نجح الثوار في إسقاط حسني مبارك في ثمانية عشر يومًا عندما كانوا على قلب رجل واحد في ميدان التحرير وقبل أن يستكملوا إسقاط النظام والبدء في بناء نظام جديد، بدأ كل فصيل من النخب والأحزاب ورجال السياسة والإعلام في البحث عن نصيبه من التركة، ومضى قرابة الثمانية أشهر ونحن ندخل في معركة تلو الأخرى، ونقفز من حاجز إلى الآخر، ونسينا في غمرة الشد والجذب القضية الأولى والرئيسية، وهي ضرورة تسليم السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة المؤتمن على البلد وثورتها إلى أصحابها الشرعيين، وهم الثوار ومن يمثلهم في مجالس الشعب والشورى والمحليات، ومن يقودهم في حكومة منتخبة ورئيس نختاره بمحض إرادتنا.. هذا هو الهدف الذي يجب ألا نحيد عنه حتى يمكننا بناء دولة ونظام على أسس صحيحة.

 

في القرآن الكريم يذكر لنا الحق سبحانه وتعالى أن موسى عليه السلام طلب من بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة- أيَّ بقرة- لأن الله يأمرهم بهذا، فتلكأ بنو إسرائيل عن سرعة التلبية والاستجابة وبأعذار مختلفة تحت بند أننا نريد الانصياع لأمر الله بحذافيره وبالطريقة المثلى وبالشكل الكامل، فمرةً يسألون عن وصف البقرة، ومرةً عن لونها، ومرةً عن الوصف التفصيلي لها.. والموضوع كله مماطلة ومماحكة وتسويف وتعويق، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم عنهم: "شددوا فشدد الله عليهم"؛ وهذا لأنهم راجعوا نبيهم ثلاث مرات.. ما هي؟.. ما لونها؟.. ما هي إن البقر تشابه علينا؟!

 

ونحن منذ خلعنا الرئيس البائد وما زلنا نسأل عشرات المرات ونستقصي ونستفسر ونحذر وننظر ونفلسف وندخل في أسئلة تسلمنا إلى أخرى ونثير قضايا تفتح لنا أبواب خلاف كبير وشر مستطير.. مثلاً هذه عينات موجزة من المشكلات والمعوقات التي أثيرت.. منها ما مضى ومات ومنها ما يتجدد:

 

الدستور أولاً أم الانتخابات؟

وكيف نقدم على انتخابات لمجلس الشعب قبل وضع الدستور الذي ينظم علاقاتنا بالدولة وببعضنا بعضًا؟

 

هوية الدولة هل هي إسلامية أم علمانية؟ دينية أم مدنية؟ وندخل في سجال لا ينتهي.

 

السلفيون الذي ظهروا فجأةً على الساحة السياسية ماذا يريدون؟ وعلام ينتوون..؟ وكأنهم ليسوا من بني جلدتنا، وكأنهم لم يخرجوا إلا لقطع آذان النصارى وتهديم الأضرحة، ثم هدأت الموجة ورأى الناس سلفيين في ملابس الفرنجة بالبدل والكرافتات ويتحدثون مثل ضيوف "التوك شو".

 

ثم بدأت نيران تشتعل في إمبابة منذرة بفتنة طائفية وحرق للكنائس ثم هدأت القصة، وأسفرت عن قصة عاطفية تافهة بين مسيحية أسلمت وزوج مزعوم.

 

ثم بدأت قصة الفلول وكأنهم عفاريت ألف ليلة وليلة أو أمنا الغولة يخرجون من الشقوق المظلمة ويلدغوننا من ميدان مصطفى محمود أحيانًا أو على صفحات (الفيس بوك)؛ بدعوى "آسف يا ريس" و"أولاد مبارك" والله يعلم أنهم أولاد سفاح لعصر مظلم فاسد نسأل الله ألا يعيده.

 

ثم بدأت جُمَع التحرير الفئوية، وأصحاب الرايات الخاصة، تتجمع على قضايا خلافية؛ فتفقد التحرير رونقه وبهاءه وصفاءه ثم بفلسفة قيادة القطيع يتم توجيه بعض البلطجية لاقتحام سفارة العدو الصهيوني، مستغلين مشاعر العداء المتأصل في الشعب المصري تجاه هذا العدو البغيض ويدخلوننا في معارك لم يحن وقتها ولم نستعد لها.

 

ثم الحرب على المجلس العسكري الذي يشكِّل الكتلة الصلبة الوحيدة في خضمَّ السيولة التي يموج بها الشارع المصري اليوم.. مرةً يزعمون أن المجلس العسكري متواطئ مع الإخوان المسلمين، وأنهم قد بيتوا أمرهم بليل، ومرةً يقولون العكس بأن الإخوان لم يتعلموا درس الصدام المرير مع الثورة عام 1954م، وأن التاريخ سيعيد نفسه، ومرةً يحرِّشون بين بعض شباب الثورة والجيش ويصبون زيت الثورة الفائر على نيران مشاعرهم المتأججة لتباطؤ المجلس في حسم بعض الأمور التي تحتاج لعجلة.

 

حتى في محاكمة الرئيس المخلوع بدأت نيران المعارك بين محامي الدفاع والشهداء وترويع شهود الإثبات الذين قلبوا الإثبات نفيًا، إلا شاهدًا أو اثنين، ولم يسلما بعدها من التهديد والوعيد.

 

ثم لعبة الانتخابات بدأنا نثير غبارها من وجوه: قائمة أم فردي أم كليهما..؟؟ هل نفعِّل قانون الغدر لنتجنب شر الفلول أم نتركهم فقد لفظهم الناس ومجّوهم..؟ هل ندخل في قوائم توافقية أم تنافسية..؟ وتدور اللجاجة وتستمر الفجاجة ولا تبيض الدجاجة.

 

يا معشر الثوار تعالوا إلى كلمة سواء، ألا نبتغي بسرعة الانتخاب بديلاً، وأن نسلم الدولة لسلطة مدنية قد لا تكون الأمثل والأوفق في أول مرة، خير من أن يستمرئ العسكر مقعد السلطة ولن يعدموا من الفلول والأذناب ظهيرًا، وثقوا أن تكرار العملية الانتخابية وتسليم دورة لأخرى واختيار بعد اختيار سوف يصحِّح الأوضاع.

 

المهم أن يكون الزمام بأيدينا معشر المواطنين الثوار، والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.