عندما يسعى أي إنسان إلى نهضة مؤسسته فيجب عندما يأتي بمسئول عنها يضع المسئول في تصوره أنه لا يملك "سبوبة" يحلب بقرتها صباحًا ومساءً، ويرهق أفرادها بما فوق الطاقة، وبما هو خارج ضوابط العمل، وإنما على أي مسئول يدير مؤسسة أن يعلم أنه يملك "مشروعًا" به طاقات وموارد وبحسب تنمية الموارد والطاقات علي الوجه الأمثل مهما قلت سيكون لها نتاج حتى لو على المدى البعيد.
أقول ذلك وما مصر العظيمة وأحوالها ببعيدة عنا.. فلقد عاش النظام السابق وبقية أفراد عصابته يتعاملون مع مصر على أنها "سبوبة"، وظلوا يستنزفون مواردها وطاقات أبنائها بشكل يفوق تخيل أي عقل.. ينهبون الأرض ويُدخلون الشرفاء السجون .. يجبرون العلماء على الهجرة إلى الخارج.. ويجبرون الشباب على صراع الغرق والنجاة في البحر بحثًا عن العمل.. يخترعون القوانين ليلاً لتزيد من مشروعية الاحتكار والنهب والسلب وتقييد الحريات.. يزيدون من هدم القيم والأخلاق.. بل زادوا من معدلات العنوسة والبطالة، وجعلوا الرشوة أساسًا للتعامل قهرًا وإذلالاً لشعب عظيم لن تموت إرادته حتى ولو مرضت بإذن الله تعالى.
باختصار كانت مصر لدى العصابة الحاكمة سابقًا التي أسقطت بفضل الله عبارة عن "سبوبة"؛ ولذا انهارت مصر على كل المستويات لا سيما الأمنية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية والبحثية وحتى الرياضة.
وجاءت الثورة السلمية الشعبية لكي تغير أحوال البلاد وتضع مبادئ الديمقراطية والحريات والحقوق عناوين رئيسية، تستعيد بها البلاد شبابها ونهضتها.
لكن حتى الآن، وفي السجال الدائر في المرحلة الانتقالية أرى أن المسألة اقتربت من أن البعض يرى أنه يجب أن يسارع من أجل "سبوبة" هنا أو هناك، مع أن مصر ما عادت ولن تكون سبوبة بعد اليوم.
من يعيد قراءة ردود أفعال الواقع المصري يذهب إلى ما ذهبت إليه سابقًا من سيطرة فكرة "السبوبة" على البعض وأهمية أن يكون هو وحده جزءًا من المشهد العام الذي يرسم خريطة مصر الجديدة.
وأتعجب من تبجح الفلول بمختلف وجوههم وألوانهم بأنهم يريدون أن يشاركوا في بناء مصر، وكأن مصر لم تكن في أيديهم ذليلة فيما مضى حتى قيد الله لمصر أحرارًا يحررونها من رقبة استعمار المخلوع مبارك وأعوانه.
إن الجميع معنيٌّ الآن أقباط ومسلمين قوى سياسية وحزبية إخوان ويساريين وليبراليين وقوميين وكل أطياف الشعب ما عدا الفلول لا شك أن يجعل مصر "مشروع حياة"، "مشروع نهضة" يبني ما هدمه الآخرون.
إن مصر عندما تكون مشروعًا سيتطلب ذلك لا بطلاً جديدًا يسيطر؛ لأننا عانينا من فكرالزعيم الأوحد في الحقبة الناصرية، وإنما يتطلب نفوسًا زاهدة في الحكم ومقبلة على التعاون المشترك والنجاح سويا وضع أفكار للنهضة الحقيقية.
فمصر تريد حكومة خدمات وليست حكومة عقائد وأيدلوجيات، ومصر تريد أفكارًا بنَّاءة وعقول علمية واعدة وسواعد لها رؤية مستقبلة.. مصر تريد أن تكون مشروعًا حقيقيًّا وليس "سبوبة" يتلقفها كل ذي هوى ويفشل وتفشل معه أحلام المستقبل الجميل الذي يريد الجميع أن يرى فيه القيم والحريات والتقدم التكنولوجي والصناعي ونهضة حقيقة في كل المستويات.
وفي مثل هذه الفترات الحساسة من تاريخ الشعوب، ومصر مقبلة على عملية تحول يجب أن تنتهي بأي حال من الأحوال إلى ديمقراطية حقيقية.. يجب أن يعيد كل إنسان- وأكرر كل إنسان- وكل حزب أو قوى سياسية أو قراءته لتصوراته المستقبلية، ويضع مصر الثورية في إطار مشروع وليس في إطار "سبوبة"، وذلك في كل المجالات، وهذا سيحتاج صبرًا لا محالة، ويسبقه وعي كبير ومتفائل بأن الشعب الذي سحق ديكتاتور بحجم مبارك قادر على أن يسحق بإرادته الحرة السلمية كل عاشقي السبوبات والأكل على كل الموائد!.