواقع العمل تسبقه في تحمل المشقة، فلا يجوز أن يبقى التفاوت الرهيب في الأجور والمكافآت بين الحد الأقصى والحد الأدنى.

 

علينا أن نُقدِّم للناس القدوة الحسنة في العفة عن المال العام، والكفاءة العالية في حسن الإدارة، والفكر المبدع في توظيف طاقات الشعب، خاصةً الشباب للنهوض بالبلاد في المجالات كافةً.

 

مصر وتونس وليبيا على أبواب عهد جديد من الحرية والمسئولية، وإذا أضفنا إليها السودان بثرواته وأراضيه الشاسعة القابلة للزراعة والتنمية الحيوانية والمليئة بالثروات المعدنية نستطيع أن نقول إننا نقدر على عبور المرحلة إذا تكاملت تلك الدول مع بعضها البعض لتكون قاطرةً لبقية الأمة العربية من شمال إفريقيا إلى المشرق العربي.

 

تستطيع مصر بشبابها ورجالها ونسائها أن تُعمِّر ليبيا وتنهض بها، وأن تزرع ملايين الأفدنة في السودان، وتنمي ثروتها الحيوانية وصناعتها القائمة على المنتجات الزراعية والحيوانية، وأن تنهض بمصر نفسها في الصناعة والزراعة والدواء والكساء والمعلومات.

 

مصر إذا تحررت واستقلت جامعاتها ونهضت بأبحاثها العلمية وقادت الكفاءات العلمية نهضة مصر الحديثة في الجامعات والمعاهد العليا مع إرساء قاعدة قوية للتعليم الأساسي فإننا سننافس جامعات العالم بعقول مصر الذكية.

 

مع نهاية طاغية ليبيا الدموية وتحرر ليبيا من الطغيان المحلي، ومع الإعلان عن خروج كل القوات الأمريكية بنهاية ذلك العام من العراق وتحرر العراق من الاحتلال الأجنبي، ومع بداية دوران عجلة الانتخابات لمجلس تأسيس في تونس وللمجالس النيابية في مصر، نستطيع أن نقول إن العرب على أعتاب فجر جديد ونهضة قادمة بإذن الله تعالى.

--------------------

* نائب رئيس حزب الحرية والعدالة