من المفارقات التي تعيشها الأمة العربية تحت حكم الطغاة الذين حسبوا أنفسهم آلهة، أنهم لا يؤمنون أن هناك نهايةً لكلِّ حي، وأن هناك يومًا تتقلب فيه الأبصار، وأن هناك حسابًا عسيرًا ينتظر كل من وصلته دعوة الإسلام، ولم يعمل بفحواها الذي يشمل العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.

 

الطغاة العرب لا يضعون في حسبانهم أن لهم شعوبًا حيةً لها مطالب واحتياجات، ولهم حقوق وكرامات، ويتجاهلون أن الناس في بلادهم بشر مثلهم لهم عقول وقلوب وأفئدة، ومشاعر وأحاسيس وعواطف، لذا يتمادى هؤلاء الطغاة في طغيانهم ويصرون على أن الأرض ومن عليها ملك لهم، وإقطاعية خاصة لا شأن لأحد بها.

 

العقيد القذافي حكم ليبيا أكثر من أربعين عامًا، وعدّ نفسه ملك الملوك وعميد الحكام العرب، وأمين الأمة العربية، وأقدم حكام إفريقيا وآسيا، وصاحب الكتاب الأخضر الذي رفعه فوق مرتبة القرآن، وفرض على أبواقه أن تشيد به وتسبح بحمده ليل نهار، وبعثر ثروة ليبيا يمينًا وشمالاً وفي كل مكان إلا ليبيا التي عاش شعبها وناسها يتضورون فقرًا وجوعًا وتخلفًا، مع أن ثروات بلادهم كان من الممكن أن تحولهم إلى قطعة من سويسرا بل أفضل منها، ولكن سويسرا كانت قبلة الأموال الليبية المنهوبة ومستودعًا لها، لكي يستخدمها العقيد وأولاده في المؤامرات والمغامرات والاحتفالات الأسطورية والمتع الخاصة، واستيراد الفتيات الحارسات، والترويج للكتاب الأخضر!

 

وحين نهض الشعب الليبي يطالب بحقوقه لم يملك العقيد الليبي إلا أن يصف مواطنيه بالجرذان والقمل والحشرات، وتوعدهم بالقتل "دار دار، بيت بيت، زنقة زنقه"، وصدق في وعيده فاستخدم الطائرات والصواريخ والمدفعية والدبابات والمصفحات والرشاشات والرصاص الحي، وكانت نتيجة الوعيد أكثر من خمسين ألف قتيل، عدا الجرحى والمصابين وتدمير المؤسسات والمنشآت الحيوية وشركات النفط مصدر العملة الصعبة.

 

وفي أثناء ذلك كان يرسل رسائل الغزل إلى الغرب الاستعماري الذي شارك في دحره وإسقاطه بأنه يحارب المتشددين المتطرفين المنتمين إلى القاعدة، أي بلغة أخرى يخبرهم أنه يحارب الإسلام كي يكسب تعاطف العواصم الاستعمارية، ولما لم يجد استجابة فورية- لأنهم وجدوا مصالحهم في إسقاطه وذهابه- راح يصفهم بالصليبيين ويتوعدهم بالهزيمة.

 

وكانت النهاية أنه فرَّ مذعورًا من طرابلس، وترك قصوره الشامخة وخيامه الباذخة، وقنواته الفضائية التي كانت تؤلهه من دون الله، وهام على وجهه دون أن يستطيع الإعلان عن مكان وجوده، محتميًا ببعض الفلول من المرتزقة والمحاربين المأجورين، ولكن الشعب يلاحقه ومن كان يسميهم بالجرذان والقمل والحشرات يطاردونه في كل مكان يحتمي به، والناتو من الجو يقصف ما تبقى من منشآت ومؤسسات يعتمد عليها العقيد في المقاومة قبل النفس الأخير!

 

وعلى الدرب نفسه يمضي العقيد الآخر الذي يبدو أكثر دهاء ومراوغة، أعني العقيد علي عبد الله صالح، حاكم اليمن منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وهو الرجل الذي مكن أهله وذويه من مؤسسات الجيش والحكم والمؤسسات العامة، وعد اليمن عزبة لا ينازعه فيها أحد، وتصور أنه بوعوده الزائفة، واقتراحاته المضللة يمكنه أن يضحك على الشعب اليمني الشامخ الذي تنسب إليه الحكمة "الحكمة يمانية".

 

لقد انتفض الشعب اليمني وثار من أجل الإصلاح والتغيير، لكنه لم يستجب، وكالعادة اتهم المتطرفين والمتشددين وتنظيم القاعدة الذي يهدد اليمن والمنطقة، مرسلاً إشارة إلى الغرب وأمريكا كي ينقذوه من الثورة الشعبية، وكرر إرسال الإشارة إلى دول الجوار بأن الثورة ستمضي في طريقها إليهم إذا لم يوقفوها في اليمن السعيد.

 

وكلما ضاقت الحلقة عليه لجأ إلى خديعة جديدة يخدع بها شعبه ومن يتصورون أنهم يقومون بأدوار الوساطة، والتفاوض، والاتفاقيات، ويسمع الناس عن مبادرة هنا ومبادرة هناك، ولكن النتيجة دائمًا سلبية تمدد في أجل نظامه!

 

وفي خلال ما يقدمه من حيل ماكرة تقوم قواته التي يقودها أبناؤه بضرب الشعب اليمني، وقتل من تستطيع، وكلما نضب السلاح وجد من بعض الدول المستفيدة من يزوده بغيره، ويزوده بالمال الذي يشتري به الأنصار ومن يهتفون له ويسبحون بحمده، ولكنه مع ذلك لم يسلم من النار التي يلعب بها، فبعد قصفه لآل الأحمر وإنزال خسائر بشرية فادحة بهم، تم تفجير المسجد الذي يصلي به مع بطانته يوم جمعة، فقتل من قتل، وأصيب من أصيب، وكان نصيبه هو أن احترق وتفحم جلده، ونقل إلى الرياض مع البطانة المصابة، وقد عولج بأحدث وسائل العلاج وأفضل الأطباء والمعالجين، وعاش ليكون عبرة لمن يعتبر، وصدق الله إذ يقول: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)) (يونس: 92).

 

وللأسف فإن الرجل يظن أنه يضحك على الشعب اليمني حين يتحدث اليوم عن الشرعية، وضرورة الانتخابات الرئاسية في موعدها، مثلما كان يضحك على نفسه ويقول للناس: "فاتكم القطار.. فاتكم القطار". أين هي الشرعية؟ هل هي الحكم بالحديد والنار وتزوير الانتخابات؟
إنه يتصور نفسه سيظل حيًّا إلى الأبد، ونسي أن الموت أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، ثم إن احتراقه كما يقول الأطباء هو موت بطيء؛ لأن الحريق سم يقتل المحترق على مدى غير طويل، ومع ذلك فصاحب الفخامة الأخ العقيد ما زال ينتظر أن يعود إلى صنعاء ويمارس سلطاته، مدعومًا بأمريكا والغرب، وأصدقائه في بعض العواصم العربية! ونسي أن الشعب اليمني ذاق طعم الشهادة وأسقط الخوف، وأظنه لن يتراجع عن موقفه، ولن يفرط في حريته وكرامته وشرفه وحقوقه الإنسانية التي تتمتع بها شعوب الأرض، ولا بأس عليه أن يتحمل مزيدًا من قطع الكهرباء والمياه ونقص الوقود، وأكاذيب الإعلام الرسمي وتأييد المنافقين، ودماء أعداد أخرى من الشهداء والمصابين ليصل إلى شاطئ الحرية!

 

أما الأخ القائد في دمشق العمرية، فقد تحول من أسد واحد إلى مجموعات من كتائب الأسود تنهش لحم الشعب السوري وتسيل دماءه يوميًّا في وجبات يصل بعضها إلى خمسين شهيدًا في بعض الأيام، وتقاتل عصابات الأسد بمختلف أدوات القتال الميداني: الطائرات والمدافع والدبابات والمدرعات، وتمارس إذلال الأسرى من الشعب السوري بصورة لا يصنعها إلا عدو محتل غاصب، ليس أبسطها وضع الأحذية فوق رءوس الأسرى المساكين، ولا التعذيب الذي يعبر عن وحشية آدمية غير مسبوقة، وإنما يمتد الإذلال إلى تعذيب الأطفال والنساء حتى الموت والتمثيل بجثثهم في مشاهد كانت مقصورة على آكلي لحوم البشر!

 

الأسد الهصور الذي لم يطلق رصاصة واحدة ضد الغزاة النازيين اليهود الذين يحتلون الجولان، ويدعي أنه يقود المقاومة والممانعة، ويستعين بكوادر من حزب الله وإيران وحركة أمل ليخمد ثورة شعبه الذي لم يعد يخافه، ولا يخشى الموت في سبيل الله والوطن والحرية والكرامة، وتعلن أبواقه أن الشعب الأعزل الذي يهتف بإسقاط النظام عبارة عن مجموعات من الإرهابيين, أعضاء في تنظيم القاعدة، ويقتلون الجيش وقوات الأمن، والعالم كله يرى عشرات الألوف يخرجون في شتى أرجاء سورية، بصدورهم العارية يواجهون الموت والرصاص والقذائف ولا يتراجعون، فهل هؤلاء عصابات من المتمردين كما تنطق أبواق النظام من خلال "المعلم"، و"بثينة" ومرتزقة لبنان فضلاً عن التلفزيون السوري الذي لا يتوقف عن ترديد الأكاذيب دون خجل!

 

الأسد الهصور الذي يفتك بشعبه يلعب لعبة علي عبد الله صالح ويتحدث عن الحوار، وإلغاء قانون الطوارئ، بينما دباباته تسحق الشعب الأسير، الذي يخرج تلاميذ المدارس ليعلن أنه لا مدارس ولا تدريس حتى يسقط الرئيس!

 

مشكلة هؤلاء الطغاة من أمثال العقيد الهارب، والعقيد المحترق والأسد الهصور أنهم أميون، ولا يعرفون قراءة التاريخ ولا يفهمون الجغرافيا، ويصدقون المنافقين الذين يلتفون حولهم ويزينون لهم الجريمة المنظمة ضد شعوبهم فيسرقون الثروات والحريات، ويحاربون الإسلام والناس، ويظنون أنهم يحسنون صنعًا.

 

لقد لجئوا إلى وسائل خسيسة متشابهة لمقاومة الربيع العربي: استخدام السلاح والقتلة المأجورين (مرتزقة أفارقة، وبلاطجة، وشبيحة)، وغازلوا الغرب بأن الثوار متطرفون إسلاميون ومن تنظيم القاعدة، وشوشوا على القنوات التلفزيونية التي تنقل الأحداث بصدق بعد أن منعوها من الدخول لمتابعة ما يجري، ودفعوا أموالاً لأبواق تقف إلى جانبهم، ولكن هل يستطيعون الإفلات؟ لقد سقط القذافي وسيسقط غيره، وستضع الشعوب إرادتها فوق إرادة الطغاة، وسيقول الناس لهؤلاء الفراعنة: فاتكم القطار!