دعيت لأشارك في تنظيم الانتخابات الداخلية لإحدى الحركات الوطنية المصرية، ومنذ تلقيت الدعوة الكريمة راحت تلح عليَّ فكرة عرض إلغاء الانتخابات واختيار القيادات على نحو توافقي بين أعضاء الحركة، وحجتي أنه رغم التسليم بمزايا الاختيار بالانتخابات، فإن مخاطرها ظاهرة على الحركات التي لم تصبح بعد أحزابًا راسخة البنيان، بحكم أنها تولد- عادة- تفرقًا وتشرذمًا واتهامات وتخلف في نفس الخاسر ألمًا ربما ولد رغبة في الثأر، خاصة وبعضنا لا يصدق أنه خسر بحق، وأن الغالبية لا تريده فيروح يرجع الخسارة لأسباب تخلق ثأرًا مؤجلاً!.
في ليلة السفر المزمع تلقيت هاتفًا مفاجئًا طلب إليّ ألا أذهب لوجود انشقاقات داخل الحركة وأنها- حسب ما فهمت- صارت حركتين! ومما هو ظاهر أن على الساحة مئات الأحزاب والحركات يقع بينها من التصارع ما يستهلك أكثر جهدها هدرًا بعيدًا عن قضايا عامة مجمعة كالتطهير ومحاسبة المخربين من نظام مبارك حسابًا سياسيًّا وعدم اختزال نكباته في محاكمات جنائية مما يلقي إلى الظل قضية وطن ضيع دوره وبددت ثروته واعتدى على نظامه الجمهوري.
وفي تقديري أنه لا يمكن فهم صورة المشهد المصري إلا من خلال وضعها في إطار الصعيد العربي عبر الجغرافيا من المحيط إلى الخليج وعبر التاريخ منذ حروب عبس وذبيان!.
في حدود علمي، فإن عاملين هما الأبرزان وراء التشرذم العربي التاريخي وهما جنون السلطة والرئاسة والاستئثار بالعوائد وما يستتبعه من المظالم وشيوع الإحساس بالقهر المولد للرغبة في الانفصال على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي باختلاف الأحوال، وهو عامل ذكره كثير من المؤرخين، ومع جنون السلطة عامل جنون الثأر من ذوي القربى!.
لقد تفتت الأندلس تحت الحكم العربي "زمن ملوك الطوائف" إلى اثنتين وعشرين إمارة من إشبيلية والمرية وغرناطة والبليار وطليطلة وسرقسطة وغيرها، وكانت تؤدي الجزية صاغرة ذليلة إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وبينما كانت مملكتا ليون وقشتالة تتحدان مع مملكة أراجون ضد العرب فإن مسلسل الانهيار كان متواصلاً بتلك الإمارات المتناحرة المتقاتلة وانتهى الأمر نهايته الطبيعية بسقوط آخر معقل عربي وهو غرناطة على يد الملكين فرناندو وإيزابيلا، مخلفًا حسرةً وألمًا في الضمير العربي ليومنا!.
وأما عامل الثأر وناره المشتعلة بين ذوي القربى فلعل أوضح مثل تاريخي هو حرب عبس وذبيان التي اشتعلت بين القبيلتين فأكلت الأخضر واليابس على مدى أربعين عامًا بسبب سباق جري بين فرسين هما داحس والغبراء، ولولا تدخل الحارث بن عوف وهرم بن سنان وأداؤهما ديات القتلى لاستمرت الحرب واستمر الخراب حتى فُني الجميع.
في العصر الحديث بينما توحدت ولايات ألمانيا منذ مائة وأربعين عامًا على يد بسمارك، وتوحدت خمسون ولاية أمريكية تضم أكثر الأعراق والأديان لتشكل أقوى قوة على وجه الأرض، فإن دولة عربية واحدة هي سوريا انشطرت إلى أربع دول هي سوريا الحالية وفلسطين ولبنان والأردن، وداخل كل دولة صراعات مع اختلاف الأسباب والخلفيات، ومن المفارقات المبكية أن ما بقي من فلسطين التاريخية تحت الإدارة العربية قد انقسم إلى غزة والضفة، ولكل قيادة وبين القيادتين تنافر خطوب وثأرات واتهامات متبادلة ومطالبات بالثأر، بينما لا دولة بعد ولا سيادة؛ حيث لا يغادر الرئيس الفلسطيني وطنه ولا يعود إليه إلا بإجازة صهيونية! وانشطر السودان وهناك مخططات خارجية تغذيها بعض ممارسات الداخل لانشطار السعودية ومصر والعراق وسوريا حتى يحل الدور على الجميع وتصبح كل مقاطعة دويلة تدين بالولاء لقوة عظمى تحميها والمفردات هي المفردات بدءًا من الجزية ووصولاً إلى من يؤديها ومن تؤدي إليه، وكل ما تغير هو أسماء المفردات والأشخاص، فالجزية لم تعد ذهبًا وخيلاً بل دولارات وألفونسو صار جورج بوش أو أوباما!.
في العصر الحديث راحت الدول حتى العظمى منها تدخل في كيانات أكثر قوة، فقد تجاوزت أوروبا جراحاتها الداخلية وتاريخًا صاغه الدم بين شعوبها لتتوحد وليكون الأورو عملتها، ويكفي أن نذكر أن حربًا دارت لأكثر من مائة عام بين فرنسا وإنجلترا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر وفي الحرب العالمية الثانية وحدها قُتِل ملايين الأوروبيين بيد أوروبية؛ ولكن صالح الشعوب كان له القول الفصل في النهاية، بينما ما زلنا نحن عباد سلطة وطلاب ثأر، وما زال المواطن العربي ينتظر تأشيرة دخول إلى أي أرض عربية برغم دواعي القربى والتاريخ واللغة والثقافة.
في هذا السياق يمكن فهم المنطق الانشطاري الثأري داخل مصر، من الغد إلى العربي الناصري إلى الحركات الإسلامية إلى الحركات الشبابية، ويفهم خوف كل طرف من الأطراف الفاعلة على الساحة لا من جيش فلول الحزب الوطني الجاهز للانقضاض على الجميع والتهامهم وإنما يخاف اليسار من اليمين واليمين من اليسار، ويتصارع الجميع صراعات لا تنتهي إلى كلمة سواء مثل الصراع المزمن حول قضية أولوية الدستور أو الانتخابات أيهما يأتي أولاً، وصراع الساحة القضائية حول من يعد مشروع قانون السلطة القضائية، بينما الطبيعي أن الهدف هو استقلال القضاء ولكننا- كعادتنا الأصيلة- نهدر الوقت والجهد في سلسلة صراعات حول الأشخاص والوسائل ولو ضاعت في الركام القضية الأم.
كان بعض أجدادنا يقول إن الاحتلال الإنجليزي على يد سعد زغلول أفضل من الجلاء على يد عدلي يكن وما زال الكثيرون منا يتبنون نفس المنهج وإن اختلفت القضايا واختلف الأشخاص، فهل نراجع أنفسنا ونتوحد في مواجهة خطر الجراد الدموي الشره قبل أن يدهمنا جيش النهابين من عصابة المخلوع بأذرعها الأخطبوطية التي تملك المال وانعدام الضمير وما زالت تحلم بالعودة إلى التهام الوطن وسحق أهله؟!