من حق الناس أن تقلق على مصير الوطن بعد الأحداث الدامية التي شهدتها القاهرة مساء الأحد الماضي والصدام المسلح بين المتظاهرين الأقباط وقوات الجيش والشرطة والذي راح ضحيته عشرات القتلى والمصابين من الجانبين.

 

ومن واجب السلطة الحاكمة أن تكشف سريعًا ملابسات تلك الأحداث والجناة المتسببين فيها، وأن تحاسبهم بحزم، درءًا للفتنة وحفاظًا على هيبة الدولة وتماسكها.

 

لقد كنت شاهدًا عصر الأحد الماضي على المظاهرة القادمة من شبرا، حيث توقف المتظاهرون لبعض الوقت أمام مبنى جريدة (الأهرام) مرددين هتافات معادية للإعلام الفاسد كما وصفوه، ولكن الأمر لم يقتصر على هذه الهتافات المشروعة، بل تعداه لقذف الحجارة على زجاج المبنى، ومحاولة اقتحامه من قبل بعض المتظاهرين وهو ما تصدى له فريق آخر من المتظاهرين أيضًا، وقيام بعض المتظاهرين بتمزيق لافتات المرشحين لنقابة الصحفيين، وانتهى اليوم بصدامات دامية أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى عند مداخل ماسبيرو حين انتصر المتطرفون على المعتدلين في قيادة تلك المظاهرات، إذ كان رأي البعض أن يقتصر اليوم على مجرد التظاهر والتعبير عن الاحتجاج بطريقة سلمية ثم العودة إلى المنازل بينما كان رأي فريق متعصب الاعتصام أمام ماسبيرو في تكرار لتجربة الاعتصام السابق حتى تتحقق كل الأهداف، وهي أهداف مرنة تتسع يومًا بعد يوم بما يجعل تحقيقها ضربًا من الخيال.

 

لا تزال حالة الاحتقان لدى الأقباط قائمة، وفي المقابل هناك روح انتقامية متنامية لدى بعض البسطاء المسلمين، ولو سمحنا لهذه الروح وتلك بالاستمرار فإننا سنخسر الوطن، وحسنًا فعلت القيادات الإسلامية الرسمية ممثلة في الأزهر والشعبية ممثلة في الإخوان المسلمين والسلفيين والجماعة الإسلامية التي دعت أتباعها للهدوء وعدم الانجرار وراء دعاوى الفتنة، وحسنًا فعلت قيادة الكنائس المصرية بدعوتها للتهدئة ووقف المظاهرات.

 

ورغم مشروعية القلق على الوطن فإن التفاؤل مطلوب أيضًا، وله ما يسنده من الواقع، فقد كان مثل هذا القلق قائمًا إبان جريمة كنيسة القديسين قبيل الثورة، وكنا نظن أن الوطن على حافة حرب أهلية، وتكرر الأمر عقب الثورة مباشرة في نهاية مارس الماضي بهدم واجهة كنيسة "صول" في أطفيح، وما صاحبها من مظاهرات وقطع طرق في القاهرة وقتل وإصابة العديدين أيضًا، ثم جاءت أحداث كنيسة إمبابة وما صاحبها من مظاهرات وقتلى، ثم ما حدث في أبو قرقاص وقتلاها، ورغم شناعة كل تلك الأحداث المفجعة فإن الشعب المصري تمكَّن من عبورها، محافظًا على وحدته وسيادته، والمؤكد أن العبور من تلك الأزمات الكبرى بعد الثورة وفَّر مناعة كافية لمواجهة الفتن، فكما يقولون "إن الضربة التي لا تميتني تقويني".

 

نحمد الله أن خرجت مصر سليمة معافاة من كل الأزمات الطائفية السابقة، وندعوه أن يخرجها سالمة من أزمتها الحالية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "مصر كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصمه الله".