في اللغة الدارجة تستعمل كلمة انسخاط للدلالة على أمر أو شيء يبدأ كبيرًا ثم يقل حجمه أو دوره أو قيمته أو يصيبه التشوه على نحو غير مفهوم أو مبرر، والحقيقة أن الثورة تتعرض للانسخاط بهمة عالية.
وبداية البدايات فإنه لا بد من التفرقة بين الإمكانيات المتاحة لفرد أو جماعة تدير وبين الوصول إلى نتائج تتسق مع المقدمات، وأسباب الهوة بين المعطيات والنتائج عصية على الحصر، وهي تتفاوت من حالة إلى حالة.
في حرب أكتوبر المجيدة أظهر المقاتل المصري قدرات على التخطيط والقتال وشجاعة فائقة أذهلت العالم بأسره، وأعادت إلى الأذهان تاريخًا حربيًّا مصريًّا وعربيًّا يراد له أن يطمس تحت طيات الثرى، وقدمت مصر الدم فداء لكبريائها الوطني وثمنًا لغد حر عزيز أبي، ولكن من نكبات الزمان أن يتولى أنور السادات ترجمة تضحيات الدم إلى موقف تفاوضي مكافئ، ويأبى إلا أن يقود منفردًا مندفعًا بما أذهل أعداءه قبل مواطنيه، وعلى أية حال فإن كيسنجر الوسيط المنحاز للصهاينة بحكم أنه كان ممثلاً للسياسة الأمريكية إضافة إلى كونه يهوديًّا هو نفسه الذي كتب في مذكراته لاحقًا عن ذهوله لمواقف السادات التفاوضية، وقرر بجلاء أن السادات لم يحسن اللعب بما لديه من أوراق، وأنه كان يعرض عليه بعض الرؤى الصهيونية وهو متردد ويؤكد أنها ليست رؤاه بل مجرد أساس صهيوني للتفاوض فإذا بالسادات يبادر إلى الموافقة الفورية دون الرجوع إلى مستشاريه، بل كان يتبنى الاقتراحات وينسبها إلى نفسه أحيانًا وهي صهيونية في الأساس.
وهكذا انتهت مصر المنتصرة عسكريًّا إلى الخروج عن مجال العمل العربي تاركة دورها ومتخلية عن زعامتها لأمتها العربية، وانتهت تضحيات الدم إلى وطن يستباح على يد مجموعة التفت حول السادات لتنهب وتسرق وتخرب، وجرى الحديث عن قطط سمان ثم أبقار سمان أيام السادات، ثم أكمل خليفته المسيرة فراح يبيع مصر من المنشآت وإلى البنوك وإلى دورها العربي والإفريقي والعالمي، ونما مِن حوله حيتان متوحشة شرهة للمال الحرام، ومن حولها جيوش جراد متوحش مصاص للدماء! وانتهى الحلم مدفوع الثمن من دم الرجال إلى كوابيس موحشة.
كان هذا نموذجًا لغياب الرؤية وضعف الإرادة، وفي المحصلة فإن المواطن الذي لم يتردد في التضحية بدمه من أجل حياة عزيزة انتهى به المطاف شهيدًا في طابور توزيع الخبز زمن مبارك أو في عبارة غارقة لا تصلح لنقل البشر أو في قطار يحترق بركابه، بينما استباح كبار اللصوص الوطن بطوله وعرضه.
وعلى امتداد تاريخنا فإن هناك قاعدة نادرًا ما تخرق، ومؤداها أن هناك شعبًا يضحي وقيادة ومن حولها جماعات ملتفة نافذة تقبض الثمن!
واليوم يتكرر نفس المضمون مع اختلاف الموضوع والتفاصيل، فنحن أمام شعب عظيم يختزن في أعماقه موروثًا حضاريًّا هائلاً تبدى أمام العالم خلال الثورة التي رفعت شعارًا سلميًّا، حتى إن الثوار كانوا يقبضون على حثالات البشر من ذيول مبارك وأعوانه فيخلوا سبيلهم، واستشهد نحو ألف بطل وبطلة تثير صورهم في القلوب ما تثير من إجلال وإكبار ممزوجين بحزن عميق، كما أصيب نحو ألف بعاهات أخصها فقد إحدى العينين جرَّاء إطلاق طلقات موجهة بدقة من المجرمين عديمي الضمير والشرف بتوجيه ودعم من أكابر المجرمين!
دفع الشعب المصري العزيز دم بعض خيرة أبنائه راضيًا ثمنًا لغدٍ مشرق عزيز، فهل من بشائر لهذا الغد؟ وأين تلك البشائر؟!
إنني أرجو ألا أكون مبالغًا أو متشائمًا إذ أرى أن الصورة التي بدأت وردية يوم تنحي المخلوع قد بهت عنها لونها الوردي، وراحت تكتسي بألوان كئيبة وظلال أشد كآبة، وأن اليأس هو الخط الأبرز في تلك الصورة!
كانت نقطة الضعف الكبرى في الثورة المصرية ومن قبلها الثورة التونسية أن اليد التي أمسكت بالزمام- بحكم حقائق القوة على الأرض- هي يد لم تتحسب ولا في عالم الأحلام لما جري بل نزلت عليها الأقدار فيما حارت في وصفه أهو هدية السماء لخدمة الوطن أم بلاء ومحنة عسيرة، خاصة مع تفجر ملفات عديدة شائكة في ظروف بالغة الصعوبة، وكان الواضح لأول وهلة من تصريحات رجال المجلس الأعلى للقوات المسلحة مدى شعورهم بثقل العبء الذي ألقته على كاهلهم الأقدار، ورغم أن وطنية رجاله أمر مسلم لا يحتمل جدالاً فإن التردد في اتخاذ القرارات الثورية جعل اليأس يتسرب إلى نفوس جموع المصريين في أن تتكافأ النتائج مع التضحيات، وهو ما ترجم نفسه في صورة احتجاجات بدأت هامسة ثم صارت هادرة، ونخشى ما يخشاه ملايين المصريين أن تقع الخصومة بين الثوار ومن يتولون قيادة ثورتهم، وهو أمر لن يستفيد منه سوى أعداء مصر المتربصين بها.
إنني أتساءل- تساؤل كل المصريين- هل دفعت مصر ألف روح وألف عين من أرواح وعيون أبنائها ليحل زيد موضع عبيد، ويبقى المناخ هو هو؟ أليست الفلول تتجمع يومًا بعد يوم وتقوى شوكتها ويقال إن هناك من يخطط ومن يمول لإجهاض كل ما تحقق على الأرض؟ هل من المعقول أن تنسخط الثورة في مجرد بضع إجراءات إدارية ومحاكمات تتحول أحيانًا عبر الفضائيات إلى ملهاة؟ أين الحساب السياسي يا سادة؟ وكيف لا يسأل مبارك ورجاله سياسيًّا عن الحنث بالقسم الدستوري الذي أقسم عليه؟ ألم يقسم بأن يحافظ- مخلصًا- على النظام الجمهوري؟ فهل كان من قبيل الحفاظ على النظام الجمهوري تعديل الدستور وتفصيله على مقاس ولده ليرث الحكم من بعده ضاربًا عرض الحائط بالدستور والوطن والمواطنين معًا؟ وهل حافظ على سلامة الوطن وأرضه؟ ألم يترك مصر نهبًا لكل ناهب حتى إن بعض الصعاليك تحولوا إلى أصحاب مليارات بين عشية وضحاها بفعل هبات الأرض والمصانع السحت عطاء من لا يملك لمن لا يستحق؟ أليس المجال قائمًا إلى اليوم ليعود ملايين الفلول ممن أدمنوا الحرام ليحتلوا مقدمة الصفوف في النظام الجديد الذي هو مجرد استنساخ للقديم؟
أليس من الطبيعي تشكيل هيئة سياسية من شخصيات وطنية محايدة لمحاسبة مبارك دستوريًّا ليقف أمامها ليدافع عن نفسه، وليكون عبرة لمن يأتي بعده، أم أن كل مصائب وجرائم ونكبات عهد مبارك قد انسخطت إلى جريمة جنائية في حين الأمر كله تمَّ في إطار سياسي حتى القتل نفسه؟
إنني أتوجه ليس فقط إلى رجال المجلس الأعلى للقوات المسلحة بل في الأساس إلى أصحاب الثورة وهم جموع المصريين، وأعيد ما سبق أن كتبته في بدايات الثورة مطالبًا بأن نَلْزَم التحرير حتى يتم التحرير، واليوم أقول مجددًا: التحرير حتى يتم التحرير.. التحرير حتى يتم التحرير!.