أثناء مظاهرات الثورة وفي أقل من أسبوعين حصد الجيش حبًّا جارفًا وشعبيةً طاغيةً، كلَّلها الثوار بالشعار العبقري الشهير: "الجيش والشعب إيد واحدة"، واستبشر الناس خيرًا؛ إذ وضعت مقاليد البلد بيد "المجلس العسكري"؛ ليعبر بنا المرحلة الانتقالية، وبدأ "العقد" الموقع بين الثورة و"قيادة الجيش" بتحية الشهيد التي أطلقها ممثل الجيش أمام الشاشة؛ لتدق القلوب فرحًا وتبتهج بقيادة عصر يكون المصري فيه هو سيد وطنه.
وانحاز الوطنيون جميعًا إلى مؤازرة "المجلس"، وتحملوا تباطؤ الإجراءات، واحتكم "الكبار" إلى التعقل والنصح بداعي صعوبة المرحلة، ولكن بوصلة الإحساس لدى الشباب تحركت بعنف لتوحي "بعدم الطمأنينة"، وكان رد فعل الشباب سريعًا بالرفض المطلق لأي تعطيل أو تحريف لمطالب الثورة.
وظل "الكبار" يراوحون الذهاب والإياب إلى "المجلس"؛ ليطمئنوا أن مانع تنفيذ المطالب خير وليس شرًّا.
ورويدًا رويدًا تدهشنا التصرفات، وتدهمنا القرارات الصادمة التي تزيد معسكر "الرافضين الثائرين"، وتضعف معسكر "الصابرين المتعقلين".
ثم تلبَّدت السماء بالغيوم والشكوك؛ بسبب ما حدث للشباب في "مظاهرة العباسية"، ومن بعدها حادث "السفارة" الصهيونية.. تلك الشكوك التي أيَّدت كون النظام البائد ما زال في أروقة الحكم، أما التوسع في فرض الطوارئ ثم "مصائب" قوانين مجلسي الشعب والشورى فقد أكدت أن "ترزية" قوانين مبارك ما زالوا يعملون بنفس طاقتهم في الخداع وتدمير العلاقة بين الشعب وقيادته.
ارتفعت الهتافات الصاخبة ضد المجلس العسكري وقائده، ورفضت القوى السياسية الكبرى أن تشارك في هذا الصخب، وانتظرت لحظة فارقة تعيد الثقة.. انتظرت شهادة "المشير"، وكانت الطامَّة كبرى؛ إذ أقر سيادته أن الرئيس المخلوع لم يأمر العسكر بالضرب، كما شهد بأنه لم يسمع أو يعلم أن ثمة تعليمات صدرت بهذا الشأن لوزارة الداخلية!.
وقال الناس: إذن.. لماذا تذكروننا دائمًا أنكم لم تضربوا الثوار بنيران الجيش؟ ولماذا تشعروننا أنكم "قررتم" ألا تكونوا مثل جيش ليبيا أو سوريا؟ هل معنى ذلك أنكم كنتم ستضربوننا- إذا حدث- بتعليمات داخلية من الجيش نفسه وليس من "مبارك"؟! أم أنه لا يحق لأحد بعد الآن أن يذكِّرنا بفضل الجيش في حماية الثورة؛ لأنه لم يتعرض لمحنة الصراع النفسي بين تعليمات الضرب من جهة وحرصه على الشعب من جهة أخرى؟ إذ لم يكن هنالك أمر أصلاً!.
من ناحية أخرى فقد سكت "المجلس" على القيادات التي ما زالت رابضةً في مواقعها في كل مؤسسات المحروسة، وأصرَّ على منحهم المهلة الكاملة لتوفيق أوضاعهم؛ لدرجة أنهم قاموا بتأسيس عشرة أحزاب، وتنظيم صفوفهم في انتخابات هيئات تدريس الجامعات، وتناقل النشطاء رائحة نشاط جديد "لأمن الدولة"؛ بغية استعادة موقعه القديم، ولا تحدثني عن خطة "نشر البلطجة", ونشر الرعب من مستقبل يقوده هؤلاء الثوار، ثم هل يذكر أحد أي مجهودات تبذل لاستعادة الأموال المنهوبة؟!
التصرفات والقوانين والقرارات الصادمة وشهادة السيد "المشير" ذهبت بشعبية "المجلس" إلى أدنى مدى، وتنادى بعض الثوار إلى مليونية 30/9 بمطالبهم المعروفة: تعجيل وضع الجدول الزمني للانتقال إلى سلطة الأمة، وإلغاء الطوارئ، وتعديل قوانين الانتخابات، وعدم محاكمة المدنيين عسكريًّا، وتطهير المجتمع من فلول النظام البائد.
وارتفعت الهتافات- لأول مرة- ضد "المجلس العسكرى" و" المشير" فى جميع أرجاء مصر، وقد كانت الهتافات قبلها متناثرة وشبابية فقط.
كانت القوى السياسية الكبرى المشاركة في "التحالف الديمقراطي من أجل مصر" قد أجَّلت التظاهر ومنحت المجلس مهلةً حتى الأحد 2/10، وإلا سيتحول السياسيون إلى استعادة "الحل الثوري" بديلاً عن "الحل السياسي"، والاحتكام إلى الشوارع والميادين مرةً أخرى.
هرع "المجلس" إلى لملمة ما تبعثر من شعبيته، واجتمع في يوم السبت 1/10 بـ13 حزبًا وتحدثوا في مطالب الثوار.. كانت أهدافهم نبيلةً، وكان هدف المجلس العسكري منصبًّا على أمرين:
- تطويل فترة وجوده في الحكم بقدر الإمكان عبر برنامج زمني بالغ الطول والغرابة.
- استرداد قدر من "التأييد الشعبي" بوضع عبارة "التأييد الكامل" بعد نقاط الاتفاق الثمانية في محضر الاجتماع.
أي أن الأهداف لم تكن واحدة عند الطرفين.
وإذا رجعت إلى الكلمة المرتبكة "للمشير" بأنه "مقاتل" حارب لمدة 40 سنة وأنه "صادق" في شهادته، مشيرًا بأصبع السبابة نحو السماء؛ على معنى أن الله- سبحانه- رقيب عليه، وأن مصر بخير، مستشهدًا بالفريق "عنان"؛ الذي أكد كلامه، مضيفًا إلى ذلك جولة "البدلة المدنية" المفاجئة!.. ستتأكد أن "المجلس" يشعر بمدى ضياع شعبيته مع الأسف.
ثالثة الأثافي أن صحف الخميس 6/10 ظهرت علينا بمانشيت مرعب، وهو: (لا مرشح للمؤسسة العسكرية لرئاسة الجمهورية)!! وما الرعب هنا؟!
هل تذكرون: "لا بيع للقطاع العام"؟! و"لن أرشح نفسي لانتخابات الرئاسة مرة أخرى".. قالها مبارك في بداية حكمه، و"لا مساس بمحدودي الدخل".. لاءات كثيرة، كنا نعرف منها أن العكس هو المقصود، والآن يؤكد لنا "المجلس" أنه يسير على نهج سلفه، ولا يعبأ بأشواق أمته في حكم مدني؛ ليخسر ما تبقى من تعاطف، وليدفع الناس دفعًا إلى الإحساس بـ"سرقة الثورة"؛ الذي يقتضي استعادة "روح الثوار والشهداء" وليس "عقلية الساسة والحكماء".
مساكين إخواننا في "المجلس".. إنهم يفعلون بالضبط كل ما يجب (ألا) يفعلوه!.
يا جماعة.. أمريكا- ووكلاؤها- لن تترك ما فعلته طوال ثلاثين عامًا بسهولة.
التلاحم والتوحد من جديد.. هو الذي سيجعل كفة ميزان الضغوط "الوطنية" على المجلس أرجح من كفة "الإملاءات الدولية"، وستدفعه إلى الانحياز لخيارات الشعب.
----------