اعتاد العوام إقامة الموالد تذكيرًا بشيوخهم وتعريفًا بمناقبهم وأفضالهم، لكن المتابع لمظاهر (المولد) لا يجد فيه أيًّا من هذه الأهداف، بل لعل الموالد أصبحت تسير على العكس تمامًا من المقصود منها؛ فهي مكان للهرج وبيئة خصبة للجريمة بأنواعها وسوق رائجة (للسوء).
ومناسبة هذا الموضوع هو احتفال مصر اليوم بذكرى انتصار شعبها البطل، واسترداد كبريائها يوم العبور العظيم، فأنا أعتقد أن تكريمنا لهذه الذكرى يتشابه كثيرًا مع ما نراه في الموالد من مظاهر "كرنفالية"، تخلو من العبرة والاتعاظ، فنحن ننشد الأناشيد، ونعزف الألحان، ونضع باقات الزهور على نصب الجندي المجهول.. ثم ينفضُّ المولد بلا موعظة للأجيال ولا وفاء للشهداء.
يقول ابن القيم: "السلوك فرع من التصور"، فإذا تغيرت زاوية النظر لقضية (ما) فإن تعاملنا معها وتناولنا لها يتغير تبعًا لتغير التصور والإدراك، فتعاملك مع كتاب (ما) يختلف تمامًا إذا علمنا أن هذا الكتاب هو (المصحف) وهكذا.
لذا أعتقد أننا لو احترمنا تضحيات أبطال أكتوبر وتعاملنا مع هذا الحدث باعتباره (تاريخًا)؛ فإن تناولنا له ودراستنا لنتائجه ستختلف تمامًا عن تعاملنا معه باعتباره (مولدًا)؛ فالتاريخ هو مدرسة الشعوب و(بانوراما) التجارب والخبرات التي يستفيد منها- فقط- ذوو النظر والاعتبار!.
كذلك يستفيد من التاريخ أصحاب القدرة على التحليل وليس كل قارئ عابر يقرأ التاريخ بوصفه قصة أو رواية.. فيا ترى كم من الدروس تحملها ذكرى أكتوبر؟! وكم من الرسائل غير المشفرة التي يسهل إدراكها بغير كبير جهد؟!
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب
رسائل من وحي أكتوبر:
أ- التغيير فرض الوقت وضرورته؛ فقد قام السادات بتغييرات شملت كلاًّ من الجهازين المدني والعسكري، أتاحت لمصر أن تستفيد من طاقات أبنائها التي كانت مطمورةً تحت ركام الروتين والبيروقراطية والمحسوبية، وهكذا يجب أن نفعل إذا كنا نريد التغيير حقًّا، (فجميع) الكيانات السياسية تحتاج أن تغير في كوادرها وهياكلها ورؤيتها وحساباتها قبل أن تطالب الحكومة بالتغيير.
ب- وحدة الصف الوطني من ضرورات النصر، وما نتج من الثورة من فرقة وتنابز وتناحر لا يبشر أبدًا بخير، ما لم تمتد يد المصالحة وتسود أجواء التحالف محل أنواء التنابز.
ج- تعدد الأديان والأعراق من سمات الأمم الكبيرة، كما أن الصراع الطبقي والطائفي من نذر الخراب والشر وفي أكتوبر أكبر دليل على ذلك.
د- العقيدة سلاح في معركة التغيير، كما كانت سلاحًا من أسلحة النصر إذا ما خالطها فهم بحقائق الأديان، وأنها رسائل سلام ومحبة.
و- اختلاط العمل العسكري بالسياسة ينذر بالخراب والبوار، فقد بدأت الحرب بتفوق عسكري باهر نجحت الكيان الصهيوني في امتصاص آثاره والالتفاف على نتائجه، حتى أفرغته من مضمونه ومحتواه يوم توقيع مصر على معاهدة ما سمِّي بـ(السلام).
ولعل الليلة تشبه البارحة!! فقد بدأت الثورة بإنجاز شعبي مذهل، ثم ما لبثت ألاعيب السياسة تلتف على هذا الإنجاز وتتحايل على أهدافه، ولعل توقيع الأحزاب على وثيقة الأسبوع الماضي يكون إنذارًا للجميع بضرورة التروِّي وحتمية قراءة التاريخ قبل التورط؛ فليس كل ما يلمع ذهبًا!!.
ز- الدور الخارجي، وخاصةً الأمريكي، لا يعمل لوجه الله، وآخر ما يهدف إليه هو مصلحة مصر وشعبها، وهذا الدور ما زال بنفس خصائصه الغبية جدًّا حتى اليوم، والاجتماعات المغلقة لا يمكن أن تكون لصالح مصر؛ لأن أمريكا لا يحكم سلوكها إلا مصلحتها فقط، ولعل موقفها من حرب أكتوبر قديمًا ومن إعلان دولة فلسطين حاليًّا خير شاهد ودليل.
ي- وختامًا.. فإن جيشنا المصري البطل أمامه فرصة كبرى أن يعبر بمصر إلى برِّ الأمان، كما عبر في أكتوبر، وأن يقدم للدنيا درسًا في الولاء للحق والوطن مهما كانت (الضغوط) والتحديات، فإذا كان التاريخ يسجل للمشير سوار الذهب وللعقيد محمد ولد فال ترفُّعهما عن المناصب وصدقهما في الوعد؛ فإن أبطال أكتوبر الذين هتفوا باسم الله يوم العبور ليسوا بأقل منهما ولاءً لله.. وللوطن.. وللحق.
وكل أكتوبر.. ومصر بخير