هذه رسالة أتوجه بها إلى نفسي وإلى إخواني المسلمين..

وسبب كتابتها أنني وجدتُ من نفسي أحوالاً مقلقة، فتارةً أجدها فرحةً متلهفةً للقيام بأعمال بعينها، وتارةً أجدها زاهدةً في أعمالٍ أخرى قد تكون أنفع لها مما تتلهف عليه، فاحترتُ في أمرها، وهرعتُ إلى القرآن أبحثُ فيه عن حلٍّ لهذه المشكلة، فوجدته- كعادته- لا يترك مشكلةً تربويةً إلا ويُحسن تشخيصها، ويصف الدواء الناجع لها.

 

وجدت القرآن يقرر ويكرر بأن المستفيد الأول من قيامي بأداء عمل (ما) هو (أنا) وليس غيري، كما أن الخاسر الأكبر من عدم قيامي به هو (أنا) كذلك..( فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (الزمر: من الآية 41).. (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (فصلت: من الآية 40).

 

ذكَّرني القرآن بأن الله سبحانه وتعالى غنيٌّ عني وعن كل عباداتي وأعمالي الصالحة، وأنه- جل شأنه- لا تنفعه طاعتي ولا تضره معصيتي.. (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)) (النساء).

 

ومما أثار انتباهي حقيقة عظيمة يقررها القرآن في عدة مواضع، وهي أنه ليس بين الله- عزَّ وجلَّ- وبين أحد من عباده نسب إلا بطاعته وتقواه، فأولياؤه هم المتقون، ومِن ثَمَّ فالكرامة على قدر الاستقامة، واستمرار الكرامة باستمرار الاستقامة.. (وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) (الجن).

 

وواصلتُ قراءتي للقرآن فازداد- بفضل الله- انتباهي للآيات التي تؤكد هذه الحقائق مما ألهب مشاعري واستثار خواطري، فعزمت- بعون الله- على صياغة تلك الخواطر على هيئة رسالة أخاطب بها نفسي، وجعلتها بعنوان: "من المستفيد؟".

 

وكان مما سجله القلم فيها:

انتبهي يا نفس، وأفيقي من غفلتك، واجتهدي في تدارك ما فاتك، فأنت مَن تصنعين مآلك، وتخطين بيدك طريق سعادتك وشقائك.

 

أنت- لا غيرك- المستفيدة من صلاحي، وأنت كذلك الخاسرة من ضلالي.

جهادي لمصلحتك.. عباداتي لمصلحتك.. إنفاقي لمصلحتك.

 

إن تكاسلتُ وتأخرتُ عن ركب السائرين في طاعة الله فوجدت إخواني وأقراني يسبقونني فلن ألوم سواك.. وفي المقابل: إن اجتهدت وجاهدت وبذلت فلا تمني على الله ولا على أحدٍ بذلك.. أتدرين لماذا؟

 

لأن صلاحك لمصلحتكِ أنت

لن تتوقف الشمس عن الحركة انتظارًا لمجيئك:

اعلمي أيتها النفس بأنه لن ينتظرني أحد إن كثرت أعذاري، وطال ترددي، سيتعاقب الليل والنهار كما تعاقبا من قبل، ولكني حينها سأكتشف بأنني قد خسرتُ كثيرًا، وظلمتكِ أيما ظلم حين حرمتك من خيرٍ عميم كان من السهل تحصيله- بعون الله-.

 

فيا نفسي الأمَّارة بالسوء:

سأستعيذُ بالله من شرِّك، وسأعمل على تذكيرك بما يشعرك دومًا بالخوف من عواقب أمانيك الباطلة، وسأواجهك دومًا بالحقيقة القرآنية (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء: من الآية 7).

 

سأذكرك عندما تريدين التباهي بإنفاق المال في بابٍ من أبواب الخير بقوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) (البقرة: من الآية 272).

 

وسأقاوم إلحاحك عليَّ بإمساك المال وعدم إنفاقه في سبيل الله، و أذكرك بأنني الخاسر بهذا الإمساك، وسأستدل على ذلك بقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد: من الآية 38).

 

وعندما أشعر برغبتك في ظلم أحدٍ من الناس أو المكر به فسأخوفك بما قرره القرآن: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) (فاطر: من الآية 43)، وسأذكرك بقول ربك: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (يونس: من الآية 23).

 

الانتشاء والزهو بالطاعة:

بعون الله سأراقبك بعد القيام بالطاعات فإن أصابك شيء من الزهو والانتشاء، وبدأت في عقد المقارنات بينك وبين الآخرين "المقصرين" من وجهة نظرك، فسأكون- بتوفيق الله- حازمًا معك، وسأذكرك بقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)) (الجاثية)، وقوله: (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) (فاطر: من الآية 18).

 

وإن وجدتك تمُنِّين على الله عز وجل بالعمل والجهاد في سبيله فسأقرأ عليك (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (6)) (العنكبوت).

 

وإن رأيتك تستكثرين جهدك وكدك في البحث عن حقيقة من حقائق الإيمان فسأذكرك بقوله جل شأنه: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (الإسراء: من الآية 15).
وإن رأيتك تتكاسلين عن قراءة القرآن وتدبره فسيكون ردي عليك حاسمًا (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) (الأنعام: من الآية 104).

 

وعند ورود النعم سأجتهد في تذكيرك بضرورة شكر الله عليها، وأنني المستفيد من هذا الشكر، والخاسر من تركه {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل: من الآية 40).

 

قبل الوقوع في الذنب:

عندما أشعر بمحاولاتك للإيقاع بي في الذنب فسأجتهد- بعون الله- بتذكيرك بمدى الخسارة التي ستلحق بي من جرَّاء ذلك {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} (النساء: من الآية 111)، (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي) (سبأ: من الآية 50).

 

وسأذكرك دومًا بقول الله عز وجل على لسان نبيه موسى عليه السلام عندما وجد طغيان بني إسرائيل وانحرافهم عن طريق العبودية لله: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} (إبراهيم: من الآية 8).

 

وسأواجهك بقوله تعالى: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) (آل عمران: من الآية 144).

 

أقول لك هذا كله وأنا على يقين بأنني لن أستطيع أن أفعل شيئًا من ذلك إلا بعون الله وتوفيقه، فأعني يا رب.

 

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.