هذا الظهور المكثَّف، غير المسبوق، لجماعات إسلامية مختلفة، والذي أصاب فئات بعينها بفزع، يحتاج إلى وقفة لفهم الظاهرة؛ حتى نضمن حسن التعامل معها، وقد قصدنا العنوان؛ لأن البعض قد يسارع ليتصور أنني "أبرر" ما حدث ويحدث، وما قد يحدث، في الإطار نفسه.

 

فعبر عدة عقود، وخاصةً في العهد المباركي الملعون، كان النظام يقف موقفًا معاديًا- وبشدة- من الاتجاهات الدينية، وكان يبرر موقفه هذا بأمرين متصلين اتصالاً وثيقًا؛ أولهما: ما يسميه بخلط الدين بالسياسة، وهي المقولة الملتبسة، التي تحتاج إلى توضيح ومناقشة، وليس هذا مجالنا اليوم، وثانيهما: ما ارتبط ببعض الجماعات الدينية من استخدام العنف.

 

ولا بد من لفت النظر إلى أن النظام السابق قد التقى تمامًا في هذا مع موقف كل من العدو الصهيوني، ورائدة الهيمنة في عالمنا المعاصر، الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصةً بعد سبتمبر عام 2001م.

 

لكن المراقب للأمور في مصر، يمكن أن يلاحظ أن الأمر لم يقتصر على ارتباط الدين بالسياسة؛ فقد كان الموقف عدائيًّا أو شبه عدائي لعموم مظاهر التدين، ونشير هنا إلى المنع المطلق لأي مذيعة تتحجَّب، مع أن ملايين من النساء يتحجَّبن دون ارتباط بالسياسة، فضلاً عن العنف والإرهاب، وفي الدور المختلفة للقوات المسلحة، كان المنع الدائم لكل ذي لحية، ولكل منقبة، وكثرت في المسلسلات والأفلام أجزاء تُظهر جماعاتٍ متدينةً مقطبي الجبين دائمًا وذوي لحى، يلبسون جلاليب بيضاء، ودائمًا يتَّسمون بالانحراف غير المعلن، ويتحدثون الفصحى، بينما الواقع مختلف كثيرًا، فليس كل متدين يحرص على الجلباب أو ذي لحية، ويا ليت ربعهم يتحدث الفصحى، ولم يحدث ولو مرة- في أفلامنا ومسلسلاتنا في هذا العهد الأسود- أن ظهر متدين حسن الخلق، يوفِّق بين الناس، على الشاشات المصرية، تلفزيونيًّا أو سينمائيًّا.

 

ولو لاحظنا الأفلام القديمة، فسوف نجد أن عالم الدين، كان هو دائمًا المصلح، والموفق بين الناس، صاحب الأخلاق السمحة، ومثل هذا النموذج اختفى تمامًا على الشاشتين الصغيرة والكبيرة، وكأن كل متدين منحرف يخفي غير ما يظهر ينصُب على الناس، ويناصبهم العداء.

 

وعند اختيار قيادات لمواقع العمل المختلفة، كان أحد محاذير معايير أمن الدولة، صاحبة القول الفصل؛ ألا يكون المختار من ذوي النشاط الديني، حتى ولو كان بعيدًا عن السياسة، ويكفي أن أذكر هنا قول ضابط أمن الدولة لزوجتي عندما رشَّحوها عميدةً لإحدى كليات التربية، منذ عدة سنوات: "على الرغم من أنك محجبة، لكننا رشَّحناك عميدة"!!؛ فكأن الأصل ألا تُرَشَّح لمثل هذا المنصب سيدة محجَّبة، وكأن الحجاب علامة خيانة للوطن، وسوء أخلاق والعياذ بالله!.

 

وكانت المساجد تفتح لوقت الصلاة فقط، وتعاود إغلاقها عقب انتهائها؛ بحيث لم تعد تمارس دورها المجتمعي الذي مارسته عبر ما يزيد قليلاً عن أربعة عشر قرنًا من الزمان، وحرص أمن الدولة على أن يكون هو الذي يحكم على هذا وذاك أن يتم اختياره إمامًا للمسجد أم لا؟ وقد لاحظ كثيرون أن وزارة الأوقاف "والشئون الإسلامية" يتحكم في ديوانها العام مجموعة لواءات شرطة!.

 

وزاد الطين بلة أن حُرِّم على خطباء المساجد أن يقتربوا من المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ليحصروا أنفسهم في العبادات وحدها دون المعاملات؛ حتى أصبحت الخطب مملة، واختفت تلك النوعية من الخطباء الذين كانت المنابر تهتزُّ لكلماتهم، تمر ساعة دون أن يشعر الحضور بأي ملل؛ لتحتلها نوعية، ينظر المصلي كل دقيقة إلى ساعته متلهفًا على انتهاء الخطيب من خطبته التي اقتصرت على الأخلاق الحميدة، بصيغة تجريدية!.

 

ولو فتشت في نسبة البرامج الدينية في برامج الإذاعات الرسمية والقنوات التلفزيونية، قبل الثورة، فسوف تجد أنها تضاءلت إلى حد لافت للنظر، إذا استثنينا إذاعة القرآن الكريم، التي كانت وكأنها "شوكة" في زور النظام، يودون لو تمَّ نسفها، لكن، لأن هذا كان مستحيلاً عمليًّا، فقد ضيَّقوا عليها الخناق المالي، فتجد أنها كانت أفقر و"أغلب من الغلب نفسه"، من حيث الإمكانات، مع أنها كانت تحتل دائمًا رقم (1) في نسبة الاستماع إليها، وما زلت أذكر في فترة من الفترات كانوا على وشك اغتيالها، تحت ادِّعاء "تجفيف منابع الإرهاب"؛ حيث كانوا سيقصرون عملها على إذاعة تلاوة القرآن الكريم فقط، دون موضوعات اجتماعية وشرعية، ونفسية، واقتصادية.. وغيرها.

 

وكم من تضييقات على من يريد السفر إلى الخارج، حتى ولو كان إلى حج أو عمرة، أو مؤتمر خارجي؛ إذ لا بد من تعويقه إن لم يتم منعه.

 

ولا بد أن نتذكر أن رموزًا محترمةً عاليةً وقديرةً، كانت محرومةً من الظهور على شاشات التلفزيون المصري، وكذلك الإذاعة، وكم حرم ملايين من مشاهدة: فهمي هويدي والدكتور العوا والدكتور القرضاوي، والدكتور محمد عمارة، منذ عدة سنوات، وغيرهم كثيرون، فهل كان هؤلاء إرهابيين متطرفين؟!

 

أما ما كان يحدث للإخوان المسلمين، فحدِّث ولا حرج!! مما لا يحتاج منا إلى مزيد بيان، فهذا مشهور ومعلوم للكافة.

 

في مثل هذه الأجواء سوف يجنح كثيرون من ذوي النزعات الدينية الإسلامية إلى إيثار السلامة دون اقتناع، وإنما هو الخوف الطبيعي الذي جُبلت عليه الطبيعة الفطرية للإنسان، خاصةً في ظل نظام لم يحكمه العدل والقانون، وأن أي إنسان يمكن أن "يذهب في شربة ماء"، دون أن يستطيع "أخذ حق ولا باطل"!.

 

هذه الجموع المختلفة التي كُبتت وحوصرت وعُوقت وغُيبت؛ زُرعت في قلوبها مشاعر غيظ وضيق، ومشاعر ظلم والشعور بالاضطهاد، لا بد أن يكون من الطبيعي أن تلتمس لحظة تنفيس لتنفجر، كما هي الفكرة المعروفة عن الإناء الذي نتركه يغلي بما فيه، دون ترك منفذ للتنفيس، إلا ما ندر.

 

في المقابل، كان مشهد "المغايرين" مختلفًا؛ حيث حظوظ وافرة، فهم الذين يحصلون على جوائز الدولة، وهم الذين تقام لهم حفلات التكريم، وهم الذين يسافرون، بحرية على عكس غيرهم.

 

وكان هناك كتاب يكتبون الشعر والقصص، ويمكن أن يتناولوا فيها أدق الخصائص والعلاقات، بل ويمكن أن ينالوا من الذات الإلهية أو الرسل والأنبياء أو الصحابة، فإذا ارتفع صوت بالنقد لهم في هذا، سُلطت أقلام وأصوات بكثافة، في مختلف المنابر والمواقع؛ دفاعًا باسم الأدب، وباسم الفن، وحرية كل منهما في الإبداع.

 

أما الأفلام والمسلسلات فحدِّث عنها أيضًا ولا حرج، فتحت راية "التحرر" يتحول الأمر إلى "تحلل"، وما زلنا نذكر برنامجًا تلفزيونيًّا سموه "الجريئة"، وما كان يدور حوله من مسائل، معظمها نميمة وجنس، وكأن الجنس هو المحور المركزي للكون كله، دون أن تمارس مقدمة البرنامج ما سمته "جرأة"؛ للدفاع عن الفقراء والبائسين والمساكين، والهجوم على الظَّلَمة والقاهرين والمستبدين والفاسدين.

 

وحرص النظام منذ البداية على أن "يُسَكِّن" العدد الأكبر من المواقع الصحفية والإعلامية والثقافية والفكرية بالاتجاهات المغايرة للاتجاه الديني، وهو الأمر الذي بدت نتائجه واضحة في الأشهر الأخيرة، فما من مسألة تبرز على الساحة حتى تجد المدفعية الإعلامية الثقيلة تنطلق على كل القنوات والبرامج والإذاعات والصحف، تحمل حملةً عنيفةً على أي اتجاه له مسحة دينية.

 

ولعلنا نتذكر مثل هذه الحملات العنيفة التي سبقت الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس الماضي، ثم ما ملأ الساحة من مناقشات تكاد تصل إلى حد الاحتراب، معلنةً خوفها من الاحتمال الأكبر، أن يكون لتيار ديني أغلبية في البرلمان القادم فيكون له القول الفصل في الدستور، فقادوا حملات ضارية لمحاربة هذا.

 

ويمكن للمرء أن يتساءل: وماذا لو جاءت الممارسة الديمقراطية بتيار ديني؟ يقولون إنه سوف ينقضُّ على الديمقراطية، ليحاسبوا بهذا على النوايا! ألا يدعو هذا أيضًا أنصار التيار الديني إلى أن يخشوا- بالمنطق نفسه- لو جاء تيار مغاير للتيار الديني أن "يُحَجّم هذا الثاني ويحاربه ويُضيّق عليه؟!".

 

بل إن البعض صرَّح علانيةً أن الانتخابات الديمقراطية أحيانًا ما تجيء بمن هم أعداء للديمقراطية، ويستشهدون لذلك بالحزب النازي في ألمانيا في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي الذي جاء نتيجة مثل هذه الانتخابات، فإذا به ينقلب على الديمقراطية!.

 

وكما حدث لشرائح وفئات اجتماعية مختلفة، فخرجت تعتصم وتطالب بمطالب أسميناها "فئوية"، كان طبيعيًّا أن تخرج هذه الشرائح الدينية التي لم نكن على دراية بنموِّها، فإذا بها "جحافل" بمئات الألوف، تفوق كل هذه الائتلافات والأحزاب، التي استولت على قنوات التعبير عن الرأي، فيصاب هؤلاء بالرعب والخوف.

 

إن من حق أي مواطن أن يسعى إلى المشاركة في صناعة مستقبل وطنه فالوطن، وفقًا للمبادئ المدنية نفسها ملك للجميع، ولا بد أن نقدّر أن حجب هذه الفئات والشرائح المعبرة عن توجهات دينية، عشرات السنين، لا بد أن يُنتج خطابا يفتقد ما ينتجه طول الممارسة والعلانية والمشاركة من نضج وكياسة ورشد القول، وأدب تعامل، وأن الحكمة لا تقتضي الهجوم عليهم والتخويف منهم، ولا التحريض على إقصائهم، فكما قلنا كثيرًا موجهين الخطاب إلى جماعات العنف، والتطرف، بضرورة التسامح وتقبل الآخر، والجدال بالتي هي أحسن، وأن الاختلاف من سنن الكون والاجتماع البشري، فلنقل لأنفسنا الآن مثل هذا، عندما تواجهنا هذه الجموع الحاشدة من الرافعين للشعارات الدينية.

 

لقد قبلنا منذ عام 1979م التعامل مع العدو الصهيوني، الذي تصطخب ساحته بالعديد من الجماعات الدينية، والتي بلغت في التطرف مدى لم تبلغه جماعة في مصر، فلم لا نجرب حسن التقبل والتعامل مع مثل هذه الجماعات من أبناء وطننا؟!