هي الرائدة بعد أن تقهقرت.. هي الموجودة بعد أن غابت.. هي المسيطرة بعد أن انزوت إلى ذيل القافلة الإنسانية.. هي الوعاء لمن أراد الحماية والنصرة.. هي من يلوذ بها العالم عندما تشتد الكروب وتنزل النوائب.. هي المقصد عندما تضطرب العقول وتختل الموازين.. هي بملء الفيه الأم التي لا ينقطع حنانها بل هو في ازدياد دائم ومستمر.. هي المضرب للأمثال عندما تتوه الكلمات، وهي الملهم للشعراء عندما تغيب الخواطر.. هي القبلة عندما تلتئم جروحها.. ويعود الوصال إلى لحمتها.. عندما ندرك جميعًا رجالاً ونساءً، شبابًا وشيوخًا مهما اختلفت مشاربنا وأفكارنا ومنطلقاتنا أنها (أولاً).. فهي من ارتوينا من نيلها، وتنسمنا من هوائها.. هي بلد الأزهر بعصوره الوارفة وانكساراته المتعددة.. هي من عُرفت بفلاحيها وعمالها، وقد كانت تضحياتهم على مر الزمان.. هي الجواد الذي يكبو إلا أنه سرعان ما ينهض.. وهي المريض الذي يشرف على الموت ثم يعود إلى سيرته الأولى صبيًّا فتيًّا.. وهي من يلوذ بها كل العابرين: مَنْ صادقوها ومن وقفوا منها موقف العداء.. ملاذها يكمن في جنودها البواسل فهم خير أجناد الأرض.. هي المكان والمكانة والتاريخ الممتد عبر آلاف السنين.. هي من عبرها المسيح ابن مريم.. وتولى أمرها عمرو بن العاص، فجعلها واحة للاستقرار والاستمرار والهدوء.. ونموذجًا للتعايش بين كل الأطياف والتيارات والتواصل مع الآخر.. هي من تستحق منا جميعًا أن نؤثرها على أنفسنا.. هي من تنادينا أن هلموا فلا وقت ولا مكان للأنانية وحب الذات والاستئثار بالمصالح الفردية أو الشخصية ولا فرق.. هي من حاول الأقزام اختزالها في شخوصهم.. وبئس ما فعلوا.. هي من أرادوا لها أن تكون بحدودها الجغرافية.. ونريدها بحجمها المعروف بل المتعارف عليه بنهضتها اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا؛ بل عربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا.. هي من غيَّبوها عن كل المحافل، وغابت معها كل القرارات والمواقف التي كنا نتباهى بها.. هي من كمموا فيها الأفواه، وسجنوا كل العقول وقدموا الأوباش وأنصاف الرجال، هي من اتخذها يوسف بن يعقوب ملاذًا للمحرومين والجوعى والمكلومين.. وهي من أنجبت كل المفكرين والعظماء في شتى فروع المعرفة، وقد ملئوا الدنيا بعطائهم الجزيل والوافر.. وهي من قاد جنودها البواسل الحروب المتتالية؛ دفاعًا عن الأرض والعرض والمقدسات، فلم تلن لهم قناة.. وكانوا- وما زالوا- عند عهدهم ووعدهم في الوقوف إلى جانب الحق والعدل والبرهان: (وقفتهم المشرفة إلى جانب كل المطالب المشروعة التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير سنة 2011م).