غيـر خافٍ على كل متحسس أحوال مصر وعالمنا العربي حجم وطبيعة الفساد الذي تجاوز كل حدود الشناعة والبشاعة وشدة الوطء الذي ناءت به كواهل الشعوب فأنَّت.. وتحول أنينها إلى زفير غضب متطلع إلى مدد من السماء... وهو ما استثار غيرة الله وغضبه... فاستوجب تدخل عنايته وعونه لمجرد استجابة فئة من الناس قاسمت الله تعالى كراهية الفساد... وإلا لما كان لهذه الثورة ولا لغيرها أن تفلح... ولعل هذا التدخل الرباني يعكس البعد السنني في معادلة التدافع الثوري التي ارتسمت على خريطة الواقع العربي والإقليمي والدولي بألوان فاقعة.. فاستلفتت أنظار عقلاء الأحياء في هذا العالم، فكانت درسًا فريدًا في فن الأداء الحضاري.. وعبرة لمن يعتبر ومن لا يعتبر!.

 

لكننا في بعض الأحيان نجد نغمات نشازًا يتردد صداها في مسامعنا، تريد إرسال رسالة مفادها: أنكم لم تزالوا أيتها الشعوب دون سن الرشد، وأن ما حدث إنما هي ثورة شبابية أقرب ما تكون إلى "دور مراهقة" ما يلبث أن تنتفي دواعيه بتغيير الوجوه والتماهي بشكل ما مع هذه "الفورة الشبابية" التي نتفهم مطالبها جيدًا.. والتي لا تتجاوز خلع الرئيس مبارك ورموز فساده إلا قليلاً.

 

ولمحنا إصرارًا من البداية على خنق وإقصاء صوت الحكمة من مشهد التدافع الثوري... وإغراء الشباب بالرموز الوطنية فانتشرت ثقافة التخوين والتكفير السياسي والتنظيمي بين قوى المجتمع... وبدأنا نتفهم موارد اللعبة التاريخية لتجزئة المجزأ وتقسيم المقسم... فإذا سنحت فرصة الانقلاب على الشرعية الثورية فلا ترى من مقاوم إلا "هموشًا" ومخلوقات شبحية تخض في الماء وتنطح في الهواء!. ولمسنا من إيقات التماهي الرسمي مع الفعل الثوري كسلاً وتراخيًّا وتجاهلاً لمشاعر الناس، وإمعانًا في التعامي عن مطالبهم العليا وحقوقهم المشروعة في الإصلاح والبناء، واستقلالية القرار السياسي ووطنية المسار السيادي.

 

إشارات حمراء وخضراء:

ثمة بعض الإشارات التي تجعلنا أكثر ميلاً لتفسير الأحداث وفقًا لنظرية المقامرة والمؤامرة.. وإننا بصدد انتكاسة سرطانية في مجمل مسيرتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

 

الإشارة الأولى: تلبية مطالب الشباب تقطيرًا وتنفيذ الوعـود بالإصلاح تقطيرًا- كلما تظاهر الناس وثاروا ثورةً ناولوهم علاجًا جديدًا اسمه المسكتات... وأخذ التسويف والمماطلة يغلبان على وتيرة التغيير... ولم يعد ما يغطي شعارات الثورة الشعبية ويفي باحتياجاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية... وهو ما فسره البعض بأنه ليس إلا تنكرًا للشعب، وحنثًا في التعاهد غير المكتوب الذي تمَّ بين الثوار والمجلس العسكري من أجل رعاية الثورة وتنمية مكتسباتها من أجل تهيئة جو البناء الحضاري بسواعد الشعب ومؤسساته... وهو ما كشف عن أننا بصدد قوى داخلية غير محتفية بما حدث بمصر من ثورة... وتتحين لحظات الغفلة أو التراخي أو الانقسام لطرح أجندتها المخادعة... تلك الأجندة التي لا يرقى فكر العسكر إلى صياغتها ووضع ترتيباتها... وهو الأمر الذي يجعلنا نتجاوز العسكر بسوء ظننا ليعني مؤسسات وفئات ذات سوابق موغلة في البغي والإثم والعدوان بما لم يأت به أحد من العالمين.

 

ثانيـًا: لم يكن الإعلان عن استفتاء شعبي- من أجل الدستور ولا الانتخابات بقدر ما كان سلوكًا استخباراتيًّا لقياس الرأي العام والتصرف في ضوء معطياته ونتائجه للمرحلة المقبلة... ولعل ما يبرهن على ذلك أن خطوات الاستجابة لمحاولات التمييع الدستوري والالتفاف على إرادة الشعب لم تجد وتنشط إلا بعد فخ الاستفتاء.

 

الإشارة الثالثة: المراهنة على الأهلية الثورية للشباب؛ حيث جاء في لقاء متلفز أجري قبل عيد الفطر بحضور شخصيات كان من بينها أحد أعضاء المجلس العسكري، ومحمد البلتاجي أمين حزب الحرية والعدالة وآخرون، كشف فيه المسئول العسكري عن أن أعضاء المجلس العسكري كانوا يتوقعون أداءً أفضل للأحزاب المصرية، فإذا بها مهترئة منقسمة... وهو الأمر الذي يعني في المقابل إعلان الوصاية عليها وأنها لم تزل قاصرة دون الفطام!... ومن ثم فوليها بالعدل أجدر أن ينصب وصيًّا عليها وقيمًا بشئونها!.

 

رابعـًا: محاولات الاختراق الدءوبة للهياكل الثورية التي تعددت مع دخول المال الخارجي إلى الحلبة الثورية... فظهرت مصطلحات لم يكن للثوار ولا لجو ثورتهم إلف بها من قبل... مثل "عناصر مدسوسة"، "عناصر خارجة على القانون".. "قوى موالية لجهات خارجية"... والواقع أنه لا يمكن لإنسان خرج للثورة يحمل روحه على كفه من أجل بلده أن يستجيب لإغراء المال... لكنه سحر القوى الخفية التي تدير مصر في الخفاء غير مكترثة كثيرًا بما حصل.

 

خامسـًا: أن إنزال المال إلى ميدان التحرير.. واستجابة بعض الضعفاء وقليلي الخبرة بمكر الأجهزة إياها... إنما يعد في حدِّ ذاته تسميمًا لحياتنا السياسية وتفخيخًا للأمن القومي بإعادة إنتاج الفساد من جديد، وتفريخ عناصر ذات قابلية عالية للتجاوب مع منطق شمولية الاستبداد والطغيان!.

 

الإشارة السادسة: مطالب وكلاء المدعين بالحق المدني التي أقل ما توصف به: أنها لا ترقى لمستوى المسئولية عن شعب تتهدده المكائد وتسوره المؤامرات وتعاظم في وجهه التحديات... فبدلاً من أن ينادي المحامون بحقِّ مصر العام مستشفعة بدماء شهدائنا الأبرار.. راحوا يبيعون دماءهم بخسًا رخيصًا في مشهد هزلي هزيل... وهو الأمر الذي أعطى بعدًا لمصداقية الشكوك في نوايا أفراد مدسوسين وسط محامي الشهداء.

 

الإشارة السابعة: بوسع المرء أن يتفهم سلوكًا ظاهره فيه الحزم والجدية والصرامة كالشدة الحاسمة في إجراءات مواجهة البلطجية والخارجين على القانون... وسلوكًا آخر باطنه: مراعاة مصلحة الوطن بالتخلي ولو مؤقتًا عن بعض المواقف التي ليست ذات أولوية في الوقت الراهن كموقف العسكر مثلا من اقتحام السفارة الصهيونية، وغير ذلك من المعالجات التي تكون بطبيعتها مجالاً للتوافق العام بالنظر لطبيعة المرحلة التي تقتضي أن نكون جميعًا في خندق واحد من منطلق المسئولية الحضارية عن بلد مؤرق بهواجس المكائد والمؤمرات.

 

كذلك لا نستطيع أن نفهم أبدًا حجب بثِّ قناة "الجزيرة" وهي التي قامت بالثورة إلى جانب الشعب، كما لا نستطيع فهم حجب بعض الصحف عن الصدور والتهديد بإغلاق أخرى.

 

كما ليس بوسعنا أن نفهم مغزى تمديد فرض حالة الطوارئ؛ وتأخـر المشير ونائبه عن تلبية نداء العدالة للشهادة بقضية قتل الثوار، ثم إذا بهما وهما يتداركان الأمر يذهبان إلى الشهادة بمن وأذى... تاركين رسالة بأنهم إنما جاءوا لكيلا يكون أحد فوق العدالة- ولم يكن في الشهادة التي أدليا بها أدنى علاقة بالعدالة، إلا أنها كانت فرصة سانحة لرؤية الرئيس والاطمئنان على صحته عن كثب!.. حيث كانت في مجمل وصفها مائعة مميعة!... بل كان سلوك المشير عاكسًا للنفسية الصلفة المتكبرة على هيئة المحكمة التي تمثل العدالة وتعكس إرادة الشعب... مثيرًا لاستفزاز الشعب... ففي الاستدعاء الأول تعلل بـ"ظروف البلد"! تلك الظروف التي لم تتغير عن ظروف حضوره- لا أقول في الاستدعاء الثاني- بل أقول في المرة الثانية، لكنه أراد ألا يكون تحت أمر أحد مهما كان!.. ولعل ما يروى من تسريبات بشأن ما حدث أثناء جلسة الشهادة يدلل بصورة أو بأخرى على مدى أريحية المجلس العسكري ومدة تقديره لمشاعر الناس، وتفهمه لتطلعاتهم المشروعة، فحين طلب المشير إلى هيئة المحكمة الجلوس فأرجأت الأمر قليلاً فبدا المشير محرجًا، فلما تهيَّأ جو المحكمة لاستماع الشهادة أذن القاضي للمشير بالجلوس فأبى وظل واقفًا.. وهو ما يفسره البعض بأنه عناد ومكابرة وإصرار على أنه ليس تحت إذن أحد كان!.

 

لو كان سلوك مَن بأيديهم إدارة شئون البلاد من الأشقياء الأخفياء: يحتمل وجهًا لتأويله على نحو تفهم منه الشفافية والبراءة.. ما نبسنا ببنت شفة، ولكنه شغل الأيادي الخفية... التي أعادت إنتاج الأزمة بصورة أخرى حين أبقت باب التفاهم مع الشباب مفتوحًا نسبيًّا- ما لم يتأثر بفكر "أصحاب الأنياب الزرقاء" من الحكماء وأهل الخبرة والاختصاص.. الذين باتوا- حسب وجهة نظر الحكومة الخفية لبلادنا: محرضين على الثورة.. ومصدر تهديد للأمن، وإرباك لعمل مؤسسات الدولة في ظلِّ هذا الظرف الحرج العصيب... وهكذا بدا التغرير بالشباب أمرًا سهلاً- اعتقادًا بقلة خبرته وحداثة تجربته في ظلِّ غياب مؤسسات المجتمع وضميره الحي النابض.

 

ما الحل إذًا؟

قبل التفكير في الحلِّ، لا بد من مراعاة أنه لم يكن ثمة عقد أو ميثاق غليظ بين الشعب والجيش!؛ وأن شعار "إيد واحدة" فرضته طبيعة الوجود العسكري في الشارع كسيد للموقف... لكن لم يحدث أننا بعد الإنجاز الثوري تقدمنا إلى الجيش وهو في ثكناته نستدعيه ونفوضه في مباشرة بعض الاختصاصات المتعلقة بشئون البلاد... نحن في الحقيقة لم نفعل شيئًا من ذلك؛ فالواقع أن الجيش كان بالشارع.. وتلقى أمرًا مباشرًا من السيد الرئيس مبارك بإدارة شئون البلاد؛ فنحن لم نكن مصدر الأمر بتصريف أمور البلاد... بل المخابرات الأمريكية.. التي وإن أغضت الطرف عن التضحية بمبارك.. لكنه من غير المعقول أن تضحي بمصالحها التي تراها معرضة للخطر في ظلِّ ثورة لا تعلــم على وجه اليقين مآلاتها!.

 

وتحريًّا لحلول ومخارج مما نحن فيه لاحت لي بعض الأمور التي يمكن أن توضع في الاعتبار: ثمة من توافر عدة معطيات، نجملها فيما يلي:

الأمر الأول: وجوب القناعة بأن ما قُدِّم من جهود وتضحيات أثناء الثورة لم يكن بالقدر الكافي لتأمين جانب الثورة والثوار... فنحن كمصريين سريعو الملل والتململ واستعجال نتائج جهد لم يكتمل بعد.

 

الأمر الثاني: ضرورة أن يكون لدينا تصور حتمي لبذل مزيد من الجهود... حتى ولو كلفنا هذا الأمر دمـاءً سائلةً وأموالاً... هذا إذا كانت لدينا قناعة بصحة مواقفنا وصلاحية قدراتنا على إنجاز هذا الفعل الحضاري كاملاً.

 

الأمر الثالث: أن تمثل الحرية والتهيؤ للنهوض من أجل استئناف الفعل الحضاري من جديد: غاية لا يمكن أن تدرك بثمانمائة شهيد وبضعة آلاف من الجرحى والمصابين، لنكن صرحاء!.. فالقضية كبيرة دونها تضحيات وتضحيات... قضيتنا باتت مرتبطة بمدى قدرتنا على ممارسة الفعل الثوري الهادف الحكيم.. واستدامة التضحيات بلا توقف ولا تردد!.

 

فخلق الثورة ينبغي ألا تنخمد جذوته ولا يخبو نـوره... وإن أول ما تكون الثورة دوامًا: على النفس التي تستأنس بالقليل مع وفرة فضل الله الواسع!... وتستمرئ أنصاف الحلول بمنطق الانصراف من يوم الهول ولو إلى عذاب الجحيم!.

 

وأسوق أبيـاتًا للمتنبي من قصيدة يهجـو فيها كافور:

من أية الطرق يأتي مثلك الكرم  أين المحاجم يا كافـور والجلم؟

وإن عنــاءً أن تفهم جـاهلا  فيحسب جهلا أنه منك أفــهم

متى يبلغ البنيـان يوما تمـامه  إذا كنت تبنيــه وغيرك يهدم

سادات كل أناس من نفوسهم  وسادة المسلمين الأعبد الأقزم

 

وفي الختام، أود أن أشير إلى أن الله تعالى قد جبـر قصورنا، فآزرنا وأمدنا بقوة خفية فكنا

تحرك بإيعاز مباشر من إرادته الآمرة الناهية القاهرة فوق كل شيء، لكن عندما غمرنا شعور زائف بأننا تحررنا وأصبحنا وكأننا على كل شيء قادرون!. وبلغ بنا الاغترار بما سميناه إنجازًا ثوريا تحدثت به الدنيا بوعي وبغير وعي أو تقدير لمآلات الأمور... وعشنا الحالة بمنظورات متباينة ونوايا مختلفة... فظهر فينا الوطني الشريف النظيف.. والمناضل الطاهر العفيف... مثلما ظهر الغادر اللئيم المخيف.. والمنتفع والانتهازي السخيف.. والمزايد والحرامي والغشاش والمشبوه... فلم يكن من الله تعالى إلا أن أوكلنا لما اعتقدناه... ويبدو أن مقدار الخير- وإن كان موجودًا لكنه ليس من الوفرة الكفيلة والجودة والمهارة ووحدة الصف ولم الشمل والترتيب والتنظيم الذي يجعلنا نتحرر من هواجس وكوابيس "الفعل المضاد للثورة" و"الثورة المضادة" و"الفلول".. والعسكر الذي نتمنى ألا يكونوا مع الحرامية في خندق واحد.

 

فما نراه من المجلس العسكري ومن يدبرون لهم... قد بدوا وكأنهم يعاقبون الشعب المصري على ثورته! فها هم يشرعون في تربيته وتعويده على عادة "ريمة" القديمة... وأراني مضطرًا للعودة إلى المتنبي متمثلاً قوله:

ألا فتى يورد الهندي هامته  كيما تزول شكوك الناس والتهم

فإنه حجة يؤذي القلوب بها  من دينه الدهر والتعطيل والقدم

ما أقدر الله أن يخزي خليقته  ولا يصدق قومًا في الذي زعموا

----------------

* كاتب مهتم بقضايا الفكر الإسلامي- alwishy@gmail.com