عندما يدرك المرء أهمية غيره، ويحاول جاهدًا أن يكون شغله الشاغل كشف النقاب عن هذه الحقيقة، ونشر عطرها الفواح بجميع الأرجاء؛ ليحقق من خلال ذلك نتيجتين واضحتين كانتا الهدف الرئيسي له، ويحقق أيضًا نتيجة غير مرئية بالنسبة له، وغير محسوبة في جدول اهتماماته فلم تكن غايته ولم تشغل باله، يصبح هذا المرء مجاهدًا صادق الجهاد ويصبح هذا المرء هو شيخنا الجليل المستشار عبد الله العقيل.

 

ونعود إلى الثلاث نتائج التي كانت طبيعية الحدوث لسلسلة أعماله الخالدة عن أعلام الدعاة في الحركة الإسلامية المعاصرة، ليس في مصر فقط ولا في العالم العربي وحده، بل تخطت حدود ذلك.

 

أما النتيجتان الظاهرتان اللتان كانتا الهدف الرئيسي لشيخنا فهما:

- إعطاء كل ذي حق حقه في شهادات صادقة محايدة.

- تعريف الأمة مثقفيها وعوامها برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

 

وللأسف كان لدى البعض منا صورة مشوهة لهم أو مغلوطة عنهم أو ناقصة تمامًا؛ بل إن الكثيرين يجهلونهم لانشغالهم بالطلاء البراق الزائف لبعض الملمعين عمدًا من أعداء الأمة ومنافقيها.

 

أما النتيجة الثالثة التي لم تكن في حسبان عبد الله العقيل، هي أنه أصبح من أهم الدعاة في الحركة الإسلامية، فبحديثه عن هؤلاء العظام المجاهدين المخلصين جعله أحدهم، بل ربما يسبقهم درجة، فإن كانوا جندوا حياتهم ووهبوا أوقاتهم وأموالهم للأمة دفاعًا عنها ودفعًا لها، فقد وهب حياته وقلمه لهم، والتعريف بهم، والدفاع عنهم، وهنا تكمن الجائزة الربانية للإخلاص، فقد حفر شيخنا الجليل اسمه بحروف من رياض الجنة وأريجها الفواح وطيورها المغردة في قلوب الناس وعقولهم والتاريخ بتلك السلسلة الفريدة في تصنيفها وبلاغتها، فما بالك ببقية كتبه وكتاباته.

 

وأود أن اقتطف زهرات يانعات من هذه الموسوعة الرائعة؛ لأقف على فحواها متأملاً ومتدبرًا معانيها.

 

يقول شيخنا الجليل في المقدمة:

"وهذا الذي أقوم به هو بعض الوفاء لحق هؤلاء الإخوة الكرام وواجب من واجبات الدعوة وتعريف بذلك الجيل الطاهر والنموذج الفريد من رجالات الإسلام".

 

أرأيتم نبل المقصد، وإخلاص الغاية، والبحث عن الحقيقة، والعمل على إشراق شمسها في نفوس الأجيال القادمة علَّها تهتدي بهداها.

 

إن عبد الله العقيل عالم واعٍ لما يقول ويفعل، تأملوا منهجه في الكتابة عن هؤلاء العمالقة يقول:

 "لا أكتب إلا عن معاصر التقيته، وأن يكون متوفى، لا أكتب عن الأحياء فالحي لا تؤمن فتنته، وأن يكون من دعاة الإسلام العاملين، ورجال الحركة الإسلامية المجاهدين؛ لأن العلم وحده دون عمل به ودعوة الناس إليه لا يجدي، فلسنا في حاجة إلى معاجم متحركة؛ بل نحن في حاجة إلى رجال يعيشون الإسلام، ويعملون له، ويستشهدون في سبيله".

 

يا الله.. يا الله.. هذا قول يحتاج إلى صفحات للوقوف عليه، لقد أتى شيخنا بخلاصة القول والعمل أيضًا.

 

وفي الحقيقة أن شيخنا الجليل قال في المقدمة أيضًا إنه لم يلتزم في ترتيب الكتاب أية نمط، ولا يعني التقديم والتأخير عنده أي شيء، إلا أن بداية الكتاب بالداعية المربي عمر التلمساني- رحمه الله- يجد في نفسي هوى، فكم أحب هذا الرجل الذي لم ألتقه، لكني ما سمعت أحدًا يتحدث عنه إلا وأشاد به، وقدره، وأجلَّه، ومما سمعت وقرأت أكاد أجزم بأن عهد التلمساني هو عهد إحياء الدعوة الصحيحة النقية، وهي المرحلة الثانية والهامة جدًّا بعد مرحلة البناء على يد الإمام الشهيد حسن البنا فكان البدء بالتلمساني ترتيبًا ربانيًّا.

 

ومما يشد انتباهك أن صفات الدعاة المخلصين تتشابه، حتى إنها تتوحد وتصبح شرطًا هامًّا من شروط التلقيب بالداعية المصلح، فجميعها ما بين الزهد والحياء والصبر وحلو الحديث والقبول والابتلاء والشدة في الحق، لا يزحزحهم عنه حب الدنيا ولا جور جائر، وهذا كله يأخذنا إلى الإخلاص.

 

وأيضًا من الصفات المشتركة بين هؤلاء هو عدم وجود البديل الكفء على القوة نفسها إلا أن يشاء الله وجوده، وهذا تحقيق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يعجل بخياركم"، وهذا ما عبر عنه الشاعر الكبير د. محمد محمود حسين في قصيدته رثاء العلماء قائلاً:

إلى قدر الإله هم السوابق     لأنهم الخيار من الخلائق

وأفضل ما يوصف به هؤلاء الأفذاذ ما قاله عبد الله العقيل نفسه في وصفه لهارون المجددي:

"وكان مثال المسلم الصادق والمجاهد العامل بصمته الذي يحب أن يرى أثره ولا يعرف شخصه".

 

ومما يميز الكتاب الفريد، نقل شيخنا الجليل أهم أقوال المخلصين من الدعاة وهي بمثابة خريطة طريق للحياة الصحيحة السعيدة، التي يرضاها الله ورسوله للمسلمين، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول المجاهد محمد الناصر:

"الإسلام طريق حياة للفرد والمجتمع والدولة، يقف ضد استبداد الإنسان بأخيه الإنسان، والإسلام يؤمن الأسس السليمة للدولة الحرة والهدف لم يتحقق قط إذا لم يكن لدى المسلمين الشجاعة للجهاد من أجل الحرية".

 

تأملوا أيها القراء الكرام، ما أحوجنا إلى هذه الكلمات وفقهها بعد ثورة 25 يناير والثورات العربية المتلاحقة.

 

وأراني أردد مع أبي الأحرار محمد الزبيري لعل أهله في اليمن السعيد يسمعون:

علت بروحي هموم الشعب وارتفعت بها إلى فوق ما كنت أبغيه

وحولتني الملايين التي قتلت حق القصاص على الجلاد أمضيه

أحارب الظلم مهما كان طابعه البراق أو كيفما كانت أساميه

جبين جنكيز تحت السوط أجلده ولحم نيرون بالسفود أشويه

 

وها أنا أقف مشدوهًا متمعنًا قول محمد عبد الحليم الشيخ:

"والدين كذلك حاجة نفسية، فطر عليها الإنسان، ولو خلينا بين الإنسان وفطرته، وأزلنا الحواجز والعقبات عن طريق طاقاته الخيرية، فلن تجد هناك ما يرضي طموحه الروحي والعقلي إلا الإيمان".

 

أراني لا بد أن أتوقف حتى لا أشق على نفسي بما تهوى، فتصبح أسيرة لهواها، وتقضي عمرها بين دفتي موسوعة شيخنا الجليل التي أعجز عن تثمينها، فهي كنز كبير وهام، توج الحركة الإسلامية المعاصرة بواحد من أهم الكتب في تاريخها، ببساطة أسلوبه وإخلاص مقصده وتعدد فوائده، فجزى الله شيخنا عبد الله العقيل كل خير عنا، وبارك لنا في قلبه وعمره وعقله وقلمه.

والله من وراء القصد.