نبدأ- بمشيئة الله- نشر "ملخص" ما نتمه من دراستنا حول "قراءة في برامج الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية"، وهي بالطبع رؤية خاصة لكاتبها، نبتغي فيها استخلاص "فلسفة" و"سلوك" كل برنامج، لنبدأ حوارًا يستهدف البحث عن المشترك "النظري" بين هذه البرامج بغية التوصل لمشترك "عملي", وحتى يكون الوفاق الإسلامي قاعدة لوفاق وطني... هدف كبير.. نعم... لكن لا أمل في دولة مصرية ناهضة بدونه.. ونبدأ هنا بقراءتنا في برنامج حزب "الحرية والعدالة":

ككل الوثائق الإصلاحية، يعتمد برنامج "حزب الحرية والعدالة" "فلسفة" كما يتسم بـ"سلوك" في حلول المشكلات.

ففي إطار الفلسفة: فإن للبرنامج ملامح ثلاثة رئيسية تشكل فلسفته وهي:

1- المرجعية         2- الواقعية         3- العصرية

وكما أن لكل برنامج إصلاحي سلوكًا في اختيار طرق الإصلاح فإن "سلوك" برنامج الحزب يمكن وصفه بصفة (الجرأة)، وسنعطي بعض الأمثلة على محاور "الفلسفة" ومحور "السلوك" لكي تكون أشبه بعدسة نقرأ بها هذا البرنامج الإصلاحي الشامل:

أولاً: الفلسفة:

1- المرجعية:

أ- اعتمد البرنامج "المرجعية الإسلامية" ابتداءً من التعريف بالاسم (الحرية والعدالة) وسبب اختياره باعتبار "الحرية" هبة من الله وفريضة إسلامية وأن "العدل" اسم من أسمائه سبحانه وتعالى، وذلك يعني أن الصفتين أبديتان لا يحق لإنسان أو سلطة أن تمنحهما أو تمنعهما، وبالتالي يرتفع "بالحرية والعدالة" من كونهما "حقوقًا طبيعية" كما في المذاهب الأوروبية إلى كونهما "عطاءً ربانيًّا" وهي أسمى المراتب في التصاق الحق بصاحبه حيث لا منازع لله في عطاياه، ولا سلطانه.

 

ب- وفي المبادئ اتخذ من الشريعة الإسلامية التي يؤمن بها غالبية الشعب مرجعيته ودليله، واعتبرها ضمانة لحقوق المسلمين وغير المسلمين في الدولة الإسلامية.

 

ت- وقرر البرنامج أن "وحدة الوطن" و"حرية الاعتقاد" و"العبادة" و"تحاكم غير المسلمين إلى شرائعهم في أحوالهم الشخصية" هي حقوقٌ "إسلامية" توجبها الشريعة على السلطة الحاكمة.

 

ث- وعارض البرنامج مبدأ "السياسة عملية قذرة" واعتبر أن المرجعية الإسلامية توجب ربط السياسة بالمبادئ.

 

ج- وفي عالم الاتفاقات الدولية أيضًا طالب البرنامج باحترامها جميعًا, خاصة إذا اتفقت مع مبادئ الشريعة، ليقرر بذلك معنى نشر ثقافة احترام الإسلام، وعرضها دوليًّا، حتى يقر المجتمع الدولي قيدًا جديدًا على مبادئه وهو احترام شرائع المسلمين.

 

ونرجو أن يرى القارئ بنفسه كيف جعل البرنامج "مبادئ الشريعة" حاكمة على كل حلوله، ووضعها برشاقة وتواؤم مع الهوية العامة للشعب المصري، ومع طبيعة المشكلة وتفصيلاتها.

 

2- الواقعية:

* تصور بعض المثقفين أن البرنامج سيركز اهتمامه على القيم والمبادئ، باعتبار الحزب ذراعًا سياسيةً لجماعة "الإخوان المسلمين" التي تعتمد الإسلام هو "منهجها الإصلاحي"، فهو إذن برنامج لحزب أيديولوجي، ولكن.. كما لم يغفل البرنامج "القيم" و"المبادئ والأسس" فإنه تصدى "للواقع" برؤية إصلاحية "واقعية".. وعلى سبيل المثال:

1- اعتبر الحزب نفسه من البداية وليدًا لواقع جديد وهو ثورة "25 يناير" كما أنه أحد تجليات نجاحها، ورد بذلك على من يصورون أن السياسيين الإسلاميين يقدمون أنفسهم للناس باعتبارهم واقعًا إلهيًّا مفروضًا على البشرية لتطهيرها، أو أنهم ظل الله في الأرض.

 

2- وفي المبادئ الأساسية للدولة، خاض البرنامج- على سبيل المثال- في أكثر من عشر تفصيلات تضمن استقلال القضاء, وحدد مسئولية الإنفاق لمجلس القضاء الأعلى, وانتخاب رئيس المحكمة الدستورية من بين أعضائها، وتحدث البرنامج عن حظر الندب والإعارة للقضاء في الوزارات..... الخ, مما يضع آلية عملية للوصول للمبدأ الذي يريده البرنامج (استقلال القضاء)، ولم يتوقف عند ذكر عموميات المبادئ.

 

3- كما اعتمد نظامًا من النظم السياسية الواقعية المطروحة في العالم، والتي يقرها المنهج الإسلامي، وهو "الدولة الدستورية" واعتمد مبدأ المساءلة للجميع، وأنه لا أحد فوق القانون، ولا يمتلك كائن من كان تفويضًا شعبيًّا كاملاً مجانيًّا فضلاً عن أن يمتلك التفويض الإلهي.  

 

4- كما تعامل بواقعية مع قضية المرأة وانحاز للتمكين لها مقرًّا- ضمنيًّا- بظلمٍ واقع عليها مجتمعيًّا، مع حرصه على إحداث التوازن والتمايز بين دوري الرجل والمرأة في بناء المجتمع.
5- وفي القضايا الاجتماعية تصدى لقضايا الأُجور والبطالة وضبط الأسواق.. كما اهتم بقضايا الأُمية والطفولة ومشكلاتها: مثل مشكلة أطفال الشوارع، والأيتام، وذوي الاحتياجات الخاصة.

 

6- وفي مجال التنمية المتكاملة: طالب بتطوير المؤسسات العليا في الدولة، والخروج من الوادي الضيق لخدمة أهداف التنمية، وإقامة مشروعات تنمية بسيناء والوادي الجديد والساحل الشمالي الغربي والصحراء الشرقية وجنوب أسوان، وتحدث عن الثروة العقارية، والأراضي الزراعية، ثم تصدى لمشكلات التعليم والبحث العلمي بالتفصيل، وكذلك قضايا الصحة والدواء وإنشاء الوحدات الصحية، وعلاج الإدمان، ومحاربة الغش والتهريب في الدواء، كذلك تعرض للمشكلة السكانية والشبابية بشكل مفصل وتصدى لحلولها.

 

3- العصرية:

* اعتمد البرنامج فكرة (البدء من حيث انتهى إبداع الآخر) في آليات الإصلاح، وعلى سبيل المثال:

 

1- اعتمد مبدأ الدولة الحديثة بأوصافها الأربعة (المواطنة- الدستورية- الديمقراطية- المدنية)، وهي أعظم ما اتفقت عليه الإنسانية من أوصاف للدولة، واقتربت بذلك من الرؤية الإسلامية للدولة.

 

2- وفي التفاصيل اعتمد مبدأ (الفصل المرن) بين سلطتي التنفيذ والتشريع، متجاوزًا مبدأ (الفصل الحاد) الذي تخلت عنه أغلب النظم السياسية، وكانت الولايات المتحدة من أواخر الدول التي خففت من الفصل الحاد الذي كانت تنتهجه، واتجهت إلى المرونة في الفصل بين السلطات، ولهذا تفصيله في الأبحاث المتصلة بنظم الحكم.

 

3- اعتمد مبدأ (لا مركزية الحكم المحلي) باعتباره أفضل إبداع بشري في إدارة كل إقليم داخل الدولة، والذي يستتبعه ضرورة انتخاب المحافظين، ومنح صلاحيات رقابية موسعة للمجالس الشعبية المحلية، ورغم أن دول متقدمة كفرنسا لا تنتهج انتخاب المحافظين إلا أن البرنامج اتسق مع نفسه لأنه اختار النظام البرلماني كنظام للدولة بينما فرنسا تأخذ بالنظام "شبه البرلماني" والذي تتعدد فيه التناقضات بين الرئيس ورئيس الوزارة وسلطة التشريع، بينما النظام البرلماني يضع تناقضًا واحدًا مخففًا بين رئيس الوزارة وسلطة التشريع واللذين غالبًا ما يكونان من حزب واحد، لذا يفضل أن تخرج قيادة المحافظات من أيديهم، وتكون بيد الشعب مباشرة, حتي يضمن تنافسًا بين جميع الأحزاب لصالحه طيلة الوقت.

 

4- اعتماد المفهوم الموسع "للأمن القومي"، ليس باعتباره قوة التسليح والجيش فقط كما كان بالماضي، ولكن باعتماد ذلك، مع توثيق العلاقات الدولية والدبلوماسية السلمية مع الشعوب واحترام المبادئ والنظم الدولية، وكذلك التوسع في "نطاق" و"مدى" الأمن القومي وذلك باعتبار "القضية الفلسطينية" أمنًا قوميًّا لمصر، ووجوب دعم المنظمات العربية، والإسلامية الدولية، وكذا الاتحاد الأفريقي، واعتمد البرنامج مفهوم "مساهمة مصر" في حل المشكلات الدولية "كفاعل" أساسي مثل (قضايا التصحر، والإغاثة، وحقوق الإنسان، وإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل)، واعتبر كل ذلك سندًا قويًّا للأمن القومي المصري.

 

5- وفي كل من "التنمية المستدامة" و"الاقتصاد": اعتمد البرنامج المفهوم العصري المتطور باعتبارهما محورين منفصلين يخدم كل منهما الآخر؛ بعد ما كانت التنمية مجرد محور اقتصادي، كما اعتمد التنمية "المستدامة" بمدلولاتها العصرية وهي "التنمية المتكاملة" بشريًّا وعمرانيًّا وإنتاجيًّا وليس اقتصاديًّا فقط.

 

6- واعتبر "الإنسان" هو محور التنمية الاقتصادية ودعا إلى تشجيع "الاقتصاد المجتمعي" واعتماد الجهود الطوعية باعتبارها إضافة للاقتصاد مثل أعمال البر، وهذه المبادئ الإسلامية هي ما استقرت عليه أغلب النظم المتقدمة لإنجاح جهود التنمية للدولة.

 

7- واعتمد مبدأ "الريادة" في مجال الصادرات سندًا أساسيًّا للعملية الاقتصادية، وليس مجرد الإنتاج أو الاكتفاء الذاتي.

 

8- واعتمد مبدأ الاستقرار النفسي باعتباره محفزًا للسلام الاجتماعي والتنمية، وذلك بالتشجيع على الزواج واستيعاب الشباب في الفاعليات السياسية والمجتمعية.

 

9- واهتم بالبيئة واعتمدها محورًا أساسيًّا من محاور تطوير الدولة ووضع لها تفصيلات الحفاظ عليها، والحفاظ على النيل، والملائمة للمجتمع المصري.

 

10- وفي الثقافة والفن اعتمد استخدام جميع الوسائل الإبداعية في تنمية المجتمع، كما دعا للتفاعل مع العالم بالدعوة إلى الترجمة باعتبارها محورًا نهضويًّا.

 

وهكذا أوضحنا أمثلة تظهر الفلسفة العامة للبرنامج..... والآن... نظهر لك "السلوك" الذي انتهجه البرنامج للإصلاح والذي وصفناه بوصف "الجرأة".

 

وتتمثل الجرأة في أشكال عديدة نذكر منها هذه الأمثلة:-

1- اعتمد البرنامج مبادئ (الشريعة الإسلامية) في برنامج حزب سياسي، في وقت ظلت الأفكار المناوئة تراهن على عدم قدرة الإسلاميين في التصدي للواقع، باعتبارهم "مثاليين" والفارق بين "الواقعية" و"المثالية" ما بين الأرض والسماء، وقد قدم الحزب برنامجًا إصلاحيًّا "واقعيًّا" في حضن الشريعة، ويتواءم مع الواقع والأحلام، كما يستند إلى القيم والمبادئ، بما يمهد الطريق للإسلاميين في كل أنحاء العالم أن يؤسسوا أحزابًا إصلاحية شاملة بمرجعية إسلامية دون تهيب من الاتهامات الجاهزة، ويمهد الطريق لتتفهم الشعوب والأنظمة طبيعة هذا الوليد المتكامل الجديد, وتتعامل معه بجدية.

 

2- اعتماد حلول "محددة" في المسائل الكبرى- سنوضح أمثلة- رغم تعدد الرؤى فيها، مما يؤكد صدقية البرنامج، وأنه يريد المساهمة في حل مشكلات الوطن جذريًّا، وليس في التسيُّد الاستبدادي على الوطن, أو مجرد المنافسة على الحكم.

 

3- وفي أهداف الحزب يؤكد انحيازه للحريات العامة وحرية تكوين الأحزاب للجميع، بما يدحض تمامًا فكرة عدم قبول الإسلاميين لذوي المرجعيات الأخرى (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار)، وطالب بأحقيتها في المنافسة على نيل تأييد الشعب وحكمه ديمقراطيًّا.

 

4- وفي نظام الدولة كان البرنامج أكثر جرأة إذ اختار "النظام البرلماني" من بين أنظمه أربعة كبرى هي (البرلماني- الرئاسي- شبه البرلماني- الجمعية)، ليكون أحد الأحزاب التي تطالب بنظام سياسي محدد، متجاوزًا أسلوب التعميم في المطالب المتعلقة بإصلاح الدولة.
5- واقترح البرنامج إلغاء تبعية المؤسسات والهيئات الرقابية للسلطة التنفيذية وطالب بضمها للسلطة التشريعية.

 

6- وفي مجال "الإسكان" اختار فلسفة "إعادة توزيع التنمية والسكان على معظم المسطح القومي بالارتباط مع الموارد الطبيعية المتاحة" رغم تعدد الرؤى حول طبيعة المشكلة السكانية وحلولها.

 

7- وفي مجال النقل والمواصلات طالب بإنشاء وزارة وخط حديدي شرق النيل.

8- وفي السياحة قفز إلى الحلول مباشرةً ووضع ثلاثة عشر محورًا لتنمية السياحة، وجعلها في صدارة التنمية، وبالتالي ترك المناوئين يتحدثون عن (الخمر والمايوه....) وتصدى هو لتنمية الدولة سياحيًّا وأعاد قضايا الفتوى إلى (المؤسسة الدينية)، واكتفى بالنص على ضرورة احترام قيم ومبادئ الشعب، وهو نص يتفهمه العالم كله كممارسة إنسانية وحقوقية محترمة بين الشعوب.

 

9- وفي الاقتصاد اختار البرنامج مبدأ (الحرية الاقتصادية) مع قيام الدولة بدورها الرقابي وحماية الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية، وطالب بمراقبة الاتفاقيات الدولية لمصلحة مصر مع الإقرار باحترامها، ووضع أرضية اتفاق مع الليبرالية الوطنية، كما أقر منظومة العدالة الاجتماعية في إطار اقتصاد حر، واعتبر- بجرأة- أن هذه قراءته للنظرية الاقتصادية الإسلامية، وليفتح الباب على مصراعيه لحوار متقدم حول هذه الرؤية، ويشجع الإسلاميين أن يساهموا بجدية في القضية الاقتصادية التي طالما أقصوا عنها.

 

10- وفي المجال الديني طالب البرنامج بانتخاب أعضاء مجمع البحوث الإسلامية وانتخاب شيخ الأزهر.

 

11- وفي الثقافة والفنون خلا البرنامج من اعتماد الرقابة, رغم توقع الكثيرين بغير ذلك، واعتمد المفهوم العصري الصحيح للرقابة بمستوياتها الثلاثة، وهي "رقابة المبدع والمؤسسة الإبداعية على نفسها"  و"رقابة الشعب للمؤسسة" و"رقابة القانون على الجميع"، واعتبر أن البناء الصحيح للمجتمع سيُنشئ المستويات الرقابية الثلاثة بشكل قوى يُمكِننا من الاستغناء عن الرقابة السلطوية المعروفة.

 

12- اقترح البرنامج فكرة جديدة تستوعب الإعلام الإلكتروني، وذلك باقتراح إنشاء مجلس أعلى للإعلام الإلكتروني مستقلاً عن الحكومة جزئيًّا، ليؤكد تقديره لكل أشكال ممارسة "الرأي" ومناصرته لها.

 

وهكذا- عزيزي القارئ- وضعنا لك عدسة واحدة من نظارة تستطيع أن تُقرب بها مفاهيم برنامج الحزب، وحاولنا تسليط الضوء عليه طبقًا لرؤية واضعيه...... وإلى برامج أخرى بمشيئة الله.

-------

* Mohamedkamal62@ymail.com