ينبغي التنبيه إلى أن ما حدث في ماسبيرو ووسط البلد من أحداث مؤسفة تفوق ما يمكن أن يُسمَّى باسم اللعب بالنار، إن بإمكان أي مشاهد للأحداث وملابساتها أن يدرك أنها جاءت في المكان الغلط، وفي التوقيت الغلط، وفي السياق الغلط، وأن أقل وصف يمكن أن توصف به أنها جاءت خيانةً للوطنية المصرية، وخيانة لأخلاقيات الانتماء لهذه الأرض وتنكرًا بذيئًا لتاريخ طويل من التسامح الإسلامي.

 

من تابع أحداث ماسبيرو وسقوط عدد كبير من القتلى وإصابة المئات من شباب الوطن لا بدَّ أن يتيقن أن هناك أصابع خفية وراء عمليات زرع الفتنة الطائفية في مصر استغلت حادثة قرية المريناب فراحت تصبّ الزيت على النار، وتحول كل شيء إلي قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، لتحقيق مصالحها الشيطانية تنفيذًا لأجندة خارجية لتشويه صورة مصر أمام الرأي العام العالمي.

 

ومما ينبغي تأكيده أن موضوع قرية المريناب حادث عادي يحدث في كل العالم، وأن الصراع بين المسلمين والمسيحيين ليس له علاقة بالدين، وإنما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتدنية وغياب المشروع القومي هي السبب الذي يؤدي إلى ارتكاب الجريمة داخل كل الأديان..وإن ما يحدث في الوقت الراهن بين المسلمين والمسيحيين هو عبارة عن آلام داخل جسد مريض كان  يعاني الفقر والتبعية السياسية والاقتصادية، وأن لعبة إشعال الفتنة الطائفية قديمة كان يمارسها الاحتلال الإنجليزي والفرنسي في مصر أيام الاستعمار لتحقيق مصالح خاصة.

 

إننا أمام حدث خطير ومهم يستوجب النظر إليه بعمق وبعناية حتى لا يتكرر، يستوجب تحرك المؤسسات الدينية بالدعوة إلى تأمين الوطن وتعميق السلام وتضامن كل القوى ليس الأمن وحده، بل كل المؤسسات لتصفية جيوب التطرف والعنف، والعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية لملاحقة أي تطرف في المجتمع وتكاتف كل الجهود المدنية والدينية من أجل تحقيق السلام الاجتماعي.

 

لا بدَّ أن يعلم الجميع أن هناك تحذيرات شديدة وضعها الرسول لِمَن يمس أي نصراني؛ حيث قال: "من آذي أحدًا من أهل ذمتي فأنا خصيمه يوم القيامة".

 

ليس ذلك فقط بل تعامل الإسلام مع أهل الذمة معاملة حسنة قائمة على المساواة بين اليهود والنصارى والمسلمين، وهذا ما أرسته وثيقة المدينة وما احتوته من قوانين، وأول من أعطى حق المواطنة وطبقها هو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث أعد وثيقة المدينة التي أسست أول قانون للمواطنة وحقوق الإنسان؛ حيث جعل لأهل الذمة من اليهود والمسيحيين دينهم، دون أدنى تفرقة بينهم وبين المسلمين، بل وأعطى أيضًا لأهل الذمة حق النصرة، كما للمسلمين، وكان نظام الحكم يقام على "الإمبراطوريات" وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يجعل المواطنين جميعهم سواء ولم يفرض عليهم أي رسوم ولا أي جزية؛ لأنهم كانوا يشتركون في الدفاع عن الدولة، كما نهى الإسلام عن إيقاظ الفتن أو بثها بين المسلمين وغيرهم ورفض من يتعامل بالعصبية أو التمييز وجعله "ملعونًا".

 

في الفترة الراهنة هناك العديد من الرسائل التي تعمل على تمزيق صف مصر، وهناك من ضعاف النفوس، ممن يسمون بأقباط المهجر الذين يستقوون بالخارج، وما يقال عن اضطهاد للأقباط غير صحيح لأننا جميعًا في مجتمع واحد نعاني مشاكل واحدة تغيب عنها العدالة في بعض الأحيان، مما أدى إلى كثير من الفساد.

 

لا توجد أي ضغائن بين المسلمين والأقباط في مصر، كما أن أحكام الشريعة الإسلامية تؤثم من يؤذي مسيحيًّا بل وتعتبره كبيرة من الكبائر.

 

إن مصر لا تعرف إلا الوحدة الوطنية، وليس الدستور وحده الذي يقول ذلك؛ ولكن التاريخ أيضًا، فكيف وقف المسيحيون والمسلمون مع بعضهم محققين انتصارات هذا البلد في ثورة 1919م وحرب أكتوبر عام 1973م وخلافه، وإن ما يحدث بين المسلمين والمسيحيين من محاولات إشعال الفتنة الطائفية يرتبط بظروف سياسية واقتصادية تمر بها البلاد، وإن أعداء الخارج يحاولون من خلال هذه الورقة الضغط على القيادة السياسية.

 

وهناك ثقافة واردة من الخارج حاليًّا في مصر وهي ثقافة الكراهية بين المسلمين والمسيحيين، وهذه الأحداث تدل على أن هذا المخطط يسير في طريقه، وهناك قوة خارجية تقوم بعملية شحن طائفي تستغل الحوادث الفردية التي تقع بين مسلمين ومسيحيين لتحقيق مصالح ومآرب شخصية في الخارج، وبالتالي تعمل على تأجيج هذه الفتنة وسرعة انتشارها، وتعمل هذه القوة الخارجية على نشر رموز دينية تقلل ضمنًا من عقيدة الآخر.

 

بعض الإخوة المسيحيين أصبحوا يستمدون قوتهم من الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان العالمية وأقباط المهجر، وذلك ما أدى إلى الانقلاب الاجتماعي الذي لم يكن موجودًا من قبل إحساسًا منهم- على غير الحقيقة- أن حقوقهم غير مكتملة بل تضخيمًا لاعتقادهم بأنهم أصحاب مصر وأن المسلمين هم الذين غزوا بلادهم، والحقيقة أن الأقباط ليسوا مسيحيين بل الأقباط هم مصريون وهذا ما أكدته الكتب السماوية والإنجيل، ولا يمكن أن ننسى هاجر القبطية زوجة سيدنا إبراهيم والتي كانت قبل المسيحية واليهودية والإسلام.

 

إن تزايد أحداث الفتنة في مصر يمثل خطورة بالغة على الوطن، وذلك لأن الفتنة الطائفية مصطنعة وهناك أيدي خفية تعبث بمقدرات الوطن وتعمل دائمًا على تأجيج الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وذلك بهدف تشويه وجه مصر وإظهار أن الأقباط مضطهدين.

 

والغريب والعجيب أن ما حدث كان في قرية المريناب بمدينة إدفو بمحافظة أسوان، ولم يحدث بها ما حدث في تسع محافظات من محافظات مصر، بل اجتمع العقلاء من الطرفين وسووا الخلاف العارض سريعًا وعادوا إلى ممارسة حياتهم كما كانت من قبل.

 

كنت أتمنى ممن أثاروا الفتنة وأوقعوا القتلى أن يأتوا إلى المريناب ليقفوا على الحقيقة وليتيقنوا أن ما فعلوه أقل ما يوصف أنه من أفعال المجانين والخونة.

------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية بأسوان.