سبق لي أن كتبتُ مقالاً عبرتُ فيه عن رؤيتي وتحليلي للمرحلة الأولى لثورة الشعب المصري، ورصدتُ ما أنجزته الثورة من أهداف وما حققته من مكاسب للشعب المصري، وذكرتُ ما ينبغي أن يكون في المرحلة القادمة من إطلاق الحريات العامة: حرية تكوين الأحزاب، وحرية العمل النقابي سواء العمالي أو المهني، وحرية العمل الطلابي وحل الاتحادات الطلابية القائمة التي تشكلت بالتعيين، وحرية العمل الاجتماعي عبر الجمعيات والروابط والأندية الاجتماعية والرياضية والإنسانية، فلا قيود ولا منع ولا استثناء ولا إقصاء، الشعب صاحب القرار ومصدر السلطات، وكما ورد في وثيقة إعلان الدستور: "إن كرامة الفرد انعكاس طبيعي لكرامة الوطن، ذلك أن الفرد هو حجر الأساس في بناء الوطن، وبقيمة الفرد وبعمله وبكرامته تكون مكانة الوطن وقوته وهيبته، فالسيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها.

 

وطالبتُ جماهير الشعب العظيم بالعمل الجاد والسريع؛ لمحاصرة كل من أفسد الحياة السياسية وأضر بالاقتصاد الوطني، وملاحقة اللصوص والفاسدين، والعمل الجاد على استرداد أموال الشعب المصري التي نُهبت على نحو بشع ومنظم طيلة السنين الماضية، هذه أموال الشعب المصري كفيلة بإحداث نقلة هائلة للاقتصاد الوطني، وضخ الحياة في شرايين العمل والكسب، والقضاء العاجل على نسبة من الفقر والعوز.. من شأن استرداد هذه الأموال أن يُحدث تحسينًا وتقدمًا في المرافق العامة للدولة، وينعكس آثارها على المواطن المصري فهي أمواله رُدت إليه.. إنَّ استرداد هذه الأموال واجب وطني وفريضة من فرائض الشرع الحنيف، ينبغي أن تتكاتف الجهود كلها؛ من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود.

 

وأحسب أنَّ مرحلة جديدة بدأت، وأنَّ مصر على موعد مع المستقبل المشرق بإذن الله تعالى؛ لهذا سطرت هذه السطور لبيان ملامح المرحلة الجديدة، وختمتها بخمس نصائح، راجيًا أن يرتفع الجميع إلى مستوى المسئولية العظمى عن مصر.

 

مصر تخوض غمار مرحلة جديدة:

إنَّ من أصعب الفترات في تاريخ الأمم والشعوب فترات الانتقال من عهد إلى عهد جديد، وفترات الانتقال دائمًا ما تحدث هزات شديدة تدوم لمدة زمنية طويلة لا تقل عن عام كما في ثورة البرتغال وقد تطول أكثر من ذلك.. تحدث الاضطرابات وتزيد القلاقل وتعم الفوضى ويخيم الضباب على المشهد العام، ثم تبدأ الأمور تتجه إلى الاستقرار شيئًا فشيئًا، وتبدأ ملامح التغيير تتضح معالمها ثمَّ تصفو الأجواء حين ينخرط الجميع في منظومة العمل الوطني؛ من أجل تأسيس الدولة وتحقيق النهضة.

 

الثورات هدم وبناء:

ما أسهلَ الهدم رغم عِظم التضحيات التي قُدمت من أجل هدم أركان النظام الفاسد المستبد، وحل مؤسساته، ومحاكمة رموزه، والقصاص من مجرميه، وما أصعبَ البنـاء وأشقه على الشعب المصري الثائر الذي انتزع بتضحياته الحق في إزالة النظام البائد وهدم بنيان هو كما قلت دفع في سبيل ذلك أغلى ثمن، وقدم كثيرًا من التضحيات عبر عشرات السنين، وشرع الشعب في ثورته، وما يزال يكمل عملية هدم النظام وتطهير البلاد من المفسدين، وعليه أن يعمل على التخلية قبل التحلية، وإزالة الأركان الآيلة للسقوط لفسادها قبل البناء العظيم المرتقب.

 

حان أوان البناء والتأسيس:

وقد عبَّر الشعب عن أحلامه وتطلعاته وآماله خلال ثورته المجيدة، وأعلن عن مشروعه الأكبر "مصـر الحديثة" من خلال الملايين التي تجاوزت الثمانية عشرة في 19 مارس، ورسم خارطة الطريق وخطوات التنفيذ ومراحله، والتي تمثلت في:

 

* بناء المؤسسات النيابيـة- مجلسي الشعب والشورى- عبر انتخابات حرة نزيهة تتم بإشراف قضائي كامل.

 

* تشكيل حكومة وطنية منتخبة من الشعب تعبر عنه وتخضع لسلطانه، وتدين له بالولاء الكامل.

 

* تشكيل لجنة تأسيسية منتخبة من قبل نواب الشعب المنتخبين لوضع دستور جديد يليق بمصـر الثورة والحضارة، ويلبي أهداف ثورة الشعب المصري ويتجاوب مع طموحاته.

 

* انتخاب رئيس للبلاد يعمل لمصلحة مصـر فقط وشعبها الأبي، ويكون خاضعًا لإرادة الشعب وسلطانه، ويدين له بالولاء الكامل.

 

وهذا ما أُعيـد تأكيده مرة أخرى في الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس.

 

مصر على عتبات التغيير المنشود:

نعم هذا وقت البناء وتأسيس مصر الحديثة، وتحقيق الإنجاز الحضاري الذي يتطلع إليه الجميع ويترقبه العالم بأسره ولا يقوم به إلا الشعب المصري بكلِّ أبنائه وأحزابه وقواه وأطيافه ومكوناته.

 

نعم لدينا تحديات كثيرة وقضايا عامة ملحة:

كقضايا الأمن والتغلب على البلطجة المنظمة والإجرامية، ومواجهة حالة الانفلات الأمني، وقضايا الاقتصاد والتنمية والاستثمار، والأجور وعدالة التوزيع وخلق فرص عمل تحرك دولاب العمل القومي، وتضخ الحياة في شرايين الإنتاج.

 

وكذلك قضايا العدالة الاجتماعية، وتلبية المطالب الفئوية، وحل المشكلات، والقضاء على المظالم الاجتماعية، ولدينـا كذلك القضايا الدولية التي تتعلق بالأمن القومي المصري، وهي لا تقل أهمية وخطورة عن القضايا الداخلية، ومنها: الأوضاع الملتهبة في المحيط العربي بنا، ودول الجوار العربي ليبيا والسودان وسوريا واليمن، والأزمة مع دول حوض النيل والتهديدات القائمة والمتعلقة بمياه النيل وهي على رأس أولويات الأمن القومي المصري، وكذلك قضية فلسطين والعلاقات الدولية، كل هذه القضايا الداخلية والخارجية محل اعتبار واهتمام، ولكل قضية منها أولوية معتبرة لا تغفل أبدًا، تفرض نفسها على ساحة العمل الوطني وتشغل اهتمام أبناء مصر الأعزاء.

 

هذا قدر الشعب المصري، مطلوب منه أن يحقق الإنجازات والنجاحات في هذه القضايا كلها، وهو يسعى في الوقت ذاته إلى بناء دولته الحديثة وتأسيس حياة جديدة، ولا أبالغ إذا قلت: إن مئات الملايين من البشر في قارات العالم- الذين بهرتهم ثورتنا- يأملون فيها خيرًا كثيرًا ويقولون بلسان الحال والمقال: "ليس لكم الحق في أن تفشلوا.. أنتم قادرون.. أنتم تستطيعون".

 

رحم الله حافظ إبراهيم، وقد سبقنا في تأملاته لمثل هذه المواقف الفاصلة في تاريخ مصرنا العظيمة، فأرسلها أبيات تروي مكامن القوة في طبيعة مصر، فقال:

وقف الخلق ينظرون جميعًا  كيف أبني قواعد المجد وحدي

تاءات خمس نتواصى بها ونحن على عتبات مرحلة البناء

على ضــوء ما سبق ذكره أنَّ مصر تخوض غمار مرحلة جديدة وتؤسس حياة دستورية حديثة، وتبني مؤسسات دولتها، وتضع دستورًا يليق بها، وهي تكمل عمليات التطهير والتغيير، وتكافح لحلِّ قضاياها الكبرى داخليًّا وخارجيًّا، فإنني أعرض نصائح خمسًا مُعِينة على تحمل مسئوليات المرحلة الأهم في تاريخ الشعب المصري، مرحلة البناء والتأسيس، وهي:

 

1- تقوية علاقتنا بالله تعالى وتعظيم ثقتنا فيه، فهو ناصرنا ومؤيدنا، فنعم المولى ونعم النصير، لقد أكد الشعب المصري- مسلموه وأقباطه- أنه شعب متدين، يلجأ إلى الله تعالى في السراء والضراء فلم يخذله، كذلك كنا طوال أيام الثورة وفي الميادين بطول مصر وعرضها، وينبغي أن نبقى هكذا.

 

ولنتذكر قول الله تعالى: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)) (آل عمران).

 

2- تأكيد معاني الأخوة وترابط الصف، والاجتماع على كلمة واحدة؛ فالأخوة الصادقة روح طَهور تسري في قلوب الصادقين فتؤلف بينهم، وهي الماء الطهور الذي يسقيه الله تعالى قلوب المؤمنين، وهي أغلى من كل ذهب الأرض، وهي لا تباع ولا تشترى، الأخوَّة قدر إلهي يمنحنا قوة وتميّزًا بين الناس.

 

3- تقديم العمل على الكلام والجدال، والتواصل الدائم مع جماهير الشعب المصري، وتقديم نماذج عملية خدمية نافعة، فما أكثرَ الكلام وما أقلَ العمل في الوقت الراهن، والبلاد والعباد يحتاجون إلى العمل وإلى الإنتاج بل زيادته!.

 

التحذير من خطورة تحويل الثورة إلى حالة جدلية عقيمة وتفريغها من قوتها الثورية، فهذا من أخطر أهداف الثورة المضادة التي يسعى أعداء مصر إلى تحقيقها، وأذكر بقاعدة ذهبية القول والمعنى: "الإعزاز على قدر الإنجاز" فلن يكون لأي فرد أو حزب أو جماعة أو جهة أو هيئة مكانة ومنزلة لدى جماهير شعبنا المصري إلا على قدر ما يحققه هذا الحزب أو ذاك من إنجازات على أرض الواقع، ولن يعطي الشعب ثقته الغالية إلا لأصحاب الإنجازات والأعمال النافعة الكبيرة، وعلى قدر الإنجازات سيعطي الشعب ثقته ويمنح الاعتزاز والاحترام.

 

4- توضيح الرؤية وبيانها ونشر الفكرة وشرح المشروع الحضاري لنهضة الأمة.

 

ونحب أن نذكر بمسئولية كل فرد عما يبديه من آراء، وتتحمل كل جماعة أو حزب أو فئة مسئوليتها عن رأيها، ولا يصح أن يؤاخذ فصيل بذنب فرد، ولا تيار بجريرة فصيل فيه، إذا كنا نشاهد عشرات الأحزاب والتيارات السياسية تنشأ وتمارس دورها على الساحة السياسية والوطنية فهذا ثمرة من ثمار ثورة الشعب المصري، ولست قلقًا من تعدد الأحزاب والتيارات؛ فإني أرجو أن يكون الخلاف بينها لا يفسد للود قضية، وأن يكون خلاف تنوع وتعدد لا أن يكون خلاف تقاطع وأضداد.

 

5- توافق كل القوى والاتجاهات الوطنية في المرحلة القادمة، وتضافر الجهود والتعاون والتكاتف كما كنا في ميدان التحرير، وكما كنا ثورة غاضبة على فلول الحزب المنحل وأركان النظام الفاسد حتى تم خلع رئيسه وقياداته.. ينبغي أن نكون كذلك في ميادين العمل والبناء والنهضة.

 

ونؤكد رفضنا الصريح لكل صور الإقصاء والإبعاد وسياساته، سواء كانت هذه السياسات من حزب أو فئة أو طائفة أو جهة، فمصر تسع الجميع، وهي ملك لكل أبنائها، ونحن كنا أكثر الناس ضحايا لسياسات الإقصاء والإبعاد؛ ولذا فنحن أحرص الناس على طي صفحة هذه السياسات الظالمة.

 

الأهداف العظيمة التي يتطلع إليها الشعب المصري لا يستطيع أن يقوم بها فصيل أو حزب أو هيئة بمفردها، إنما تحتاج إلى تضافر كل الجهود وتعاون كل القوى والهيئات والأحزاب، وأن يكون التعاون بينها بغية تحقيق الإنجاز التاريخي الذي يحلم به الشعب وتترقبه الدنيا بأسرها، فالتوافق والتعاون والتكاتف عناوين عظيمة.. أفسحوا لها الطريق ونحن نسعى إلى بناء مصر الحديثة.

-----------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- برلمان 2005م.