في عام 2004م كانت هناك قضية أمام نيابة أمن الدولة تتعلق بانتحال ثلاثة مصريين لشخصيات ضباط في وزارة الداخلية، أحدهم برتبة لواء، واستخراج بطاقات هوية مزورة بأسمائهم.
المنتحلون الثلاثة قدموا أنفسهم لشخص سعودي على أنهم المسئولون في وزارة الداخلية عن التعاقد على إسكان حجاج القرعة، وطلبوا منه رشوة عدة ملايين من الجنيهات مقابل ترسية العقد.
العملية تم اكتشافها لسبب أو لآخر، وتم الحكم بالسجن على المتورطين فيها.
لكن الحادث يثير تساؤلات عدة: فما الذي دعا هؤلاء إلى التفكير في تلك الحيلة؟ هل نما إلى علمهم أن تعاقدات حج القرعة لا تتم إلا بهذه الطريقة؟ وما الذي دعا الشخص السعودي إلى قبول فكرة دفع الرشوة؟ هل سبق لعلمه هو أيضًا أن التعاقد لا يتم إلا بهذه الطريقة؟
ولماذا إصرار وزارة الداخلية- على كثرة أعبائها- على تولي ملف حج القرعة رغم أنه خارجٌ تمامًا عن اختصاصها؟ لماذا لا يعهد بالملف إلى وزارة الأوقاف بالتنسيق مع وزارة السياحة؟
الإجابة معلومة، وهي أن تنظيم عملية الحج يعد منجمًا متجددًا لنهب أموال المسلمين المتشوقين إلى أداء فريضة الحج. فالداخلية تحتكر "الخدمة!!"، وتقدمها بأغلى الأسعار، وتبعث المئات من رجالها للإشراف على بعثة الحج، لكنهم يتبخرون في جو مكة الحار فلا يراهم أحد إلا عند رحلة العودة، رغم ما يتقاضونه من بدلات ضخمة. وليتهم كانوا مشغولين بالعبادة، إذ لو همهم أمر العبادة ما قبلوا المال الحرام الذين يحصلون عليه من كد وعرق الفقراء الذين يقضون سنين عددًا في تدبير أموال الحج، لكنهم مشغولون بالشراء ومقارنة الأسعار والعودة بأحمال لا يدفعون عنها الرسوم الجمركية المقررة، فتتضاعف أرباح الرحلة، ويزين لهم الشيطان أن ذلك تحقيق لقول الحق تبارك وتعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: من الآية 28).
وقد كان من عادة الداخلية أن ترسل أيضًا محاسيبها وأبواقها، خاصة في وسائل الإعلام، على نفقة الفقراء لأداء الحج، مكافأة لهم على التزييف والدجل الذي مارسوه طوال عام مضي.
وإذا كنا نطالب بإحالة ملف حج القرعة إلى وزارتي الأوقاف والسياحة، فلا يعني ذلك تبرئة وزارة السياحة أيضًا من استنزاف حجاج آخرين، من فئة الحج السياحي؛ إذ تفرض عدة آلاف من الجنيهات على كل تأشيرة حج.
ونتيجة لهذا الاحتكار والاستغلال البشع أصبحت تكلفة الحج من مصر ربما الأغلى على مستوى العالم، الأمر الذي حدا بالكثيرين ممن أعياهم دفع رسوم الحج الباهظة من مصر إلى التفكير في طرق بديلة، ولو كانت أبعد من رأس الرجاء الصالح.
فالمصري الذي يعمل في الكويت أو الإمارات أو قطر يلجأ إلى طلب تأشيرة إقامة لوالده أو والدته، ويدفع ثمن تذكرة السفر من مصر إلى حيث يقيم، ويتحمل تكاليف "دق" الإقامة، ثم يصحب والده أو والدته في رحلة حج بمستوى خدمة خمسة نجوم، ويعود إلى تلك الدولة ثانية، ويشتري هدايا الحج، ثم يعود الوالد أو الوالدة إلى مصر.. كل ذلك بتكلفة أقل من تكلفة الحج من مصر!
بل إن بعض المصريين ممن يملك جنسية أوروبية، يستطيع أن يسافر من مصر إلى فرنسا أو إيطاليا، ومن هناك يتعاقد مع إحدى الشركات التي تنظم رحلات الحج، بتكلفة إجمالية أقل مما يدفعه في مصر.
وهكذا تغير المشهد، فلم يعد الحاج يتجه بملابسه البيضاء إلى السويس ليستقل الباخرة، أو إلى مطار القاهرة ليستقل الرحلة المخصصة للحجاج، ولكنه ربما يستقل طائرة "الكويتية" أو "الإمارات"، أو حتى "إير فرانس" أو "اليتاليا"، ويركب وسط الأجانب، وهو يتمتم على استحياء: لبيك اللهم لبيك.