الكابتن حنفي بسطان رحمة الله عليه كان من نجوم فريق الزمالك لكرة القدم فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وهو نوبي خفيف الظل، ولد بالسيدة زينب وتخرج في كلية الشرطة، وكنت قديمًا اقرأ له في المجلات الرياضية، وهو يحكي اللطائف والطرائف التي عاشها في الزمن الجميل.
فيروي مثلاً أن المنتخب المصري كان مسافرًا لدورة لندن الأوليمبية عام 1948م، وأن مدرب الفريق مستر كين أراد أن يلعب مباراة ودية مع فريق إنجليزي اسمه (متروبوليتان بوليس)، وبالفعل أرسل الفريق برقيةً يؤكد فيها موافقته على اللعب مع المصريين بشرط أن يحضروا معهم أحذية للعب.
وهنا ثارت ثائرة اللاعبين على هذه الإهانة التي مست مصر أم الحضارة والتاريخ، وقاد الثورة كابتن مصر عبد الكريم صقر، وكان يلقب بساحر الكرة المصرية، ومعه محمد الجندي، وحاول المدرب كين تهدئة ثائرتهم وقال لهم الجماعة معذورين لقد ذهب لهم منذ أشهر الفريق الهندي حافي الأقدام، ولعب معهم بدون أحذية.
فغضب اللاعبون أكثر، وقالوا وكيف تقارن مصر بلد الحضارة بالهند أو غيرها؟ فقال المدرب الذكي: إذًا اثبتوا هذا في أرض الملعب ولقنوا الإنجليز درسًا في الكرة.. وبالفعل التقى الفريق المصري مع الفريق الإنجليزي وهزموهم على ملعبهم، وبين جماهيرهم 12- صفر، وسجل عبد الكريم صقر وحده تسعة أهداف ليحقق رقمًا قياسيًّا غير مسبوق في التهديف وكان هذا خير رد على الإهانة الإنجليزية.
ومن نوادر الكابتن حنفي بسطان ما يرويه عن فريق الزمالك عندما تولى مدرب أجنبي تدريبه وبدأ برنامجه للرحلة ليوغسلافيا، وما كاد اللاعبون تطأ أقدامهم أرض الفندق إلا وتفرقوا في سهرات بالملاهي الليلية والمطاعم وعندما التقوا فريقًا مغمورًا للكرة كانت أقدامهم لا تحملهم مما أدى لهزيمتهم هزيمة ثقيلة 9- صفر، فأرسل لهم رئيس النادي آنذاك عبد اللطيف أبو رجيلة يأمرهم بالعودة.
وأبو رجيلة شخصية لها تاريخ مشرف بمصر فهو اقتصادي من الدرجة الأولى واستطاع في الخمسينيات من القرن الماضي أن ينشئ أكبر شبكة للنقل العام بالقاهرة تفوقت على نظيرتها بأوروبا ويكفى فقط أن تعرف أن الرجل الفذ جعل الأتوبيسات تسير في خطوطها بمعدل تقاطر كل ثلاث دقائق وأن الأتوبيس الذي يتأخر سائقه عن موعده أكثر من دقيقة يتحول للتحقيق بل وتفوق على أوروبا بورش الصيانة التي كانت في كل جراج، وفيها متخصصون على أرقي مستوى بل وصل به الحال أنه كان يدخل الأتوبيس للمغسلة يوميًّا، ويقوم بعملية تعقيم كل ثلاثة أيام وكان من عادته أيضًا أن يقوم بركوب أحد الأتوبيسات بنفسه كل شهر كمواطن عادي، ويراقب تصرف السائق والمحصل وتعاملهم مع الركاب لدرجة أنه في يوم كان راكبًا أحد الأتوبيسات فوجد السائق قد تخطى المحطة حتى لا يتأخر ويخضع للتحقيق فنهره أبو رجيلة وأنكر عليه فقال له السائق وأنت تكون من لكي تحاسبني..؟ أنت فاكر نفسك أبو رجيلة؟ فقال له نعم أنا أبو رجيلة، وتم خصم ثلاثة أيام للسائق.
ولما عرف أبو رجيلة ظروف الرجل المعيشية أصر على توقيع الخصم ثم أعطاه مرتب شهر من جيبه الخاص كما كان دأبه مع العاملين.. وقد روي لي أحد أقاربي كبار السن وكان يعمل بهيئة النقل العام أن أيام أبو رجيلة كان السائق أو المحصل إذا كان في أجازة وعاد لعمله كان يحتضن الأتوبيس ويقبله شوقًا له كشوق المحب لحبيبه.
المعذرة لهذا الاسترسال ولكن أملي بأن أرى مصر الغد، وفيها هذه القيم والمعاني هو الذي يدفعني لاجترار هذه الذكريات.. بعد أن أمر عبد اللطيف أبو رجيلة الفريق بالعودة أجرى تحقيقًا فوريًّا مع هذا المدرب الذي مرغ كرامة الزمالك في وحل يوغسلافيا، وطبعًا حاول المدرب التنصل من التبعة وعدم سيطرته على اللاعبين وممارسة الضبط والربط المناسبين فألقى بالمسئولية على حكم المباراة الظالم، وأقسم بأغلظ الأيمان أنه لولا تعصب الحكم، وتحيزه لحقق الفريق نتيجة رائعة، وأراد أن يؤكد صدق كلامه فقال لأبو رجيلة حتى اسأل من كانوا معنا سوف يؤكدون لك أن (الجون السابع كان أوفسايد)، وطبعًا قام رئيس النادي بفسخ عقد هذا المدرب الضعيف، وطرده من النادي.
والحقيقة.. لقد تذكرت هذه الطرائف هذه الأيام وأنا أقرأ تصريحات الدكتور طارق الغزالي حرب، الذي كان مرشحًا لمنصب نقيب أطباء مصر ولم يوفق بعد أن فاز بهذا المنصب الأستاذ الدكتور خيري عبد الدايم، والذي حصل علي 17253 صوتًا مقابل 9709 والتي حصل عليها الدكتور طارق الغزالي، والذي أكد في أسباب فشله أمام نظيره الفائز بأن الإخوان المسلمين هم السبب حيث تأخروا في إرسال البطاقات الانتخابية الخاصة بالنقيب لمحافظة قنا مما تسبب في هذه الهزيمة الساحقة (الأطباء المسجلون بمحافظة قنا كلها 2100 طبيب)!.
بل وقد أكد سيادته أن الإخوان المسلمين قد قاموا بمنع الأطباء المسيحيين من الإدلاء بأصواتهم (ولا يعرف أحد كيف كانوا يعرفون الطبيب المسلم من المسيحي فيدخلون هذا ويمنعون ذاك..؟) مع ملاحظة أن الدكتورة منى مينا زعيمة قائمة أطباء بلا حقوق المنافسة لقائمة الإخوان قد فازت بمقعدها بالنقابة العامة وقد أكدت لجريدة (الأخبار) بعد فوزها أنها نجحت بأصوات الإخوان والمستقلين والمسيحيين سواء بسواء في الوقت الذي فشل فيه مرشح قائمة الإخوان الدكتور إسكندر المسيحي فكيف يفسر سيادته هذه المفارقة؟.
صحيح صدق من قال "الغرض مرض" إن أجمل التعليقات التي قرأتها لأحد القراء بجريدة (اليوم السابع) على نجاح قائمة الإخوان المسلمين بنقابة الأطباء هو قوله: لقد اعتاد الإخوان أن يفرقوا الزيت والسكر على الناخبين قبل الانتخابات، ويبدو أنهم قد قاموا بتوزيع كبسولات الأنتيبيوتك والفيتامينات على جموع الأطباء بنقابتهم أيضًا.. ولله في خلقه شئون.