هناك هدف أسمى تسعى إليه مصر منذ ثورة 25 يناير وهو بناء نظام ديمقراطي يعوض كل سلبيات نظام مبارك الذي اتسم بأعلى درجات التفريط في حقوق مصر والمصريين، وكان الوصول إلى هذا الهدف سهلاً منظورًا بعد يوم 11 فبراير الذي بدا وكأن طريق مصر إلى المستقبل صار مفتوحًا وممهدًا، طاقته هي حماس الشعب وتفاؤله بالعهد الجديد، ولكن المرحلة التي بدأت يوم 12 فبراير وحتى الآن والتي أطلق عليها المرحلة الانتقالية أي المرحلة الفاصلة بين نظام قديم ونظام جديد لم تكن بالشكل الذي كان يُؤمَّل أن تكون عليه، وأن تعد مصر كل يوم لجديد صوب نظامها المأمول، ودون دخول في التفاصيل، فإن هذه المرحلة وما حدث فيها أدخلت الشعب المصري في دوامة يغلب عليه فيها الرجاء مع انحسار الأمل بعيدًا عما كان يسعى إليه، فانقسم المصريون إلى شيع كلما ألقيت في الساحة "مانشت"، أما في خلفية الصورة، فقد كان الشحن الطائفي عقب أحداث محلها الكنائس والأقباط سمة دائمة بعد أن ظن الناس أن مصر للجميع، وهذا صحيح، ولكن المؤامرة تأبى إلا أن تؤكد أن مصر لأعداء مصر، وساعد على ذلك أن ما كان يجب أن يتم لتمهيد الطريق لم يحدث، بل صارت مصر ساحة مفتوحة لكل المؤامرات، واكتفت السلطة في مصر في كل مناسبة بأن تصب لعنتها على المؤامرة الخارجية والثورة المضادة، كما اتهمت دولاً وشخصيات بأنها تلعب في الساحة المصرية دون أن تسمي هذه الدول أو الشخصيات واتسم أداء الحكومة بالفتور والتناقض وعدم التركيز على الأولويات التي تعد صلب المشكلة وهي بذاتها التي تمنع المجتمع المصري عن المضي في طريق الديمقراطية.

 

التحدي الأول هو بروز النظام السابق بكلِّ مكوناته والذي لم يغادر مكانه، وسعيه إلى الدخول في الساحة الفكرية والإعلامية والسياسية والبرلمانية، وساعده على ذلك تراخي المحاكمات، وتردد الحكومة في إجراء عزل سياسي واضح بقرارات حازمة، رغم أنها اتهمت فلول النظام أكثر من مرة بأنها ضالعة في المؤامرات وتكدير الأمن العام، وإطلاق البلطجية وزعزعة الطريق إلى المستقبل.

 

هذا التحدي هو العقبة الأساسية، ويبدو أن المجلس العسكري ليس مقتنعًا بتصفية النظام السابق؛ خاصة أن شريحة من هذه التصفية تتضمن عزلهم، ومحاكمة من أجرم منهم ومصادرة سرقاتهم وفتح عقود هذه السرقات في الأرض والمال والمزيد من إذلالهم، وهم يرون صرحًا جديدًا لمصر السعيدة يرتفع بإرادة الشعب التي تهددهم.

 

إن تردد المجلس العسكري في تصفية النظام السابق سوف يؤدي إلى استحالة الجمع بين القديم والجديد؛ لأن القديم حكم مصر ثلاثين عامًا وأدرك أبعاد جرائمه، فلما وجد رخاوة في مواجهته كبر عليه أن يخضع لثورة بلا أسنان ولا أنياب وطمع في عطف المجلس العسكري، ويحاول النظام القديم الظهور بكلِّ فجور، وكأنه يطلب منا اعتذارًا لما أحدثته الثورة فيه من اضطراب.

 

والسؤال: مَن أحق بمصر؟.. نظام قديم سمح له لمدة ثلاثة عقود أن يدمر مصر، وكان لديه برنامج الاستمرار لمستقبل يقضي فيه على ما تبقى منها، أم مصر الأخرى التي كانت ضحية مصر النظام القديم والتي تريد أن تستدرك ما فات وتحقق للمصريين ما حرموا منه طيلة عقود وأهمها الكرامة والكفاية والعدل والاستقلال الوطني عن معاول تدمير السيادة الوطنية وتدمير مصر كلها؟!.. لا يمكن أن تتقدم مصر خطوة واحدة ما دام النظام السابق مصرٌّ على استئناف تدمير مصر رغم كل ما تكشف عن فساده وعلاقاته بإسرائيل.

 

التحدي الثاني هو الأمن، فقد سقطت الشرطة في المواجهة الدامية مع الشعب يوم 28 يناير 2011م، وحاولت أن تنتقم من الشعب بالرغم من أنها كانت أسنان النظام القاهر الفاسد، وكان عليها أن تعي هذا الدرس الإلهي فتعود إلى الرشد وتستغفر الله على ما قدمته ضد هذا الشعب.. لا بد من منظومة أمنية متكاملة تقوم على أساس أن الشعب هو مصدر الحقوق والسلطات، وأن الحكم بالغ للشعب، وأن الشرطة في خدمة هذا الشعب قولاً وفعلاً، وهل يعقل أن النظام الحالي فشل في حل هذه الإشكالية، أم أنه لا يزال يرى أن الزمن كفيل بنسيان المواجهة؟ المشكلة هي أن الشعب لن ينسى أن بعض عناصر الأمن القديم يتحالف مع نظام مبارك لإعاقة مسيرة المصريين.

 

لقد أعلن رموز النظام عن تشكيل أحزاب تحل محل الحزب المنحل، وهذا باطل قانونًا، كلما أعلنوا حقهم في الترشيح للانتخابات ما لم يصدر حكم قضائي يحرمهم من ذلك، وهذا غير صحيح؛ لأن الأصل هو حرمانهم، ولكن ذلك يتطلب قرارًا إداريًّا لم تقو الحكومة حتى الآن على اتخاذه.

 

النظام القديم وأدواته وانعدام الأمن وتراخي الحكومة هو أهم تحديات إنشاء النظام الديمقراطي.

 

التحدي الثالث هو تقاعس الحكومة عن تحقيق أي قدر من العدالة الاجتماعية لتخفيف وطأة الحياة عن المواطنين ومكافحة الفساد؛ بل إن المواطن يشعر أن النظام القديم لا يزال قائمًا تقريبًا سوى شخوصه الكريهة المستنفرة التي كانت تطل علينا صباح مساء في بلد هم أسيادها ونحن عبيدها.

 

نريد أن نكون أسياد مصر الجديدة، وألا يكون لهم دور في تخريبها ما دامت ضمائرهم ميتة في الماضي والحاضر؛ بل لا يدركون أنهم أفسدوا وربما يرون أنهم أحسنوا صنعًا ولكن الشعب ناكر لجميلهم.

 

ارتفاع تكاليف الحياة وشيوع المحسوبية والرشوة يغري بتزوير إرادة الناخب، ما دامت أدوات الإغواء موجودة كما كانت قبل الثورة.

 

فإذا كانت الانتخابات هي وسيلة العبور إلى الديمقراطية فإن هذه الانتخابات مهددة بأربعة مخاطر: الأول هو الغواية والرشوة المعنوية، والثاني هو ضعف الوعي، والثالث هو انعدام الأمن، والرابع توغُّل النظام القديم مرة أخرى.

 

التحدي الرابع، هو العمود الفقري لمصر وهو اشتعال الفتنة الطائفية، ما حدث في ماسبيرو ليس فتنة طائفية؛ لأن الفتنة الطائفية تعني الصراع بين أبناء الوطن بسبب الدين أو العقيدة، وهذا ما لم يحدث، ولم يحدث أصلاً إلا من تداعيات معروفة، وتحصين المجتمع ضد هذا الداء يتطلب أربعة ضمانات هي: الوعي بدور الدين في المجتمع، وأن التفاضل بين الناس أساسه خدمة الوطن وليس الانتماء إلى دين أو عقيدة معينة، والضمانة الثانية هي الأمن، والثالثة هي العزل والتطهير، والرابعة هي إصرار الناس على انتزاع حقهم في المستقبل عن طريق صندوق الانتخاب.