نحتاج اليوم وبعد مرور ثمانية أشهر على بدء الثورة المصرية أن نقف وقفة تأمل ومراجعة للمشهد الثوري، وبنظرة سريعة نستطيع القول: إن هذه الثورة المجيدة- من جانب- قد حققت لنا ما كنا نعجز أن نحلم به قبلها (رحيل رئيس ونائبه وحكومته وبرلمانه، فضلاً عن حل جهاز أمن الدولة وحل الحزب الحاكم وحل اتحاد عمال كان مطية النظام)، لكننا- من الجانب الآخر- لم نبدأ بعد في إقامة مؤسسات ولا في وضع قواعد النظام الجديد بما يضمن لنا أن النظام السابق قد رحل بغير رجعة، وأن نظامًا جديدًا قد حل محله.
قلت في مقالات سابقة إننا أمام فرصة نادرة التكرار في صفحات التاريخ، علينا أن نتعامل معها على هذا النحو من الإدراك لخطورتها وعدم تضييعها، فنحن شعب غاب عن المشهد الحضاري زمنًا طويلاً؛ بسبب التخلف، ثم بسبب الاحتلال، ثم بسبب الاستبداد، وها هي قد جاءتنا الفرصة لاقتلاع جذور الاستبداد؛ لنتهيأ لكتابة جولة جديدة من جولات التاريخ.
علينا أن نحدث ثورة كاملة من أجل تغيير كامل (ليس متمثلاً فقط في تطهير كل مواقع المسئولية من كل المنتمين إلى منهج النظام السابق، بل تغيير جميع القواعد الفاسدة التي قام عليها النظام السابق في كل جوانب الحياة، والتي خلفت لنا هذا العفن والقهر والعجز والشلل والتخلف والمرض والفقر والتردي في كل جوانب الحياة.
أرى أن مشروع الثورة الكاملة أمامه تهديدات كثيرة، وأن هناك سعيًا حثيثًا إلى إعادة ربط مفاصل النظام القديم بعد ترميمه في محاولة (من أطراف عديدة داخلية وخارجية) لإعادة إنتاج الماضي مع أقل قدر من التغيير الحقيقي، بمعنى أن تتحول الثورة إلى مشروع إصلاحي محدود ضحى النظام القديم فيه ببعض رموزه وشخوصه، واكتسبت به بعض القوى السياسية المعارضة قدرًا من المشروعية السياسية ومساحات من حرية الحركة، وربما قدرًا من المشاركة السياسية (برلمانًا وحكومة)، على أن تبقى هذه القوى وهذه المساحات وهذه المشاركات تحت السقف المحدد سلفًا؛ لتصبح هذه القوى محدودة الأثر ضمن مكونات النظام الجديد الذي لا يختلف كثيرًا عن النظام القديم (النظام القائم على مركزية السلطة وأبويتها، وعدم قدرة الشعب على مساءلتها أو محاسبتها أو استبدالها بغيرها- والقائم على محورية الجهاز الأمني والتقارير الأمنية وإدارة جهاز أمن الدولة (أقصد الأمن الوطني) للساحات الداخلية بما فيها العمل السياسي وإدارة جهاز المخابرات (وليست وزارة الخارجية) للعلاقات الخارجية والإقليمية، واعتبار كلا الجهازين جهازين سياديين يديران الملفات السيادية بلا رقيب، والنظام القائم على محدودية دور البرلمان والحكومة- محدودية الصلاحية والفاعلية- والقائم على عدم تحقيق استقلال حقيقي للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، والنظام القائم على تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة في جميع مواقع المسئولية، والقائم على توسيع قاعدة المستفيدين بالنظام، ولو على حساب مصالح وحقوق الشعب (أحزاب النظام - رجال الأعمال - المجالس المحلية - الصفوف القيادية للإدارات والمؤسسات والمصالح العامة الذين يتم اختيارهم بتقارير الثقة وليس الكفاءة)، وهذا كله من شأنه أن يستمر في إنتاج نفس الفساد والتخلف والمرض والفقر والقمع والقهر الذي أنتجته الأنظمة السابقة.
الجهاز الأمني (ومنظومته وعقيدته وصلاحياته وعدم الرقابة عليه) كان يمثل حجر الزاوية في النظام السابق، وعلى الرغم من إيماننا بأنه كان مصدر البلوى في الوطن كله ورغم تقديرنا أن حل جهاز أمن الدولة كان أعظم إنجاز من إنجازات الثورة، فقد سمحنا بإعادة إنتاج أمن الدولة تحت اسم الأمن الوطني وسكتنا عنه!
ثم تحت تأثير حالة الانفلات الأمني والبلطجة المنظمة (المقصودة) تم تبرير تفعيل حالة الطوارئ، وتقديم المدنيين للمحاكمات العسكرية والاستثنائية، وصدور قوانين للتضييق على حقوق التظاهر والاعتصام السلمي (وإن لم تفعل بعد)، وبناء عليه يمكن أن تعود الأجهزة الأمنية مرة ثانية لأداء شرطي غير منضبط بقانون ولا دستور ولا رقابة قضائية، وهذا وحده كفيل بعودة منظومة القمع والاستبداد والفساد السابقة، ويجب ألا نسمح به مهما كلفنا ذلك من تضحيات، وما لم يتم تصحيح ذلك فإني أعتبر أن الثورة قد فشلت، على الرغم من كل ما حققته من إنجاز.
أذكر أن النضال ضد المحاكمات العسكرية والاستثنائية كان أحد المحاور الرئيسية للحراك السياسي الذي سبق الثورة.. فكيف نسكت عن هذه المحاكمات بعد الثورة؟ كما أذكر أن إنهاء حالة الطوارئ كان المطلب الأول لكل الفاعليات السياسية التي مهدت للثورة.. فكيف نقبل باستمرار الطوارئ وتوسيع مظلتها بعد الثورة؟ ولكي تتضح الصورة المتناقضة بين الدولة المدنية (دولة الدستور والقانون) التي ننشدها جميعًا والتي هي أحد مطالب الثورة الرئيسية وبين الدولة البوليسية التي عانينا منها كثيرًا (والتي سنعود إليها حتمًا إذا صمتنا الآن وتغاضينا عن تفعيل الطوارئ)، فإني أضع أمام القارئ نص المادة 41 من دستور 71(!)، وهو النص العظيم الذي بقي معطلاً لعشرات السنين؛ بسبب استمرار العمل بقانون الطوارئ، ففي الوقت الذي نص فيه الدستور في مادته تلك على أنه (لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته أو منعه من التنقل أو السفر إلا بأمر من القاضي المختص، أو بإذن من النيابة العامة)! نص البند الأول من المادة الثالثة من قانون الطوارئ على (الترخيص في وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة، والقبض على المشتبه بهم أو الخطيرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم، والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية)؛ بل نصت هذه المادة على (الترخيص في تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال)! هي إذن شريعة الغاب، وليست فقط الدولة البوليسية.
تقول القيادات العسكرية والأمنية إنها لن تستخدم قانون الطوارئ إلا في مواجهة البلطجة والجريمة المسلحة، وهنا أتذكر أن السيد أحمد نظيف كان يأتينا للبرلمان في كل مرة قبل تمديد العمل بقانون الطوارئ؛ ليقسم لنا أن حكومته لن تستخدم حالة الطوارئ إلا في مكافحة الإرهاب والمخدرات، (وهو ما استطعنا أن نفرض النص عليه على سبيل الحصر في القانون نفسه في تعديل عام 2010)، لكن استخدام القانون ضد الخصوم السياسيين (وليس ضد الإرهاب والمخدرات) ظل هو الاستخدام الأغلب لدى كل حكومات النظام السابق طوال الـ30 سنة الماضية، وأتذكر أننا حين كنا نسأل مساعد وزير الداخلية في البرلمان عن تجاوزات الداخلية وانتهاكاتها ضد الناشطين السياسيين كان يجيبنا في كل مرة (هذا هو قانون الطوارئ الذي وافق المجلس الموقر على العمل به، فلماذا تلوموننا على تطبيق القانون!، لقد انتهت حالة الطوارئ دستوريًّا بانقضاء الأشهر الستة التي نصت عليها التعديلات الدستورية التي جرى الاستفتاء عليها في 19 مارس، ولا يجوز تمديد الطوارئ بعد هذه المدة المحددة دستوريًّا إلا باستفتاء شعبي، ولا توجد أي مبررات واقعية- ولا دستورية قانونية- لبقاء حالة الطوارئ إلا رغبة الأجهزة الأمنية في العمل بعيدًا عن محددات الدستور والقانون ورقابة القضاء، والجدير بالذكر أن نص المادة الأولى من قانون الطوارئ نفسه يحصر دواعي فرض حالة الطوارئ في (الحرب- التهديد بالحرب- النزاعات الداخلية المسلحة- النكبات والكوارث الطبيعية) وكنت دومًا أسأل د. فتحي سرور ود. مفيد شهاب مستنكرًا أي حالة من هذه الحالات ينطبق علينا لنمدد الطوارئ؟ وللأسف لا يزال السؤال قائمًا رغم التخلص من فتحي سرور ومفيد شهاب، جدير بالذكر أيضًا أن حالة الطوارئ كانت سارية- غير معطلة- طوال الأشهر الستة الماضية فلماذا لم تستخدم في التصدي للانفلات الأمني وتصفية البلطجة والجريمة المنظمة التي تركت من أجل تبرير الطوارئ واستمرارها.
قلت في مقالات سابقة إننا بحاجة ماسة في هذه المرحلة لبرلمان (قوى- متماسك) قادر على القيام بأعباء المرحلة وفي أولها:
1- القيام بالدور الرقابي على أداء الحكومة بل على الأداء السياسي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وخصوصًا فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية وصلاحياتها وقواعد عملها وضمان عدم إنتاجها للماضي.
2- تسلم السلطة التشريعية كاملة من المجلس العسكري للقيام بالواجبات التشريعية وفقًا لرؤية الشعب وتطلعاته بعد الثورة (ليوقف البرلمان حالة الطوارئ، ويعدل قوانين المحاكم العسكرية فتختص بالعسكريين دون المدنيين، ويصدر قوانين تحقق استقلال حقيقي للقضاء وللجامعات وللنقابات المهنية والعمالية، ويصدر قوانين جديدة للحكم المحلي فندخل لمرحلة بناء صحيح لمؤسسات الدولة على قواعد جديدة).
لكن الوصول لبرلمان قادر على القيام بهذه الأعباء وغيرها مرهون بالبيئة السياسية والقانونية والإجرائية للانتخابات، وبمدى التوازن (بين الشعب والسلطة) في الفترة التي سينشأ فيها هذا البرلمان وستجري فيها هذه الانتخابات، وهل ستكون انتخابات جادة سليمة تتم في مناخ ديمقراطي صحيح فتنتج برلمانًا ثوريًّا حقيقيًّا (هو صاحب السيادة باعتباره ممثلاً للشعب ومعبرًا عنه، وبالتالي لا توجد وصاية عليه ولا أسقف لفعاليته الرقابية والتشريعية والتي نحتاجها في بيئة ثورية لنستكمل مسيرة الثورة ونحقق أهدافها)، أم تكون انتخابات تسمح بإعادة إنتاج الماضي (برلمان يسمح بعودة فلول النظام وفلول المعارضة الصورية إليه في صورة أحزاب الوطني الجديدة ومرشحي الوطني الذين دخلوا تحت قوائم أحزاب معارضة ديكورية، فيكون برلمان يستكمل ديكور الشكل الديمقراطي للنظام، ويتحرك تحت أسقف وضعتها له جهة الإدارة العليا ذات السيادة الحقيقية).
أظن أننا في حاجة إلى:
1- استعادة حالة التوافق الوطني لاستعادة وحدة وقوة الزخم الثوري.
2- استمرار الضغط الثوري السلمي وراء المطالب العاجلة والمحددة محل التوافق الوطني (وقف الطوارئ- وقف المحاكمات العسكرية والاستثنائية- تحقيق الاستقرار الأمني ووقف البلطجة- تصحيح قوانين الانتخابات والدوائر- صدور قانون العزل السياسي) من خلال آليات ضغط محسوبة ومسئولة وبالتنسيق والتوافق عليها مسبقًا منعًا للخلاف والفرقة.
3- السير معًا نحو الانتخابات بلا تأجيل من خلال توافق وتحالف انتخابي قوي قادر على أن يحوز أغلبية شعبية حقيقية للوصول إلى برلمان قادر على القيام بأعباء المرحلة واستكمال مسيرة الثورة.
الحقيقة أننا أمام مخاوف واضحة وحقيقية على الثورة، وعلينا جميعًا أن نراجع المشهد كله بكل مستجداته وتجلياته لنستكمل مسيرة ثورة كاملة وليس مشروعًا إصلاحيًّا محدودًا، فالثورات لا تعرف الوقوف في منتصف الطريق ونصف الثورة لا يعني إلا فشل الثورة، وأعوذ بالله أن نقع في هذه الخطيئة التي لن يغفرها لنا التاريخ ولا الأجيال (بعد أن جاءتنا فرصة الثورة الكاملة لتغيير حقيقي غير منقوص ينهض بهذا الوطن نهضة حقيقية)، وسيسألنا الله عن هذه الفرصة عظيم المساءلة.
-------------------------
نقلاً عن: (الشروق)
http://shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=25092011&id=a15035a2-ca22-4497-ae10-30fe1dbd45cb