أحيل موظف إلى التحقيق الإداري، وبعد انتهاء التحقيق تلقَّى أمرًا بمقابلة رئيسه الأكبر في القاهرة، ودخل إلى مكتب الرئيس مرتعدًا متوقعًا ما لاقاه بالفعل من التقريع والتوبيخ، وكانت العبارة التي تتردَّد كلازمة في حديث الرئيس هي "سأعلِّم أمثالك كيف يعملون"، وقطع فاصل التوبيخ رنين الهاتف، وكان البادي من طريقة الرجل في الحديث وتصببه عرقًا أن محدثه يشغل مركزًا رفيعًا في الدولة، وغرق الرئيس في الحديث الهاتفي ونسي وجود صاحبنا تمامًا، وخلال الحديث علم الموظف أن موضوع الحديث يدور حول وقعة منسوبة لموظف آخر هي بذاتها ما نُسب إليه، وأن الموظف الآخر يمتُّ بصلة قرابة- فيما يبدو- للمتحدث الآخر، وكان المذهل أن الرئيس ردَّ على محدثه مندِّدًا بإحالة الموظف الآخر للتحقيق لوقعة تافهة- على حدِّ وصفه- ثم أردف يقول: "نحن جيلاً وراء جيل نفعل هذا، ولكن من أمروا بالتحقيق هم أناس لا يجدون ما يفعلونه.. ناس فاضية (على حدِّ قوله!!!)، وبعد انتهاء المكالمة أفاق الرئيس مرةً أخرى لوجود صاحبنا، فأمره بالانصراف صارخًا "سأعلّم أمثالك كيف يعملون"!.

 

ليس في تاريخ البشرية قيمة مؤكدة الوجوب كقيمة العدل، وليس في التاريخ قيمة منتهكة انتهاك قيمة العدل، خاصةً في عالمنا العربي الذي يسبح فوق بركة من المظالم من محيطه إلى خليجه.

 

يقول عميد علماء الاجتماع الأشهر ابن خلدون في مقدمته في علم الاجتماع: "إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة ولا ينصر الدولة المسلمة إن كانت ظالمة"، ويقول بالحرف: "إن الظلم مؤذن بخراب العمران".

 

وقبل ابن خلدون قال النبي صلي الله عليه وسلم: "إنما أهلك الذين كانوا قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، وعندما أمر القرآن الكريم بالعدل فإن الأمر جاء مساويًا بين البشر لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: من الآية 58).

 

يبدأ الظلم في عالمنا العربي من الأدنى إلى الأعلى، ومن الأعلى إلى الأدنى، ومن الشرق للغرب ومن الغرب للشرق، ومن الشمال للجنوب ومن الجنوب إلى الشمال، وما تجده في وقعة صغيرة في تأثيرها في أي مكان هو في الدلالة والطبيعة نفس ما يجري على كل مستوى، وبعضنا عندما يصرخ في وجه الظالم فإنه لا ينكر إلا مظلوميته هو ولا يتعدَّى ذلك إلى إنكار الظلم نفسه؛ لأنه يبدو أن الظلم تراث عربي عريق.

 

ولقد علقت بذاكرتي منذ الطفولة قصة لا أنساها؛ كانت إحدى السيدات من قريتي تشكو ظلم أم زوجها باكيةً، كان لسانها يشكو ويداها تتناغمان في حركات بائسة تعبِّر بها عن سير وقائع المظالم اليومية، وكان وجهها يتفطر ألمًا، ثم تقطع الحديث لتبكي وتطأطئ رأسها كمدًا، وتورد صورًا بليغةً تُبْكِي الحجر عن ظلم حماتها لها، وتضييقها عليها، وملاحقتها والدسّ لها عند ابنها زوج الشاكية.

 

ومرت الأيام وصارت الشاكية أمًّا لزوج، وعُدت بعد السنين لأسمع- وأنا رجل- ما سمعته وأنا طفل، هو هو بنفس الوجع ونفس المرارة، كانت الشاكية هذه المرة هي زوج الابن، وكانت شاكية الأمس هي الجانية هذه المرة!.

 

في بلادنا المنكوبة بالمظالم، يعيَّن الموظف براتب وامتيازات في مكان، ويعيَّن قرينه بنفس المؤهل في مكان آخر، ولا يكون الفارق عشرين بالمائة ولا خمسين بالمائة في الراتب، بل ربما حصل أحدهما على أربعة وخمسة أمثال ما يحصل عليه الآخر؛ حتى إنه داخل الوزارة الواحدة تجد التمييز.

 

وعلى سبيل المثال تجد في مبنى المحاكم الجزئية موظفي النيابة العامة والمحكمة والشهر العقاري وتجد فروقًا في الرواتب بين حاملي نفس المؤهلات الدراسية من جهة إلى أخرى، وهي كلها تتبع وزارة العدل، ولا نتحدث عن راتب رئيس مجلس إدارة جريدة "الأهرام"، وقد كان حتى بعد قيام الثورة نحو مليوني جنيه شهريًّا، وهو ما يعادل أضعاف راتب الرئيس أوباما، وكان رئيس التحرير يتقاضى ما يجاوز المليون جنيه شهريًّا، بينما يتصارع مرشحو نقابة الصحفيين أيهم يقدر- بوسائله- على تدبير بدل هزيل للصحفيين، هو بضعة جنيهات لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأن الميزانيات خاوية؛ لا لأنها فقيرة أصلاً، ولكن لأنها تفي قبل كل شيء بحاجات من يتقاضون الملايين، فلا تبقي شيئًا لأصحاب الملاليم؛ حتى قيل إن ثروة أحدهم تجاوزت المليار جنيه من عمله في الصحافة، ولا ندري ما فعل صاحبنا؟ وهل حرر فلسطين دون أن ندري! وما يضحك ويبكي أن هؤلاء لا يقرأ لهم أحد؟ اللهم إلا من وضعهم حيث هم وبدورهم فإنهم يكتبون له لا لسائر الناس، ناهيك عن رواتب مديري الأمن في المحافظات، وكان بعضهم عند قيام الثورة يتقاضى ما يعادل رواتب الرئيس الأمريكي والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني مجتمعةً!!، ولا مجال للسؤال بالقطع عن تبرير منطقي؛ لأن الإجابة الوحيدة المعقولة هي أن المظالم في عالمنا العربي مشاع كالماء والهواء، وأنه ليس من حقك أن تسخط إن وجدت ظلمًا، بل عليك أن تذهل كلما صادفت عدلاً!.

 

ولو أنك غادرت محيطك الوطني إلى المحيط القومي العربي فإنك تجد داخل كل بلد عربي ما تركته وراء ظهرك في مصر، ثم تجد مظالم أخرى أساسها التفرقة بين مواطني دولة ومواطني دولة أخرى، وهم جميعًا عرب، ثم ينتهي بك الحال في نهاية المطاف إلى حقيقة مؤدَّاها أن أقرب طريق للكفر بالقومية العربية أن تغادر أرض وطنك، خاصةً إذا قدر لك أن تحيا في الأرض التي هي منبت العروبة، والتي حملت للعالم رسالة "كلكم لآدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، والناس سواسية كأسنان المشط".

 

وخذ هذه الوقعة وتأملها، نشرت صحيفة سعودية إعلانًا عن طلب "خادمات مصريات!!"، واستفزَّ الإعلان أحد المصريين وهو- بالمناسبة- قومي عربي، ولكنَّ كبرياءه الوطني جُرح، فنشر إعلانًا يطلب خادمة سعودية، وتحدَّد الراتب والمزايا، وهاج السعوديون هياجًا شديدًا؛ باعتبار أن الرجل تجرَّأ وساوى بين المصريات والسعوديات، ونسي أن مهنة خادم لا تليق إلا بمقام المصريات وحدهنَّ!، فكان مبعث الهياج استعلائيًّا بامتياز؛ باعتبار أن الفقر يهبط بمقام قوم بينما يرفع النفط مقام آخرين!.

 

لو أنك تساءلت كيف انصهرت كل أجناس الكرة الأرضية وكل دياناتها في دولة واحدة هي الولايات المتحدة؟ ولماذا يتشرذم كل كيان داخل المحيط العربي سواء تحت راية عرقية أو دينية أو مذهبية؟ لكان أيسر الجواب هو: العدل والظلم، نعم العدل الذي لا يعرف فقيرًا ولا ثريًّا ضعيفًا ولا قويًّا، وذلك بغضِّ النظر عن رأينا في السياسة الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة، ومع التسليم بأننا في النهاية أمام مجتمع بشري وليس ملائكيًّا.

 

عبر تاريخنا كله اقترنت النهضة بالعدل وتكافؤ الفرص، بينما اقترن الانهيار بشيوع المظالم من الأندلس، خرجنا بالمظالم بين العرب والبربر، وبين العرب والعرب أيضًا، حتى إن الثقاة من المؤرِّخين يُرجعون السبب الأول للهزيمة المروّعة التي لقيها الجيش العربي في موقعة "بلاط الشهداء" الحاسمة بالأندلس بقيادة البطل العربي العظيم عبد الرحمن الغافقي إلى التناحر بين العرب والبربر؛ لشعور الأخيرين بالقهر والظلم لإنكار دورهما في الفتح وممارسة التمييز العربي ضدهم.

 

وبسبب المظالم راحت الأقليات العرقية والدينية داخل المجتمع العربي تسعى لنوع من الاستقلال، وتحافظ علي كياناتها الذاتية، وتضغط في طريق التفتيت، وأبرز هؤلاء الأكراد في العراق والأمازيغ في المغرب والجزائر، وكان لبنان قد انفصل عن سوريا على أسس مذهبية- بالأساس- بالرغم من عروبته التي ليست موضع شك، ولا تقل لي إن فرنسا فعلت وإنها فرقت وقسمت؛ لأن فرنسا رحلت وما زالت الصراعات المذهبية قائمة داخل لبنان حتى بعد انفصاله عن سوريا!.

 

وبسبب التفرقة والمظالم انفصل جنوب السودان عن شماله.

لا ينكر منصف دور الخارج في تغذية تلك الصراعات وإشعال الفتن، ولكن علينا أيضًا ألا ننسى أنه ليس هناك مرض بقدر ما أن هناك جسمًا قابلاً للمرض، وإلا فلماذا لا يطمع أحد في إشعال الفتنة داخل الولايات الأمريكية بين سائر الأعراق، ولا بين الإنجليز والنورمان داخل بريطانيا، بل إن القاعدة في تشكيل دول العالم هي تعدد الأعراق، فلماذا ينجح مشعلو الفتن عندنا دون غيرنا؟ هل الإجابة عسيرة المنال أم أن مصدر العسر أننا لا نريد أن ننظر إلى المرآة لنرى الحقائق عارية؟!

 

أليس القادم من بلاد الغرب يتكلم أول ما يتكلم عن قيمة العدل هناك؟ بينما القادم من أي بلد عربي يتكلم أول ما يتكلم عن شيوع المظالم؟!

 

في الكيان الصهيوني لُوحِقَ رئيس الدولة الأسبق بتهمة التحرش بامرأة وحوكم وسجن، وفي الولايات المتحدة اتهم رئيس الدولة ريتشارد نيكسون بالتجسس على خصومه الحزبيين وعُزل من منصبه، وفي أمريكا أيضًا وقف رئيسها بيل كلينتون يتذلل للشعب الأمريكي؛ لأنه كذب في إفادة رسمية، وفي إيطاليا يلاحق رئيس الوزراء بيرلسكوني بتهمة أخلاقية، وفي فرنسا حوكم رئيس الوزراء السابق آلان جوبيه بتهم مالية تافهة لا تقارن بربع ما نهبه لص مبتدئ من ذيول مبارك، وفي كرواتيا تمَّ القبض على رئيس الوزراء إيفو ساندر وحوكم بتهمة الفساد المالي، وكل ذلك يجري على نحو لا يلفت نظر المواطن العادي لرسوخ قيمة العدل في نفوس الناس جيلاً وراء جيل، بينما ما زال المواطن العربي يسلِّم بأن "الماء لا يصعد إلى العالي"، وتكون النتيجة تراكم الإحساس بالظلم والقهر؛ مما يتيح المناخ الخصب للفتن وللأيدي الخارجية التي لا تعمل في الفراغ، وإنما بقدر مواتاة التربة من الداخل، وهو تطبيق حرفي لقول شيخنا العظيم ابن خلدون عن الظلم الذي يؤذن بخراب العمران!.

 

ومن المؤسف أننا لا نتعلم- أو بالأحرى لا نريد أن نتعلم- من أخطائنا وخطايانا، وإنما نمارس دور الطالب الخائب الذي يرسب في الامتحان، وبدلاً من أن يتعلم من أخطائه يروح يسوق مبررات واهية تافهة كاذبة ليضيف إلى الخيبة الكذب، والكذب وحده خيبة كما يقول أهلنا.

 

إننا نعلِّق كل مصيبة على شماعة الخارج والعدو المتربّص بنا، فالاستعمار هو الذي شتَّت الأمة إلى أقطار، ورغم أن الأمر يحمل بعض الصحَّة فإنه يحمل من الادِّعاء أكثر مما يحمل من الحقيقة؛ لأن السؤال البديهي إذا كان الاستعمار وحده وليست مظالمنا سبب الفرقة فلم لا نتوحَّد وقد رحل الاستعمار عنا؟! وهل كان الاستعمار وحده سبب انفصال سوريا عن مصر بعد الوحدة، بينما القوم في البلدين أبرياء من الانفصال براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟ أم أن المسكوت عنه في القصة أكثر من الذائع، ولكننا كالعادة نرى أنفسنا في موضع الضحية دائمًا، ولا نتصور أنفسنا جناةً ولو مرةً واحدةً، وهل تقبل بعض الشعوب العربية فكرة الوحدة من الأصل أم أن الغارقين في المال ينفرون من الغارقين في الفقر، ويستعلون عليهم، ويسومونهم الخسف ما استطاعوا؟ ثم لو فرضنا أن الاستعمار هو الذي مزَّق الأمة أشلاء، فهل كان السودان تحت الاحتلال عندما انشطر جنوبه عن شماله أم أنها سياسة زرعت في النفوس عوامل التمرد، ثم جاءت يد الخارج فلعبت في مناخ موات؟!

 

هل نريد حقًّا أن نعي حقيقة أن العدل يقيم الأمم وأنه أساس الملك، وأن الظلم مؤذن بخراب العمران، أم أننا قانعون بتمثيل دور الضحية حتى نخرج من الجغرافيا بعد أن خرجنا بالفعل من التاريخ؟!