المواطن الصالح هو الذي يلتزم بواجباته تجاه نفسه ومجتمعه، ولا يتخلى عنهم عندما يكونون بحاجة إلى مساعدته، وهو الذي يتعاون مع أفراد مجتمعه في السراء والضراء، ولا يتخلى عنهم وقتما يكونون بحاجة إليه، وهو الذي يبادر دومًا لعمل الخير، ويتصدى باستمرار لأعمال الشر.
والمواطن الصالح هو الذي يبارك كل بادرة طيبة يقوم بها بعض أفراد المجتمع، ويساند كل جهد مثمر لصالح المجتمع، ويتعاون مع كل شخص لخدمة المجتمع، وهو الذي يساهم في الأعمال الخيرية التي يستفيد منها المجتمع بكلِّ الوسائل المتاحة.
والمواطن الصالح هو الذي يتعامل مع بقية المواطنين تعامل الأخ لأخيه، باعتبار ذلك واجبًا دينيًا يحثه عليه ديننا الإسلامي الحنيف، واستجابة لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10) وبمقتضى هذه الأخوة ينبغي على كل فردٍ أن يراعي مصالح الناس، ويحافظ على حقوقهم وأموالهم وأعراضهم؛ لأنهم بالمقابل سيحافظون على حقوقه وأمواله وعرضه.. وبمقتضى الأخوة الإنسانية ينبغي على كل فرد في المجتمع أن يتحمل مسئوليته الملقاة على عاتقه تجاه الآخرين بأمانة ونزاهة وإخلاص وتجرد من المصلحة الخاصة، وتغليب المصالح العامة.
وبالنظر إلى حضارة الإسلام نجد أنها تُؤسس على قاعدة العمل الصالح، والعمل الصالح في شرعة القرآن ليس الشعائر فحسب، ولا الأخلاق فحسب، بل هو كل عمل يقوم به المسلم في مصنعه ومتجره، وفي مسجده ومحفله، وفي حقله وبيته... فيما لا يخالف نصًّا من نصوص الشريعة، وقد عرّف ابن تيمية العبادة بقوله: العبادة: "اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".
ولم تقف الدعوة الإسلامية عند حدود تدين الإنسان التدين النُّسكي، وتحقيق عبوديته لله بالشعائر المعبرة عن الإيمان القلبي، المفصحة عن علاقته الفردية بالسماء... وإنما امتدت هذه الدعوة لتحقيق ائتلاف هذا الإنسان بالأمة والمجتمع والكون، فتوحدت في نفس هذا الإنسان عوالم الغيب والشهادة، وائتلفت فيها وتوازنت علاقتها.. الفرد بالمجموع والخاص بالعام، فتدينت الدنيا مع بقائها دنيا عندما صاغ الإسلام نفس الإنسان المسلم وعقله تلك الصياغة التي ائتلفت فيها، وتوازنت آيات الله في الوحي السماوي بآياته في الأنفس والآفاق.
فالحضارة في الإسلام ليست هي التقدم المادي- وإن اشتملت عليه- لأن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، فقد ترى انتفاخ الجاهلية بالترف والرفاهية، وقد يتوفر لها بعض النماذج الأخلاقية؛ لأن الإنسان بفطرته مجبول على الخير، ولن تستطيع الجاهلية أن تقضي على كل مباعث الخير في الإنسان، إلا أنه من المؤكد أن كل حضارة لم تقم على مبادئ القرآن إنما هي إلى زوال؛ لأن الأصول التي تُبنى عليها أي حضارة دون الحضارة الإسلامية ينخر فيها الانحلال، فلا بد أن تنهار، وهي نتيجة قد لا تظهر في أول الطريق، ولكنها تظهر حتمًا في نهايته.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)) (غافر).
وينبغي ألا يُفهم من قولنا: الحضارة في التفسير القرآني ليست هي التقدم المادي أن المادة في الإسلام محتقرة ومنبوذة، لا بل إنها جزء من كيان الإنسان وحضارته، وهي جزء من بنية الوجود، وهي موضوع الابتلاء وحقل الخلافة: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: 32).
فالوسائل العلمية المحترمة هي الطريق الفذ لهذه الاستفادة، ولا نقول عن أمة بأنها ذات حضارة حقيقية حتى تتحضر ماديًّا، وتتحضر روحيًّا، وتتحضر إنسانيًّا؛ إذ إن ما ورد في القرآن من آيات قرآنية تتحدث عن البناء الحضاري يفوق من حيث العدد آيات الأحكام والعبادات، ونعتقد أن هذه الكثرة من آيات القرآن التي جاء فيها ذكر (سنة الله) ومعناها وتطبيقاتها تدل دلالة قاطعة على أهمية المعرفة بسنن الله في الكون، ووجوب فهمها من قبل المسلمين، كما يجب عليهم فهْم أمور العبادات التي تخصهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا ينص بالذكر في القرآن الكريم إلا ما يلزم ذكره، ويحتاج الناس إلى معرفته، فإذا تكرر ذكر شيء دل ذلك على أهميته؛ ولذا جاء في العديد من الآيات ما يدعو إلى التأمل والاتعاظ والافتكار في سنن الله، كما جاء فيها دعوة صريحة إلى وجوب فهم سنن الله في الاجتماع البشري.
والقرآن هو الوعاء الذي يشمل ثقافة المسلم بشكل عام، ولأن ثقافة كل أمة وكل لغة هي حصيلة أبنائها المثقفين بقدر مشترك من أصول وفروع كلها مغموسة في الدين المتلقى عند النشأة.. وثقافة كل أمة مرآة جامعة في حيزه المحدود كل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة، فقد اهتم القرآن ببناء تلك الثقافة بناءً يتوافق وسنن الكون التي أودعها الله فيه.
-------------------