- د. مغاوري شحاتة: تطوير مجرى نهر النيل لتحسين الاستفادة منه

- د.عبد العاطي بدر: البرنامج النووي يوفر كميات كبيرة من المياه العذبة

- وحيد دسوقي: الاستمطار الصناعي وسيلة لاستفادة من مياه السحب

- د. جمال صيام: التعامل مع أزمة المياه بنظام التهويل وليس التهوين

- م. زكريا الجنايني: تغيير سياسات النظام البائد في إدارة المياه وملفها

 

تحقيق: الزهراء عامر

"قطع الطرق بسبب نقص المياه.. قرى كثيرة لم تعرف طعم المياه العذبة.. أراضي زراعية تموت وتبور بسبب عدم وصول مياه النهر لها".. هذا هو ملخص الأزمة المائية التي تواجهها مصر الآن، بعدما دخلت في نطاق الفقر المائي الذي يهدد بقاءها؛ بسبب ثبات حصة مصر من مياه النيل التي يقابلها زيادة سريعة لعدد السكان، فضلاً عن تبخر العديد من البحيرات التي تمد مصر بالماء في أعالي إفريقيا؛ مثل بحيرة "تشاد" بتنزانيا التي يتبخر 2 % من مخزونها سنويًّا.

 

ومن المسلم به أن وضع الخطط السليمة للتنمية الزراعية والصناعية في أي دولة من الدول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمعرفة شاملة ودقيقة لحجم المياه المتوافرة في هذه الدولة‏‏ وجودتها‏، واقتصاديات استخدامها‏.

 

وتعاني الدول العربية بحسب أحدث تقرير صادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية من ندرة المياه، وتعد المنطقة العربية من أفقر مناطق العالم في المياه ومن المتوقع أن يصل معدل حصة الفرد خلال سنوات قليلة إلى أدنى درجات الفقر المائي الحاد؛ نتيجة زيادة السكان وتضاؤل الإمدادات من المياه.

 

وستواجه الدول العربية عام 2015م وضعية ندرة المياه الحادة بحسب التقرير؛ إذ تنخفض الحصة السنوية من المياه للفرد إلى أقل من 500 متر مكعب في حين أن المعدل العالمي يتجاوز 6 آلاف متر مكعب للفرد، أي أن حصة الفرد تقل أكثر من 10 مرات عن المعدل العالمي.

 

مصر.. مواردها المائية محدودة تتمثل في مياه النيل التي حددت اتفاقية ‏1959‏م مع السودان نصيب مصر منها بـ ‏55.5‏ مليار متر مكعب في العام‏,‏ وهي تمثل نحو‏95%‏ من موارد مصر المائية‏‏ ثم المياه الجوفية، بعضها متجدد يمكن الاستفادة منه بقدر من الاطمئنان والبعض غير متجدد ينبغي استخدامه بحرص شديد، ووفقًا لخطة مدروسة‏ ثم مياه الأمطار والسيول ثم مياه البحر المحلاة‏، وأخيرًا المياه التي يعاد استخدامها من مياه الصرف الزراعي ومياه الصرف الصحي والصناعي المعالج‏.‏

 

هل من الممكن أن يوجد بديل لنهر النيل يغني شعبها وزراعتها وصناعتها عن نقص المياه؟.. (إخوان أون لاين) يناقش أزمة المياه التي تعاني منها مصر مع الخبراء المتخصصين في سطور التحقيق الآتي:

 

ارتفاع التكلفة

 الصورة غير متاحة

د. مغاوري شحاتة

بداية يؤكد الدكتور مغاوري شحاتة، أستاذ مصادر المياه ورئيس جامعة المنوفية الأسبق، أن موارد مصر الطبيعية من المياه الجوفية، ومياه البحر والأمطار، والسيول "لا يمكن أن تكون تكون بديلاً لمياه نهر النيل؛ ولكن في حالة تنمية مصادر المياه الطبيعية وتطوريها، سوف تخفف من الاعتماد بشكل أساسي على الحصة السنوية من مياه النيل، والتي تقدر بـ55.5 مليار متر مكعب.

 

ويوضح أن آخر الدراسات التي أجريت على المخزون الجوفي في مصر،  قدرت كمية المياه الجوفية بـ30 مليار متر مكعب لمدة 100 عام والتي يمكن سحبها سنويا من الصحراء الغربية، بالإضافة إلى كميات أخرى في سيناء لم تقيَّم بشكل دقيق حتى الآن، وهذه الكمية  تكفي لزراعة 550 ألف فدان سنويًّا، موضحًا أنه ما يتم سحبه من هذه الكمية لا يتجاوز 8 مليار متر مكعب سنويًّا.

 

وحول تحلية مياه البحر يشير شحاتة إلى أن عملية التحلية ما زلت مكلِّفة؛ سواء من حيث ارتفاع تكلفة المتر المكعب، أو ارتفاع تكلفة إنشاء خطوط أنابيب نقل المياه؛ حيث تتراوح تكلفة الكيلو متر ما بين مليون إلى مليون ونصف المليون جنيه، موضحًا أن مصر تقوم بتحلية 800 ألف متر مكعب من مياه البحر، يتركز استخدامها في المناطق السياحية الساحلية.

 

ويؤكد أن النيل يتعرض لمحنة؛ بسبب الفاقد الكبير من الإيراد السنوي  للمياه في مستنقعات بحر الجبل، وبحر الغزال التي تصل مساحتها إلى حوالي 180 ألف كيلو متر مربع، وبالرغم من اتساع مساحة حوض بحر الغزال في القطاع الغربي من حوض النيل، إلا أن الجريان المائي فيها لا يحقق أي مظهر من مظاهر الكسب للنيل، مستبعدًا الاستفادة من كمية المياه المهدرة في هذه البحار؛ لأنها مناطق صعبة من الناحية الجغرافية والجيولوجية، وبها سدود صخرية يصعب التعامل معها.

 

ويطالب بضرورة  تطوير مجرى نهر النيل؛ لتحسين الاستفادة منه، والاستجابة لمبادرة البنك الدولي الخاصة بتوسيع مجرى نهر النيل للاستفادة من كمية الأمطار السنوية التي تقدر بنحو 160 مليار متر مكعب، وتقليل الفاقد من الأمطار الذي يصل إلى 60 مليار متر مكعب- متجاوزًا حصة مصر من مياه النيل- بجانب تحسين قطاع الزراعة المصري، وتطوير نظم الري المختلفة لتقليل نسبة الإهدار المرتفعة من المياه.

 

تكنولوجيا عالية

ويشدد الدكتور عبد العاطي بدر، نائب رئيس هيئة الموارد النووية، على ضرورة امتلاك مصر لمشروع قومي نووي؛ لأنه سيساعد على تحلية مياه البحر وتحويلها إلى مياه عذبة، يتم استهلاكها في الشرب، أو استخدامها في زراعة الصحراء وتوفير المياه للأراضي القاحلة؛ فضلاً عن إمكانية إلحاق وحدات إضافية بالمحطات تساعد على إقامة مناطق زراعية في الأماكن القاحلة، وأخرى صناعية؛ خاصة أن مصر تمر بأزمة مائية شديدة، وتعاني من فقر مائي يهدد بقاءها.

 

ويبين أن عملية تحلية مياه البحر عن طريق المحطات النووية ستوفر لمصر التكاليف الباهظة التي تنفقها مصر لتحلية المتر المكعب من مياه البحر؛ نظرًا لحاجة المحطات النووية لكميات كبيرة من مياه البحر لتبريدها، ينتج عن هذه العملية تصاعد كمية كبيرة من بخار الماء يتم تكثيفها واستخدامها، مشيرًا إلى أنه كلما كانت قدرة المحطة النووية عالية كلما زادت قدرتها على تحلية مياه البحر.

 

ويؤكد أن مصر بحاجة إلى تكنولوجيا عالية؛ لتوفير المزيد من الماء العذب، في ظل أزمة حوض النيل وتسارع دول المنبع على حصة مصر والسودان؛ بالإضافة إلى تبخر العديد من البحيرات في أعالي إفريقيا التي تمد مصر بالماء؛ مثل بحيرة  "تشاد" بتنزانيا التي تفقد 2 % سنويًّا من مخزونها منذ عام 1962م؛ بسبب عمليات التبخر، وجبل "كلمنجارو" بتنزانيا الذي فقد 85% من ثلوجه خلال الـ20 سنة الماضية.

 

ويشير إلى أن البرنامج النووي سيوفر جزءًا من المياه العذبة، وهو لا يمكن أن يغني عن  حصة مصر من مياه النيل، ولكن يعمل على زيادة الموارد المائية والحفاظ على المخزون الجوفي؛ مما يتطلب تكثيف جهود إدارة ملف حوض النيل وحل الأزمة، مطالبًا بتحرك مصري سريع؛ لتبنِّي مشاريع استثمارية تضمن احترام دول المنبع لها بعد أن ظلت فترة طويلة تعطي ظهرها لدول إفريقيا، وتركت الملعب خاليًا أمام الكيان الصهيوني؛ ليبذل جهودًا مكثفة لتغيير اتفاقية حوض النيل.

 

ويقترح بدر إنشاء منظومة تضم مجموعة من العلماء والباحثين والسياسيين والاقتصاديين يكون شغلهم الشاغل هو إيجاد بدائل للشح المائي الذي ستعاني منه دول الشرق الأوسط؛ لأن مسالة المياه تعتبر مسألة أمن قومي.

 

اصطياد الأمطار

 الصورة غير متاحة
وفيما يتعلق بالاستفادة من مياه الأمطار والاعتماد عليها كبديل في زيادة مصادر المياه يقترح وحيد الدسوقي، خبير الأرصاد الجوية، تفعيل خطة "اصطياد الأمطار"؛ للاستفادة من كميات المطر التي تسقط على مصر، خاصة في الصحراء الشرقية وسيناء والساحل الشمالي، التي تتراوح ما بين نسبة تصل من 4 إلى 5 مليار متر مكعب سنويًّا.

 

ويشير إلى أن مصر كان لها تجربة في مجال الاستمطار الصناعي تبنتها وزارتا الري والزراعة في عام 2006م؛ ولكنها باءت بالفشل؛ لأن تطبيقها كان لا يستند إلى أبحاث ودراسات دقيقة، بجانب عدم توفر التكنولوجيات العلمية لأنواع السحب التي يمكن استمطارها، مشيرًا إلى أن هذا لا يعني أن كل التجارب العالمية في هذا المجال فشلت، فالتجربة الروسية حققت نجاحًا كبيرًا في مجال الاستمطار، واستطاعت أن تحمي محصول القمح من سقوط الثلوج عليه.

 

ويوضح أن هذا المشروع يحتاج إلى ميزانية تقدر بـ 20 مليار جنيه لاصطياد الأمطار والاستفادة منها بشكل كامل من خلال إعادة بناء السدود السطحية والحواجز والخزانات، وتطهير مسارات السيول، والصرف الجيد ناحية نهر النيل، مبينًا أن التكلفة الباهظة للمشروع دفعت العديد من الدول مثل سوريا والمغرب والإمارات إلى إلغاء هذه الأنظمة؛ ولكن قد تلجأ الدول إلى تنفيذه في الفترة القادمة؛ بسبب زيادة نسبة الفقر المائي ودخول العديد من الدول في حرب مائية؛ لتوفير أي قطرة من المياه.

 

الحصة الزراعية

ومن جانبه يؤكد الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة جامعة الأزهر، أن الزراعة تستهلك ما يقرب من 80 % من حصة مصر من مياه النيل، وأي نقص في موارد المياه يؤثر مباشرة على الإنتاج الزراعي، ومن ثم الغذاء في مصر.

 

ويوضح أن الظروف الخارجية المتعلقة بالمياه والزيادة السكانية المستمرة، فمن المتوقع أن يصل عدد سكان مصر خلال العشر سنوات القادمة إلى 100 مليون نسمة، ستؤدي إلى زيادة الطلب على أغراض المياه غير الزراعية، ومن الممكن أن تتقلص المساحة الزراعية إلى 50 أو 60 %، مبينًا أنه  كلما زاد عدد السكان كلما زادت الضغوط على الموارد المائية.

 

ويبين أن مصر بحاجة إلى ترشيد المياه، وخاصة مياه الزراعة من خلال تطبيق سياسات الاستثمار؛ لنشر طرق الري الحديثة حتى في الزراعات القديمة، ووجود أبحاث لطرق معالجة وتنقية مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها؛ فهناك ما يقرب من 10 مليار متر مكعب من مياه الصرف الصحي من الممكن الاستفادة منها.

 

ويتهم الدولة بالتقصير والإهمال الشديدين في قطاع الزراعة؛ لتخصيصها 3 % فقط من الموازنة العامة لقطاع الزراعة والري، موضحًا أن هذا الرقم الهزيل لا يكفي لدعم المشروعات الاستثمارية لتنمية هذا القطاع، بجانب عدم قدرتها على السيطرة على المياه الجوفية وتركها لزراعة نبات الموز، وهو أكثر النباتات استهلاكًا للمياه.

 

ويشدد على ضرورة حفاظ مصر على حصتها الحالية من مياه النيل ولا تطمع في زيادتها في ظل تخلي دول المنبع عنها، فضلاً عن تقديم بعض التنازلات في صورة مشروعات تنموية للحفاظ على المياه، والوقوف في وجه المشروعات المائية التي تقيمها الدول التي خفضت 10 مليارات متر مكعب من حصة من مصر المائية العام الماضي.

 

ويتوقع أن تتبنى إثيوبيا برنامجًا تنمويًّا لبلادها مع تطور التكنولوجيا، وتتجه إلى نظام الزراعة بالري؛ بدلاً من نظام الزراعة بالأمطار الذي يحتاج إلى تحويل جزء كبير من مياه النيل لعملية التنمية؛ مما يؤدى إلى انخفاض نصف حصة مصر من النيل.

 

ويؤكد أن جفاف فرعي النيل نهائيًّا ما يترتب عليه جفاف الترع سيكون النتيجة الحتمية لمشروعات التنمية الإثيوبية، ولهذا لا بد من رفع حالة الطوارئ المائية؛ لأن كل قطرة ماء سيتم التفريط فيها تعني موت طفل في عام 2050م، ولا بد أن يؤخذ الأمر بنظام التهويل والمبالغة وليس التهوين؛ حتى يلتفت الجميع إلى خطورة الموقف.

 

ناقوس الخطر

 الصورة غير متاحة

 م. زكريا الجنايني

ويوضح المهندس زكريا الجنايني، عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ببرلمان 2005م، أن كل ما حدث في أزمة المياه كان نتيجة تخلي مصر عن دورها الريادي في المنطقة، مما دفع العديد من الدول مثل تركيا وقطر إلى محاولة سد الفراغ، فضلاً عن محاولة الكيان الصهيوني أن يكون أكبر دولة في المنطقة بسيطرته على المياه.

 

ويشير إلى أن الشعب المصري حاليًّا بدأ في البحث عن بدائل لمياه نهر النيل في ظل نقص المياه، تتمثل في حفر آبار ارتوازية بأعماق كبيرة لسحب المياه الجوفية؛ لاستخدامها لري مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي لا تصل مياه النيل إليها.

 

ويبين أن مصر جنت في عهد النظام البائد ثمار إعطاء ظهرها لإفريقيا بزيادة نسبة الفقر المائي الذي تجسده أزمة زراعة الأرز بعد تراجع مساحات زراعة المحصول، وشن الحكومة حملة ضد المزارعين لعدم قدرتها على السيطرة على الموقف.

 

ويحذر من عدم قدرة مصر على حماية مياه النيل ؛ لأنها هي حياة الزراعة، واللجوء إلى الري بمصادر المياه الأخرى مكلف وغير متاح، وإن لم تتعامل الحكومة مع هذه الأزمة بحسابات جديدة وجيدة فهذا يدق ناقوس خطر تدمير الزراعة المصرية.

 

ويطالب الجنايني الحكومة بضرورة استخدام طرق بديلة لنظام الري بالغمر، ومحاربة إهدار المياه في ملاعب الجولف؛ حتى يتم المحافظة على الثروة المائية؛ لتوفيرها إلى الزراعات التي تحتاج الري بالغمر، فضلاً عن القيام بعمل أبحاث وإنتاج أصناف محاصيل لا تحتاج إلى مياه بكثرة وتتعامل مع الجفاف.