من الأهداف الرئيسية لأي مشروع إسلامي إقامة حكم الله في الأرض، واستئناف الحياة عن طريق عمارة الأرض وتطبيق شرع الله، ومن ثم قيادة العالم على النهج الإسلامي.

 

وفي بدايات القرن المنصرم وأواسطه شهد العالم العربي والإسلامي، وبخاصة مصر صحوة إسلامية أسفرت عن ولادة العديد من الحركات والتيارات الإسلامية، كجماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والجماعة السلفية، بالإضافة إلى الطرق الصوفية.

 

وقد حملت الحركات الإسلامية عمومًا والسنية منها خصوصًا مشروعًا إسلاميًّا ذا فكر معتدل سعى إلى التقريب بين المذاهب والفصائل الإسلامية لكل أطيافها، غير أنها شهدت تداعيات واهتزازات في الآونة الأخيرة أدت إلى تراجع في أدائها.

 

لا مانع من أن تتعدد الجماعات العاملة للإسلام، ما دام تعددها تنوعًا وتخصصًا، لا تعدد تضارب وتناقض، فتعدد التنوع يؤدي إلى مزيد من الإثراء والنماء، وتعدد التناقض إنما يؤدي إلى التآكل والفناء.

 

أعتقد أنَّ هناك هوة عميقة وفواصل وهمية بين الحركات الإسلامية، وكذلك نجد مراكز قوة تحاول تعميق هذا الشرخ الموجود أكثر فأكثر؛ للوصول إلى مصالحها الشخصية أو الفئوية.

 

وفي اعتقادي أن القطيعة الثقافية الموجودة بين الحركات الإسلامية تؤدِّي إلى الجهل، وإيجاد فواصل ظلامية بينهم لا ترى فيها العين الحقيقة؛ بل يستفيد الأعداء من هذه القطيعة والجهل لقلب الحقائق ومن ثمَّ تتولد من هذه الحالة المأساوية الفتنة والخلافات المستمرة.

 

لذا لا بد من جهد يبذل لتجميع العاملين لخدمة الإسلام، ونصرة دعوته، وتحكيم شريعته، وتوحيد أمته: جهد فكري، وجهد عملي، لتقريب الشقة، وزرع الثقة، وغرس روح التسامح وحسن الظن، وتنقية الأنفس من آفات العجب والغرور واتهام الآخرين واحتقارهم. "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

 

لقد ابتليت الحركة الإسلامية بحالة، أفضل شيء يمكن التعبير عنها احتكار الحقيقة أو الشرعية، فهناك من يدعي أنه الممثل الشرعي والحقيقي لخدمة الإسلام، وعلى الساحة المصرية كذلك هناك من يدعي تمثيله الحقيقي بلا منازع للإسلام محاربًا كل من لا ينسجم مع ذوقه وسليقته وأهوائه وتوجهاته الفكرية والسياسية.

 

وفي الحركة الإسلامية لا يزال هناك من يدعي تمثيله للإسلام، مستبعدًا أطرافًا أخرى تشترك معه في نفس الأفكار والرؤى، ولكنها تختلف معه في الآليات والتكتيكات.

 

لذا فإن الحركات الإسلامية في أمسِّ الحاجة إلى مراجعة صادقة وموضوعية لذاتها ولمشاريعها ومناهجها وآليات عملها من خلال قراءة متأنية وفاحصة للتجربة التي مرت بها خلال نصف قرن من الزمان.

 

إن الخطاب الإسلامي وأساليب الدعوة وكذلك العمل السياسي بحاجة إلى تفكير عميق وإعادة نظر؛ إذ لم يعد مقبولاً استهلاك الطاقات لتلك الحركات وإغراقها في جزئيات داخلية وصراعات بينية، في حين يواجه الإسلام والمسلمون أشرس حملة وأكثر المعارك مصيرية.

 

فلا بدَّ للحركات الإسلامية أن تعيد تنظيم بنائها ومؤسساتها، وتجديد خطابها السياسي لتكون بحجم التحدي والمتغيرات التي تواجهها، والتي فتحت بابًا لكل الاحتمالات والمفاجآت.

 

ولا يمكن الاستهانة بتاريخ القيادات الدينية والسياسية، ولا بأي تجمع أو حركة سياسية إسلامية على الساحة الإسلامية، ويتعين على كل الفصائل التي تعمل تحت راية الحركة الإسلامية أن تعمل على ترتيب بيتها الداخلي، وتتعاون وتتحالف مع بعضها البعض، ويعرف كل فصيل حجمه وقوته على الساحة السياسية دون إلغاء أو مصادرة حق الآخرين في العمل والتمثيل من أجل خدمة الشعب المصري، وتحقيق طموحاته، والعمل جاهدة على خدمة الإسلام، وحفظ كيانه، والدفاع عنه، وليس حفظ الكيان الحزبي، والدعوة إلى الذات والأنانيات؛ لأنها لا تجدي نفعًا.

 

نحن بحاجة إلى جسور متينة للتفاهم المستمر في كل القضايا التي تهم العالم الإسلامي.
وبحاجة إلى مراجعة جادة في تصوِّرنا عن بقية إخواننا، ونحن بأشد الاحتياج إلى الوعي والبصيرة، ونعرف أنَّ الأعداء لا ينامون عنا، والضجَّات المستمرة، وخلق الفتن الطائفية والمذهبية والقومية هي إستراتيجيتهم الأولى، فلنكن حذرين وعارفين بمنهاجهم وأساليبهم.

 

على الحركات الإسلامية الائتلاف والتوحد في مقابل اجتماع قوى الباطل، فإن نجاح تلك القوى في "خطف البلاد" معناه الحرب على الدين.

 

المجتمع بحاجة إلى إصلاح ما أفسده النظام السابق من خلال معايير التدرج، دون إغفال الخصائص الثقافية والدينية للمجتمع، مع الوضع في الاعتبار أنه لا يمكن تشويه الماضي بأكمله من أجل بدء العمل على المستقبل.

 

لا بد أن تكون الوحدة الإسلامية على أساس متين من كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية 103) وحسبنا قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: من الآية 2)
أسال الله أن يعيد إلينا جميعًا وعينا وبصيرتنا، وأن ندرك بأنَّ الوحدة من الرحمن والفرقة من الشيطان.

----------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية- أسوان.