هو حدث كان متوقعًا لكنه كان مجالاً للتكهنات والاحتمالات حول إذا ما كان قد يحدث قريبًا أم بعد أسابيع أو أشهر وربما سنوات، وربما لا يحدث أبدًا.. كان أملاً ولكنه كان غيبًا، لا يستطيع أحد أن يجزم به لأن الإرادة النهائية الأصيلة التي تتحكم بالأمر هي الإرادة الإلهية- لا البشرية- في نهاية المطاف. الحدث هو سقوط القذافي ونهايته كشخص، إضافة إلى نهاية نظامه وكل ما كان يمثّله داخل ليبيا وخارجها- في العالم العربي وفي أفريقيا وفي كل مكان آخر.
الحدث الذي جذب انتباه ملايين البشر وكل قنوات وشاشات التلفزة في العالم في هذا اليوم 20 أكتوبر 2011 هو الانتصار الأخير والكامل للثورة الليبية مع اقتحام آخر قلاع القذافي الحصينة في بلدته "سرت" التي احتضنت ما بقي من كتائبه وقواته وزبانيته وأعوانه بعد سقوط طرابلس. هذه المدينة- التي احتضنت بقايا النظام، وكانت مزارًا لباقي القيادات الدكتاتورية العربية في اجتماعات قمم قادة العرب لتنسيق مواقفهم في قمع (حُكم) الشعوب العربية- ظلت مدة حوالي شهرين تستعصي على الفتح أمام كتائب الثوار، وكأنها ترسل رسالة أخيرة مفادها لا جدوى الثورة، ولا جدوى التضحيات والنضالات طالما سيبقى هناك جيب عسكري حصين للنظام بعيدًا عن قدرة الثورة على إزاحته، وبعيدًا عن يد العدالة التي تتوق لأن تطال قوى الشر ومجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية المتحصنين مع القذافي في سرت.
تجاوز الحدث في دلالته مجرد سقوط دكتاتور وطاغية حكم بلاده بالحديد والنار مدة تزيد على أربعين عامًا، وتجاوز الحدث مجرد سقوط مدينة في يد ثوار يريدون إسقاط نظام جائر وتصفية جيوبه الإجرامية التي أمعنت قتلاً وسفكًا وترويعًا واغتصابًا في الشعب الليبي طوال اثنين وأربعين عامًا، وليس فقط الشهور الثمانية الأخيرة التي هي عمر ثورة 17 فبراير.
كان بقاء الطاغية القذافي وزبانيته مسيطرين- ولو على شبر واحد أو مدينة واحدة ومستمسكين بها- رمزًا لإمكان استمرار الشر وبقائه في السلطة ولو بشكل محدود ولو في حيز جغرافي مكاني محدود- ولكنه بقاء وليس زوال.
هذا البقاء للقذافي ولجزء من نظامه على قيد الحياة كان موازيًا لبقاء بن علي حيًّا يستمتع بأمواله المنهوبة من دم الشعب التونسي- (رغم محاكمات وإدانات بحقه داخل تونس بقيت حبرًا على ورق وظلت في إطار الرمزية لا أكثر). ويتوازي ذلك مع بقاء فلول بن علي وأجزاء كاملة من نظامه (بما في ذلك الجهاز السياسي والأمني على السواء) تحكم تونس وتتحكم في مصائر شعبها الذي يحاول أن يجعل الانتخابات التي ستجري بعد نصف أسبوع خطوة أولى نحو انعتاقه من بن علي ونظامه والتحرك باتجاه قيام نظام ثورة حقيقية هناك.
هذا البقاء للقذافي ولجزء من نظامه على قيد الحياة كان موازيًّا لبقاء مبارك حيًّا يُرزق من الطيبات في مستشفاه الفندقي مع استمرار محاكمة هزلية تنعقد له دون نية حقيقية من النظام الذي يعقد هذه المحاكمة في محاسبته على جرائمه التي ارتكبها، حيث كانت شهادات أركان النظام في هذه المحاكمة تعمل على تبرئة الرئيس المخلوع، وإبراء ذمته من دم المتظاهرين السلميين الذين أمر بقتلهم.
بقاء القذافي في سرت مع المخلصين من رجاله كان يدفع المخلصين لمبارك وبعض من يشايعهم للتبجح بالقول بعدم انتصار الثورة الليبية أو عدم إمكان اكتمال انتصارها، والتلويح بالانقسام القبلي والعشائري، وبالتصارع على السلطة، وبالقول بأن ليبيا سوف تنقسم بين شرق وغرب قبل سقوط طرابلس، أو أنها ستبقى غير مستقرة إلى ما لا نهاية بسبب استعصاء "سرت" على الثورة والثائرين ومقاتلي المجلس الوطني الانتقالي.
هذا البقاء للقذافي، ولجزء من نظامه على قيد الحياة كان موازيًا لبقاء ومؤشرًا لاستمرار عدد كبير من النظم الدكتاتورية في العالم العربي تستصعب، أو تستبعد أن ترى هزيمة كاملة منكرة لهذا النظام الطاغي الفاشي الذي بالغ في القهر والقمع والقتل إلى حد جلب المرتزقة ليقتلوا شعبه. كانوا يجلسون على كراسيهم وعروشهم متصورين أنهم لا يمكن أن يشهدوا أبدًا نهاية درامية كاملة لحكم هذا القذافي- وكأنه هو العّراف الأخيرة الذي يقول لهم إنهم سيبقون في كراسيهم وأنهم سينجون في نهاية المطاف حتى لو استطاعت الشعوب الثائرة أن تكسب القليل أو الكثير من مساحة الحرية أو قدرًا كبيرًا أو صغيرًا من التغيير.
كان هذا البقاء الأخير للقذافي ولجزء من نظامه على قيد الحياة هو الأمل الأخير لباقي قيادات الدكتاتورية العربية التي تقمع ثورات شعوبها بالحديد والنار بالبلاطجة والشبيحة، وبقوات الأمن والجيش سواءً في سوريا أو في اليمن. كان بقاء القذافي واستبسال كتائبه ومرتزقته في الدفاع عنه هو بارقة الأمل الأخيرة التي يتشبث بها ويعوِّل عليها سفاح سوريا بشار الأسد وسفاح اليمن علي عبد الله صالح ضد ثورة شعبيهما ضدهما. كان القذافي هو الذي استن لكل من قامعي الشام واليمن سُنَّة قتل الشعوب وتحريقهم وتعذيبهم واغتصاب نسائهم عقابًا لهم على مطالبتهم بالحرية. وظل الأسد وصالح يتابعان الاستمرار الغريب للقذافي في بسط سيطرته على جيب مهم من ليبيا- ويتصوران أنهما لا يمكن أن ينهزما في أي وقت طالما أن القذافي لم ينهزم بعد، بل طالما أنه وإن خسر الكثير إلا أنه قد يتمكن من إفقاد الثورة لثقتها بنفسها وضرب ثقة الشعب الليبي في قيادات ثورته، وبالتالي ضرب الثورة كلها.
هذا البقاء للقذافي ولجزء من نظامه على قيد الحياة كان علامة بشارة هادية ودليل أمل للعديد من القيادات الأفريقية ذات الوجه التسلطي الدكتاتوري القبيح التي مدَّت له يد العون بالرجال أو بالسلاح منذ بداية الثورة وحتى آخر أيام إمكان إيصال هذا المدد عند سقوط طرابلس. تلك النظم التي تواطأت وتآمرت على الشعب الليبي وفتحت أبوابها لتصدير المرتزقة إلى ليبيا من تشاد والنيجر- ومع الأسف من دول عربية أخرى. هذه الدول كانت تظن أن استمرار القذافي هو استمرار لهم، واستمرار لصفقاتهم وتعاملاتهم معه. وبالطبع كانوا يظنون أو يتمنون أن يستمر القذافي إلى ما لا نهاية- ولو في هذه البقعة الصغيرة المسماة "سرت". ونفس الأمر كان ينطبق على أصدقاء القذافي من فنزويلا إلى جنوب أفريقيا، الذين كانت عقائدهم فيما يتعلق بمصائر الشعوب ومطالبها بالحرية أنها غير مشروعة وغير مقبولة طالما كان النظام يدّعي معاداة ومناهضة الإمبريالية (رغم أنه قد ثبت في النهاية أنه من أهم وأكثر المتعاونين معها ومع أجهزة استخباراتها وأجهزة قمعها).
بالنسبة لكل هؤلاء وهؤلاء، يكون سقوط القذافي كشخص وقتله في معركة "سرت" هو الصدمة نفسها وهو لحظة انهيار الوهم وسقوط الأحلام في إمكان استمرار الدكتاتورية- ولو بعد تقليم شيء من أظافرها.
كان "الموت" حتمًا قدريًّا إلهيًّا للطاغية معّمر القذافي، وكان هو القصاص العادل تمامًا الذي يستحقه الشخص الذي قتل في ساعتين عددًا هائلاً من المسجونين السياسيين (يبلغ عددهم 1200 مسجون في سجن أبو سليم) إضافة إلى الآلاف والآلاف قبلهم وبعدهم. كان "الموت" هو القصاص العادل لمن جيّش المرتزقة ليقتلوا شعبه، ولمن أباح اغتصاب بنات ليبيا بواسطة الكتائب.
كان "الموت" حتمًا وقصاصًا، سواء كان في المعركة أو نتيجة لمحاكمة عادلة. ونفس المصير لا بد بالقطع أنه ينتظر في مستقبل الأيام- إن شاء الله- كل الطغاة الآخرين، سواءً بشار الأسد أو على صالح أو حسني مبارك أو بن علي وغيرهم.
يقول رب العزّة في كتابه العزيز: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ) (البقرة: من الآية 179). وهنا تتجاور كلمتي "القصاص" و"حياة" في البيان القرآني، حيث تكون كلمة "القصاص" معرّفَة بالألف واللام- فهو قصاص أصيل وواضح ومحدد وواجب النفاذ بشكله وسمته وهيئته، وهو يؤدي إلى "حياة" بصيغة نكرة تفيد العموم والشمول والتعدد، حيث "القصاص" يؤدي إلى كل حياة فُضلى ومُثلى وعُليا نطمح إليها... والله أعلم.